كان دان يحدّق بصمت في المباني المحيطة بهم، لم تختلف كثيرًا عن تلك التي رآها في عالمه السابق، لكنها بدت غريبة بشكل يثير في داخله شعورًا متناقضًا.
التفت كاين إليه وقال:
ما الأمر يا دان؟ لم تنطق بكلمة منذ وصولنا.
ابتسم دان بخفة وهو يجيبه:
"لا شيء… فقط أتأمل المباني."
ضحك كاين باستخفاف:
"ظننتك خائفًا."
رد دان مبتسمًا بسخرية:
"فل تحلم."
وصل الثلاثة أخيرًا إلى موقع البوابة. كانت كما قرأ عنها دان في الروايات: دوامة زرقاء تتماوج في الهواء كعين سماوية عملاقة. المكان مكتظ بالناس، بعضهم يرتدي زي الأكاديمية، وآخرون بملابس عادية.
دون تردد، خطوا نحو البوابة.
في اللحظة التي عبر فيها دان، وجد نفسه وسط غابة كثيفة الأشجار، لا تختلف كثيرًا عن تلك القريبة من الأكاديمية. تساءل مازحًا في داخله:
“هل
لكن دهشته لم تكتمل، إذ التفت نحو صديقيه ليرى كليهما يمسكان برأسيهما، ملامحهما مشدودة من الألم.
قال دان بقلق:
"هل أنتما بخير؟"
تمتم كاين متذمرًا وهو يضغط على صدغيه:
"بل السؤال، لماذا أنت بخير؟ من الطبيعي أن يشعر المرء بصداع عند دخوله البوابة لأول مرة… لا تقل إنك عبرت واحدة من قبل!"
أجابه دان بهدوء:
"كلا… لم أفعل."
قال روين وهو يمسك رأسه:
"على كل حال، يبدو أن لكل شخص تأثيرًا مختلفًا عند العبور."
بعد أن خفّ الصداع عن كاين و روين، تابع الثلاثة سيرهم بحذر داخل الغابة.
قال كاين وهو يحدّق في روين:
“هل وجدت شيئًا في رادارك الخاص؟”
ابتسم روين بخفة:
“قلت لك سابقًا، ليست رادارًا حقيقيًا… مجرد مهارة تشبهه. لكن نعم، هناك عدة مخلوقات في الأمام.”
توقّف الثلاثة، وما هي إلا لحظات حتى ظهرت أمامهم مجموعة من العفاريت، عددهم يقارب العشرة. كان أحدهم أكبر حجمًا وأكثر شراسة، يبدو وكأنه زعيمهم.
قال روين بجدية:
“سأتكفّل بالمقدمة. كاين، اربك رماة السهام. دان، ادعمني.”
لم يمنحهم فرصة للاعتراض، إذ اندفع إلى الأمام، وسيفه مغمور بشرارات برق متوهجة. بضربة خاطفة، اخترق دفاعات الزعيم وقتله في لحظة واحدة.
انتهز دان الارتباك الذي ساد بين العفاريت، فتقدّم بسرعة، وطعن اثنين منهما بينما كانا يلتفتان مذهولين لمصرع قائدهم. في الوقت ذاته، قام كاين بمد يده إلى حقيبته وأخرج كيسًا من القماش ، فتحه بخفة لتنساب منه ذرات رمل تلمع تحت الضوء.
في لحظة، ارتفعت الرمال تدور حوله كدوامة صغيرة، ثم اندفعت على شكل سياط رملية شلّت حركة الرماة، تلتف حول أعناق بعضهم وتغشي عيون آخرين، بينما تشكّلت شفرات رملية حادة مزّقت صفوفهم.
أكمل روين تقدمه، وبتحركات سريعة خاطفة، مزّق خمسة من الغيلان الآخرين بلا جهد يُذكر.
لم يمر وقت طويل حتى فرغت الساحة من أي مقاومة.
وقف دان يلهث قليلًا، ثم نظر إلى روين بابتسامة فيها مزيج من الإعجاب والدهشة:
“إذن هذه هي قوة شخص من الرتبة الماسية… يمكنني أن ألاحظ أنك حتى كنت تكبح نفسك، لتمنحنا فرصة للقتال.”
ابتسم روين بخفة، من دون أن يجيب مباشرة، وكأن الأمر بالنسبة له طبيعي تمامًا.
انحنى كاين قليلًا، جمع الرمال المتبقية بحركة يده، فأطاعت أوامره وعادت لتنساب إلى الكيس كما لو كانت جزءًا حيًّا من جسده. أغلقه بعناية.
بينما كانوا يكملون الطريق، كسر دان الصمت متسائلًا وهو ينظر إلى الكيس المعلق على خصر كاين:
“هل تحمل أكياس الرمل معك في كل مكان؟”
ابتسم كاين بخفة وأجاب:
“أجل، أحتاج الرمال دائمًا لاستخدام عنصري.”
لم يطل الوقت حتى ظهر أمامهم خمسة أشخاص يقطعون الطريق. كان يتوسطهم فتى بشعر أسود وعيون داكنة، يرمق دان بنظرة مليئة بالازدراء.
ابتسم الفتى بسخرية وقال:
“إذن نلتقي مجددًا يا دان… أرى أنك جمعت حولك بعض الحثالة من مستواك. لا عجب، فأنت حثالة عائلة النوكتاين.”
ضحك رفاقه من جانبيه بصوت مستفز، بينما ارتسم الانزعاج على وجهي كاين وروين. وحده دان بقي صامتًا، يراقبهم بهدوء.
واصل الفتى حديثه:
“ماذا؟ هل أكلت القطة لسانك يا قريبي؟ أم أنك خائف؟”
لكن دان لم يرد، واكتفى بالتحديق فيه بنظرات باردة حادة.
تضايق الفتى من صمته وقال بغيظ:
“هل ستظل تحدق هكذا؟ ألا تملك شيئًا تقوله؟”
نظر دان إليه بنظرات حادة، ثم قال بصوت متسائل.
“أنا آسف، لكن من أنت مجددًا؟"
انفجر كاين ضاحكًا، بينما أمسك روين بفمه محاولًا التماسك.
احمرّ وجه الفتى، وقال:
“أيها الوغد… هل تحاول الاستهزاء بي؟”
رد دان بارتباك:
“صدقني… أنا لا أعرفك، هل يمكنك على الأقل إخباري باسمك؟"
صرخ الفتى بغضب:
“جوفري نوكتاين! أيها الوغد، هل نسيتني حقًا؟”
نظر دان إلى جوفري مع علامات الارتباك، محاولًا التظاهر بالمعرفة:
“آه… جوفري. نعم، مضى وقت طويل منذ آخر لقاء… هل كانت سنة؟ أقل؟”
توقف فجأة عندما رأى وجه جوفري يزداد احمرارًا.
فقال دان مرتبكًا: “أكثر؟”
صرخ جوفري بغيظ:
“أرى أنك لم تتغير! مجرد وغد لا يعبأ بغيره.”
ثم استدار بغضب وقال لرفاقه:
“لنرحل. مجرد الوقوف هنا بجواره يثير اشمئزازي.”
غادر جوفري ومن معه، بينما ظل كاين يضحك:
“يا لك من شخص، دان! أن تنسى أحد أقاربك؟ لم أكن أتوقع هذا منك.”
نظر دان إليه عاجزًا عن الرد، واكتفى بالتفكير في نفسه بمرارة:
“هذا
…
واصل الثلاثة طريقهم داخل الغابة، متنقلين بين الأشجار الكثيفة، يصيدون بعض مخلوقات البوابة. بعضها كان من الغوبلن، وأخرى مخلوقات غريبة لم يسبق لهم رؤيتها من قبل.
فجأة، جاء صوت خلفهم، ما جعلهم يستعدون للقتال. التفتوا بحذر، ليجدوا فتىً في عمرهم يرفع يديه في إشارة للتهدئة:
“مهلاً يا رفاق، لا داعي لهذه العدائية.”
نظر إليه دان بحذر وسأل:
“هل أنت بحاجة إلى شيء؟”
ابتسم الفتى وقال:
“في الواقع، لدي عرض. أنا ورفاقي وجدنا زعيم البوابة، ونريد القضاء عليه، لكننا بحاجة إلى بعض المساعدة. فما رأيكم يا رفاق؟ هل نتعاون؟”
تبادل دان نظراته مع كاين وروين، فوجد أن روين يبدو موافقًا، وكاين لم يظهر أي اعتراض صريح.
قال دان دون تردد:
“حسنًا، قدنا إلى الطريق.”
بينما كانوا يمشون عبر الغابة، قال كاين إلى الفتى متسائلًا:
“من هو زعيم البوابة؟”
قال الفتى بسرعة:
“دب البراري.”
ارتفع حاجبا دان مستفسرًا:
“لماذا الدب هو الزعيم؟ من ما رأيناه، الغوبلن هم المسيطرون على المنطقة.”
ابتسم روين وهو يشرح:
“البوابات عبارة عن أجزاء من عوالم أخرى. عندما تتكون البوابة من جزء من عالم آخر، سيملك أقوى مخلوق في منطقة البوابة جوهرًا يجعله زعيمها. وبما أن الدب هو الأقوى هنا، فهو الزعيم.”
تساءل دان مرة أخرى:
“ألا يبدو هذا عشوائيًا بعض الشيء؟”
أجاب روين بثقة:
“هذا طبيعي في البوابات منخفضة المستوى. أما في البوابات عالية المستوى، فالأمور تكون أكثر تنظيمًا… وفي الواقع، قد تجد أن الزعيم هناك يملك جيشًا بالفعل.”
عندما وصل الثلاثة إلى موقع التجمع، وجدوا هناك أربعة طلاب آخرين يقفون في الغابة. أثناء إلقاء دان نظرة سريعة حول المكان، لفت انتباهه أحدهم… كان ليان.
رفع كاين يده مرحبًا به قائلاً:
“لم أرَك منذ فترة!”
ابتسم ليان ردًا قائلاً:
“كاين… نحن نعرف بعضنا منذ أن كنا صغارًا. لذلك أنصحك ألا تصاحب أشخاصًا من شاكلته.”
قال ذلك وهو يشير إلى دان، بنبرة نصف مزاح ونصف تحذير.
أجاب كاين مبتسمًا:
“لا داعي لكل هذا، هو ليس فتى سيئًا، ستتعرف عليه.”
نظر ليان إلى دان وقال بجدية:
“رغم ذلك، لقد حذرتك.”
ثم ابتعد بعد أن حيا روين، لكنه لم يلقِ نظرة على دان. بعد أن ابتعد، اقترب كاين من دان وقال:
“لا تغضب، إنه شخص جيد… عندما تتعرف عليه أكثر.”
أجاب دان بهدوء:
“لست غاضبًا."
تذكر دان طبيعة علاقته مع ليان ،في ثاني لقاء، تأثر ليان بالشائعات عن دان، وفي اللقاء الثالث عندما اكتشف أنها غير صحيحة، قدّم اعتذاره فورًا. لكن بعد حادث مغتال الفراغ، لم يحدث لقاء ثالث، لذا لا يزال ليان يراه كوغد.
بدأ الثلاثة بالحديث عن مكان وجود دب البراري، ومع مناقشتهم لتقسيم الغنائم المحتملة، انتقلوا إلى التفكير في خطة مواجهة الدب.
تساءل كاين: “أليس عددنا أكبر بكثير من مجرد دب؟ أليست قوتا روين وليان كافية للتعامل معه وحدهما؟”
أومأ دان، مؤكد صحة كلامه، فهما بالفعل من الرتبة الماسية.
عندها قام الفتى الذي التقوا به اول مرة واسمه زالين بإجابته:
"هناك عقبة اخرى مستعمرة الغوبلن تقع بالقرب من عرين الدب، ويبدو أن الغوبلن بنوها عن قصد لاستخدام الدب كحماية لمنطقتهم."
عندها ذهبوا أخيرًا إلى مستعمرة الغوبلن، محاطة بأسوار خشبية قوية تحمي بيوتها الصغيرة الممتدة بين الأشجار. توقفوا لبرهة، يراقبون المكان بحذر، بينما دان يتفحص الوضع بعناية.
كاين نظر إلى رفاقه وقال بابتسامة خفيفة: “حسنًا، لنرى ماذا يمكن أن نجد هنا.”
ابتسم دان، مصحوبًا بشعور غريب من الفضول والترقب، بينما بدأوا بالتحرك نحو بوابة المستعمرة، مستعدين للتخطيط للخطوة التالية.