عند وصولهم إلى مستعمرة الغوبلن، تكلم ليان بصوت جاد:
“سنبدأ بالتخلص من الغوبلن أولًا. عددهم يقارب الأربعين، موزعين في أرجاء المستعمرة. سأتسلل للتخلص من الذين على الأسوار قبل أن يطلقوا الإنذار.”
قال دان مباشرة:
“سأتي معك.”
لكن ليان رفض بسرعة، نبرة صوته حادة:
“لا حاجة. يمكنني التعامل معهم وحدي.”
ثم انطلق بخفة نحو الجهة الشمالية. على السور كان هناك ثلاثة غوبلن يتجولون. سحب ليان كاتانته، وأطلق هالة مائية باردة غلّفت نصله. بضربة أنيقة سريعة، شطر الأول إلى نصفين، ثم انقض على الاثنين الآخرين قبل أن يلتقطوا أنفاسهم.
لكن فجأة، لمح غوبلن آخر يركض نحو جرس الإنذار. اتسعت عينا ليان وهو يتمتم:
“هذا سيء!”
اندفع بكل سرعته ليمنعه، لكنه أدرك أنه لن يصل في الوقت المناسب.
وقبل أن تصل يد الغوبلن إلى الجرس، اخترقت رأسه طلقة دموية حمراء، لتسقط جثته على الخشب بلا حراك.
توقف ليان في مكانه، متفاجئًا. التفت نحو مصدر الطلقة، ليجد دان واقفًا بعيدًا، يحمل زجاجة صغيرة مملوءة بالدم بيده اليسرى، مبتسمًا وهو يلوّح له.
لم يقل ليان شيئًا، فقط فقط نظر الى دان ،بعد أن جاء باقي الفريق.
قال ليان:
“سنتسلل أنا وروين إلى معقل زعيم الغوبلن للتخلص منه مع حاشيته. أما البقية، فأريدكم أن تتخلصوا من باقي الغوبلن من الجهات الأخرى، يمكننا مباغتتهم بسهولة.”
تحرك كل من ليان وروين متجهين إلى وسط المستعمرة للتخلص من زعيمهم، بينما الباقي فتّشوا عن بقية الغوبلن. لم يكن الأمر صعبًا، بما أنهم غوبلن، ولم يستغرق وقت طويل للتخلص من جميعهم.
عندما قتل دان آخر غوبلن، اتجهوا جميعًا إلى مركز المستعمرة حيث يتواجد الزعيم. كما توقعوا، تخلص روين وليان من الزعيم ومعهم عشرون من حاشيته.
فكر دان: بغض النظر عن الزعيم، فحاشيته ليسوا ضعفاء، هذان الاثنان مذهلان بالفعل.
قال ليان:
“لنستريح قليلًا، وبعدها سنقاتل الدب.”
بينما كان دان يقوم بتفقد الأرجاء، جاء ليان إلى جانبه
سأل دان:
“هل أنت بحاجة إلى شيء؟”
أجاب ليان:
لماذا تبعتني عندما أخبرتك ألا تفعل؟”
رفع دان نظره نحوه مجيبًا:
“لا سبب وجيه، كل ما في الأمر أنه لن يضر وجودي من عدمه.”
تأمل ليان وجهه للحظة، ثم قال ببرود:
“أنا ما زلت لا أحبك… لكن شكراً.”
تابع دان نظره وهو يبتعد، وفكر: رغم
…
.
بعد بعض الوقت اجتمعوا جميعًا في مركز المستعمرة بعد التخلص من الغوبلن. كان ليان هو من تولّى قيادة الحديث، فبدأ قائلاً:
“التعامل مع الدب لن يكون صعبًا. عرينه في الجهة الجنوبية.”
سأل دان بنبرة هادئة:
“وما هي الخطة؟”
أجابه ليان بثقة:
“سنقوم أنا وروين بمهاجمته، وما نحتاجه منكم هو الالتفاف حوله لمنعه من الهروب. إنه من النوع الذي يفرّ بمجرد أن يشعر بالخطر. في هذه الخطة نحتاج فقط إلى أربعة أشخاص: أنا، روين، كاين…”
توقف قليلًا، ثم نظر نحو دان وأضاف:
“دان نوكتاين… هل تريد أن تكون معنا؟ أم نضيف شخصًا آخر؟”
ابتسم دان وقال:
“بالتأكيد، سأكون معكم. لكن ماذا عن الثلاثة الباقين؟”
عندها تدخل زالين الذي رافقهم منذ البداية قائلاً:
“لا بأس. دبّ البراري أقوى من قدرتنا على مواجهته، لذلك سنكتفي بغنيمة الغوبلن."
____
اتجهوا نحو عرين الدب، كان الهواء مفعمًا برائحة الدم الطازج. في الداخل، انكشفت أنياب دبٍ هائل الحجم، يعادل حجمه دبابة، فروه كثيف كالجدار، ومخالبه الطويلة قادرة على تمزيق الحجر نفسه. كان منهمكًا في التهام جثة غزال، أنيابه الحمراء تقطر دمًا، وصوت طحن عظام الغزال يتردد في أرجاء المكان.
نظر ليان إليه دون أن يظهر أي قلق، واكتفى بالإشارة إلى بدء الخطة. تقدم هو وروين إلى الأمام لمواجهته وجهًا لوجه، بينما تحرك دان وكاين لسد طريق هروب الوحش من الخلف.
ما إن أحس الدب بهم حتى رفع رأسه، وأطلق زئيرًا هزّ المكان، قبل أن يندفع بجسده الضخم نحو المهاجمَين. في اللحظة الأولى، باغته روين بهجوم خاطف، سيفه المغطى بالبرق يخترق الهواء بسرعة البرق، يوجه ضربات متتالية إلى قوائم الدب. الشرر يتطاير مع كل اصطدام، ورائحة لحم محترق تملأ المكان.
ليان لم يتأخر، فاندفع بحركات رشيقة وهو يلوّح بسيفه، ينثر شفرات حادة من الماء تُمزق فراء الدب وتترك جروحًا دامية. كانت هجماته دقيقة، يختار مواضع ضعف واضحة كالمفاصل والرقبة، ومع ذلك ظل الدب يقاوم بقوة لا تصدق.
رفع الدب أحد مخالبه الضخمة، وضرب الأرض بقوة جعلت التراب والحصى يتناثرون. كاد أن يسحق روين، لكن الأخير تراجع بسرعة خاطفة، تاركًا أثر البرق يتوهج خلفه. حاول الدب الانقضاض مجددًا، إلا أن ليان قطع طريقه بهجمة جانبية، جرح عميق شق كتفه الأيسر، جعل الدم يتناثر على الجدران.
في الخلف، لم يستطع دان إلا أن يُعجب بالتناغم غير المتوقع بين الاثنين. لم يتقاتلا سويًا من قبل، ومع ذلك كانا يفهمان تحركات بعضهما بدقة. “إنه قتال جميل… رغم خطورته”، تمتم في نفسه.
لكن مع استمرار المعركة، بدأ الإرهاق يظهر على الجميع، والدب رغم جراحه الكثيرة لم يتوقف، بل بدا أكثر شراسة. ومع أول إشارة منه للهروب، تحرك كاين بسرعة، ناشرًا رماله الحادة لتغطي وجه الدب وتعيق رؤيته. أخذ الوحش يزمجر محاولًا إبعاد الرمال بمخالبه الضخمة، وفي تلك اللحظة أطلق دان رصاصة دموية اخترقت وجنة الدب، مثيرة غضبه العارم.
صرخ الدب وزأر، فتقدم روين من الأمام، يرفع سيفه عاليًا، ثم يهبط به على ظهر الوحش بضربة برق ساحقة، أحدثت جرحًا هائلًا في جسده. ترنح الدب وسقط على ركبتيه، عاجزًا عن الوقوف.
اقترب ليان بخطوات ثابتة، عينيه مركزتان على عنق الدب لينهي المعركة. وفجأة… اهتزت الأرض بعنف شديد. سقط دان على الأرض، وكاد سيف كاين أن ينفلت من يده، أما ليان وروين فتوقفا في مكانهما، علامات الدهشة ترتسم على وجوههم.
لم يكن مجرد اهتزاز، بل زلزال عنيف زلزل الأرض من تحت أقدامهم، فتشقت التربة وتطايرت كتل من الصخور الصغيرة من الشقوق. اهتزت الأشجار القريبة، وانطلقت أسراب من الطيور مذعورة نحو السماء. تبادل الأربعة النظرات المذهولة، لا أحد منهم قادر على فهم ما يجري.
لكن ما حدث تالياً كان أشد غرابة—غراب عملاق ذو أربع عيون شق السماء فجأة، يهبط بأجنحة ضخمة حجبَت ضوء النهار، تحيط به هالة سوداء تقشعر لها الأبدان. شعروا جميعًا ببرودة تسري في عروقهم، أجسادهم تجمدت من الخوف، ولم يجرؤ أي منهم على الحركة، وكأن حضور هذا الكائن وحده كفيل بسلب إرادتهم.
خفض الغراب نظره للحظة نحوهم، نظرة باردة، خالية من أي اهتمام. ثم مد مخالبه الحادة نحو الدب الجريح، الذي أطلق صرخة مدوية وهو يحاول المقاومة، لكن بلا جدوى. أمسكه الغراب وكأنه لا يزن شيئًا، ثم حلق به في السماء بجناحين عظيمين، تاركًا خلفه ذهولًا وصمتًا مطبقًا لم يجرؤ أي منهم على كسره.
بعد رحيل الغراب، ظلوا جميعًا مذهولين، وكأن عقولهم لم تستوعب بعد ما حدث. كان دان أول من استجمع شتات نفسه، فالتفت إلى رفاقه وقال بصوت متردد:
“هل أنتم بخير؟”
نظر إليه كاين بعينين متسعتين، وهو يلهث:
“ما… ما كان هذا بحق الجحيم؟”
أجاب دان بصدق وهو يهز رأسه:
“لا أعلم يا كاين… ليس لدي أدنى فكرة عمّا جرى.”
قطع روين لحظة الصمت قائلاً بجدية:
“فلنعد إلى المستعمرة. علينا أن نلتقي بالبقية ونقرر ما يجب فعله.”
التفت روين نحو ليان، الذي ظل ساكنًا أكثر من اللازم، فسأله:
“ليان… هل أنت بخير؟”
لم يجبه في البداية، فكرر روين بصوت أعلى:
“ليان!”
أجاب أخيرًا بنبرة هادئة لكنها متوترة:
“أجل… أنا بخير. كل ما في الأمر…”
توقف لبرهة، ثم هز رأسه متراجعًا:
“لا يهم. فلنذهب.
____
عادوا إلى المستعمرة، التي كانت مدمرة جزئيًا بسبب الزلزال. عندها رأوا البقية لم يكن من الغريب أن يختلط شعورهم بالارتباك والخوف.
اقترب زالين منهم بسرعة، وعيناه تلمعان بالقلق:
“ما هذا الزلزال؟ هل أنتم بخير؟”
تبادل الاربعة نظرات قصيرة، ثم قرر كاين أن يتحدث أولًا:
“لا أعرف من أين أبدأ…”
بدأ يروي ما حدث، من مواجهة الدب إلى مجيء الغراب الذي اختطفه فجأة دون أي إنذار مسبق.
نظر زالين إليه للحظة، متوقعًا رؤية ابتسامة ساخرة على وجهه واخباره انه كان يمزح رغم ذلك روية وجهه الجاد اجبر زالين على تصديقه .
نظر زالين إليهم متسائلاً:
“ماذا يجب أن نفعل تالياً؟”
أجاب دان بهدوء:
“علينا جمع المعلومات عن محيطنا، وعندها سنخطط لما يجب فعله لاحقًا.”
تبادل الجميع النظرات، وهم يدركون أن مغامرتهم قد بدأت للتو، وأن الخطر لا يزال كامناً في كل زاوية.
ومع ذلك، مع هذه الخطة البسيطة، شعروا ببصيص من الأمل وهم يستعدون لخطوتهم التالية.