دخل دان إلى قاعة لم يدخل اليها من قبل.
وقف عند العتبة لبرهة، يتأمل المكان بعين فاحصة، قبل أن يتمتم:
“هذه
،
قليلاً
.
كان الهواء داخلها أخفّ، وكأن شيئًا غير مرئي يسبح فيه. المقاعد أقل عددًا، والجدران تزيّنها نقوش قديمة تمثل أشكالًا لأطياف وضباب متداخل. مع مرور لحظات، بدأ الطلاب بالقدوم واحدًا تلو الآخر، وكان عددهم ضئيلاً مقارنة بالقاعات الأخرى.
“يبدو
.
فكّر دان وهو يراقبهم.
وفجأة، وقعت عيناه على وجه مألوف… إيلينا .
كانت تسير بخطوات هادئة، دون أن تلتفت نحوه.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه وهو يتمتم:
“صحيح
…
.
جلس في أحد المقاعد الجانبية، مستندًا إلى الطاولة أمامه، يراقب الباب بفضول.
وبعد دقائق قليلة، دخل الأستاذ.
أثار مظهره انتباه الجميع… كان نحيف البنية، ذا شعر أبيض ناصع يزيده غرابة، لكن ما جذب انتباه دان أكثر من عينَيه الخضراوين هو الأذنان المدببتان اللتان لم تتركا مجالًا للشك.
“ألف ،
. “
فكّر دان وهو يحدق فيه بتمعن، يراقب ابتسامته المرحة وطريقته الهادئة في السير نحو المنصة.
ابتسم الأستاذ وهو يقف على المنصة، واضعًا يديه خلف ظهره ثم قال بنبرة مرحة:
“مرحبًا أيها الطلاب،أرى بعض الوجوه الجديدة بينكم، وهذا يبعث على الحماس.”
أشار إلى نفسه بخفة ظل وأضاف:
“اسمي لورين ، أستاذكم الوسيم. قد أبدو شابًا… لكن صدقوني، لست كذلك على الإطلاق.”
ضحكة صغيرة خفيفة انطلقت من بعض الطلاب، فيما رفع آخرون حواجبهم في حيرة.
صفق الأستاذ بيديه مرة واحدة وقال:
“حسنًا، لنتوقف عن الحديث عني. نحن هنا لنتعلم.”
صمت لحظة، جاعلًا أنظاره تمرّ على الوجوه في القاعة، قبل أن يسأل بابتسامة هادئة:
“أخبروني، ماذا تعرفون عن الأرواح؟"
كانت أول من رفعت يدها هي إيلينا ، فالتفتت إليها الأنظار. أجابت بصوت هادئ وواثق:
“الأرواح تُعد أحد الأعراق، لكنها تختلف عن غيرها… فطبيعة أجسادها ليست من لحم أو دم، بل من المانا نفسها.”
ابتسم الأستاذ لورين ، وقد بدت في عينيه لمعة إعجاب:
“أحسنتِ يا إيلينا، هذا صحيح تمامًا.”
توقف لحظة، ثم أردف وهو يرفع حاجبه بخفة:
“لكن ماذا عن العقود مع الأرواح؟”
لم تتردد إيلينا، وواصلت الإجابة بنفس الثقة:
“العقد مع الأرواح عقد متساوٍ بين الروح والمتعاقد. بعد إبرام العقد، يصبح بإمكان المستدعي استدعاء الروح متى شاء. والأهم… أن هذا العقد يمنح المتعاقد ميزة نادرة: زيادة في نسبة موهبته.”
سرت همهمة خافتة بين بعض الطلاب، بينما بدا على إيلار الرضا التام.
“إجابة مثالية… يبدو أن لدينا طالبة متفوقة هنا.” قالها بابتسامة مرحة.
في تلك اللحظة، رفع دان يده بهدوء، مما دفع الأستاذ إلى الإشارة إليه.
“تفضل.”
نظر دان مباشرة نحو الأستاذ وقال بجدية:
“العقد مع الأرواح يمنح المستدعي الكثير من الفوائد… لكن ما أريد معرفته هو: ما الفائدة التي تحصل عليها الروح نفسها؟ ”
ساد الصمت للحظة، وكأن السؤال قد ألقى بظلاله على القاعة الصغيرة.
ابتسم الأستاذ لورين بخفة وهو يضع يديه خلف ظهره، ثم قال بصوت هادئ:
“سؤال ممتاز… البعض يظنون أن العقد مجرد منفعة لطرف واحد. لكن الأرواح… ليست مخلوقات ساذجة. ما الذي يدفع كائناً من المانا الخالصة إلى ربط نفسه بعرق اخر؟”
اقترب بخطوات بطيئة وهو يحدّق بعينيه الخضراوين نحو الطلاب:
“الجواب بسيط… العديد من الأرواح المتدنية يمكنها رفع مستواها بشكل أسرع عند التعاقد مع أحدهم… لتستمر بالتطور جنبًا إلى جنب مع المتعاقد.”
رفع دان يده وسأل:
“ماذا عن الأرواح صاحبة المستويات العليا؟ هل لديهم سبب للتعاقد مع من هم بمستوى متدنٍ؟”
ارتسمت على وجه الأستاذ ابتسامة صغيرة، وقال:
“لديك بعض الأفكار المثيرة للاهتمام… لكن الجواب هو: كلا . في الواقع، ربما قد وصلوا بالفعل إلى أقصى ما يمكن أن تبلغه موهبتهم. ومع ذلك… هناك بعض الأرواح التي قد يثير اهتمامها شخص معين، غير أن هذا نادر الحدوث. الأمر أشبه بوجود شخص في رتبة S يقرر فجأة أن يخدمك."
قام الأستاذ لورين برفع يده اليمنى ببطء. تدفقت ذبذبات من المانا في الهواء، سرعان ما تجسدت على شكل صقر كبير جناحاه يلمعان بخيوط زرقاء شفافة، تحيط به هالة من الرياح جعلت ريشه يتماوج كما لو كان في عاصفة خفية.
قال الأستاذ بصوت يحمل بعض الفخر:
“هذا هو رفيقي… زيفير .”
ارتفعت همسات بين الطلبة وهم يحدّقون في الصقر المهيب الذي وقف على ساعد الأستاذ.
أضاف بابتسامة أوسع:
“في الواقع كان روحًا متدنية عندما تعاقدت معه. ومع ذلك , تمكن من الصعود إلى الرتبة المتوسطة .”
نظر نحو الطلاب، وصوته أصبح أكثر جدية:
“هذا مثال على أن العقد لا يمنح القوة للبشر فقط، بل يفتح بابًا للنمو والتطور للأرواح كذلك."
ابتسم الأستاذ لورين وهو يلوّح بيده نحو الصقر، الذي عاد ليتلاشى في خيوط من الرياح.
قال بهدوء:
“هذا يكفي لليوم. لا تنسوا… العالم أوسع بكثير مما تظنون، والأرواح ليست سوى جزء صغير منه.”
تبادل الطلاب النظرات فيما بينهم، بعضهم يزداد فضولًا، والبعض الآخر يغادر القاعة وهو غارق في التفكير.
أما دان، فقد جلس في مكانه للحظة إضافية، وعيناه تلمعان بتساؤلات جديدة.
بعد انتهاء الحصة، شعر دان بجوع خفيف يدفعه نحو الكافتيريا.
كانت ضجة المكان مألوفة؛ طلاب يتبادلون الأحاديث، وآخرون يصطفّون للحصول على طعامهم. التقط صينية وملأها ببعض الخبز واللحم المشوي وكوب عصير، ثم توجه ليبحث عن مكان يجلس فيه.
لمح من بعيد شخصين يجلسان معًا، أحدهما يلوّح له بيده بوضوح. ابتسم دان بخفة واتجه نحوهما.
كانا روين وكاين، وقد بدا أنهما ينتظرانه بالفعل.
جلس دان بعد أن وضع طعامه أمامه، ليبادره روين بابتسامة:
“في الوقت المناسب تمامًا… لقد كنا نتحدث عنك.”
رفع دان حاجبه مبتسمًا:
“آمل ألا تكونا تتحدثان عني بسوء.”
ضحك روين وهو يلوّح بيده:
“بالعكس، كنا نفكر في دعوتك معنا. نحن نخطط للدخول إلى بوابة.”
توقّف دان قليلًا، محدّقًا بهما:
“بوابة…؟”
تدخّل كاين هذه المرة، مسندًا ذقنه على يده:
“صحيح، نسيت… لقد كنت في غيبوبة لشهر. الآن يُسمح للطلاب بدخول البوابات منخفضة الرتبة بشرط الحصول على تصريح من الأكاديمية. إنها ليست خطيرة جدًا، لكن المكافآت لا بأس بها. حتى أنه يمكننا كسب درجات إضافية.”
أضاف روين:
“لقد دعوت مارلين أيضاً لكنه اعتذر "
نظر الاثنان إلى دان بترقّب، ليطرح روين السؤال الحاسم:
“إذن، ما رأيك؟"
“متى سنذهب إلى البوابة؟”
ابتسم روين وأجاب:
“بعد ثلاثة أيام. سننتظر حتى نتأكد أن الجميع مستعد.”
نظر دان إلى روين وكاين وقال بابتسامة:
“حسنًا، سأكون مستعدًا بعد ثلاثة أيام."
ملاحظة:
السلام عليكم امل ان الفصل اعجبكم ويرجى ابداء رايكم عن الفصل وشكراً.