نظر دان إلى باقي المجموعة، يفكر مالتالي.

“ماذا سنفعل الآن؟” تساءل دان.

“بالطبع سنذهب إلى الكهف.” أجاب ليان بثقة ودون تردد.

“عما تتحدث؟ انظر إلى المصابين لدي! هل تريد موتهم؟” انفجر جوفري بغضب.

“يمكن أن تذهبوا إلى مستعمرة كنا فيها، انها في الاتجاه المعاكس.” أجاب ليان بهدوء.

لم يرد ليان على موجة غضب جوفري، فقد بدا وكأنه يتفهم شعوره.

جوفرى أيضًا صمت، يبدو أنه اقتنع مؤقتًا.

“بصراحة، من الأفضل أن نعود معهم إلى المستعمرة الآن.” روين أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يضيف، “بعد أن عرفنا أمر الشيطان، ربما يكون قد أعد بعض الفخاخ.”

“من الأفضل أن نقوم بقتل الدب بأسرع وقت.” أكد ليان، مع إصرار واضح في عينيه، “المصابون لن ينجوا طويلاً.”

بينما كان روين وليان يختلفان في آرائهما، اقترح كاين:

“لنقم بالتصويت.”

نظر كليهما الى كاين وبدا انهم قد وافقوا على كلامة.

“أنا أصوت للعودة إلى المستعمرة.” أعلن كاين بثبات.

“وأنا أصوت للذهاب ولقتال الشيطان.” جاء صوت جوفري هذه المره اكثر هدوء.

نظر الجميع إليه.

“لا تنظروا إلي هكذا… سيذهب باقي رفاقي إلى المستعمرة، لكن كلامه صحيح، لن ينجو المصابون حتى صباح الغد.” أشار إلى ليان، واضعًا وزن كلامه بعناية.

توجهت الأنظار كلها إلى دان.

كان صوته هو من سيحدد ما سيحدث تالياً.

تنهد دان، فجأة أصبح هو من يقرر.

فكر مليًا، ثم واجه الجميع بنظرة جادة:

“أنا أصوت للقتال."

ذهب من تبقى من رفاق جوفري إلى موقع المستعمرة، بينما قرر جوفري أن يبقى مع البقية لقتال الشيطان مجددًا.

“ما هي قدرات الشيطان؟” سأل ليان، نبرته حادة وهو ينظر مباشرة إلى جوفري.

تجمد الأخير للحظة، ذكريات المواجهة عادت لتنهش عقله. ثم أجاب بصوت منخفض:

“إنه ساحر… يستخدم عنصر البرق. لكن لا تخطئوا الظن، سرعته مذهلة، وقوته الجسدية لا تقل خطورة.”

توقف، قبضته ترتجف على مقبض سيفه، وكأنه يستعيد المشهد أمام عينيه. بعد صمت قصير، أكمل بنبرة متهدجة:

“كان بإمكانه القضاء علينا جميعًا في لحظة… لكنه لم يفعل. كان يتلذذ بتعذيبنا. يبتعد قليلاً، يمنحنا خيطًا من الأمل، ثم يعود ليمزقه ببرود.”

أطبق جوفري أسنانه، عيناه تحمران بالغضب:

“كل من تملكه الخوف… كان يقتله على الفور."

“إذًا… هو لا يقتل مباشرة، بل يوصل فريسته إلى اليأس أولاً ثم يجهز عليها.” قال دان وهو يثبت نظره على جوفري، قبل أن يضيف بهدوء: “أنا سعيد لأنك نجوت من بين أنيابه.

لم يجب جوفري، بل واصل السير بخطوات متوترة، قبل أن يتمتم:

“لقد وصلنا.”

وعندما بلغوا مدخل الكهف… لم يكن هناك أحد.

الصمت يخيّم، الهواء بارد يلسع وجوههم.

“بعض الضيوف .”

صدموا جميعًا، والتفتوا إلى الخلف.

كان الشيطان واقفًا خلفهم.

الدماء تغطية ليست دمائه ،ابتسامته الواسعة سبقت كلماته، وصوته تسلّل ببرود إلى مسامعهم:

“أوه… مرحبًا. مضى القليل من الوقت منذ لقائنا الأخير، أليس كذلك، جوفري؟”

توقّف لحظة، ثم أمال رأسه جانبًا، وكأن فكرة ممتعة خطرت له.

“ذلك الفتى… الذي قطعت ساقه وتركته يتلوّى حتى الموت، كان ينادي باسمك وهو يصرخ يائسًا.”

تشنّجت عضلات وجه جوفري، أسنانه تطحن بعضها بغضب، وفي لحظة اندفع للأمام، لولا أن دان قبض على كتفه بقوة ليمنعه.

ابتسم الشيطان عيناه تلمعان بالمتعة وهو يراقب عجز جوفري:

“ربما لم تسمع ما تبقّى من كلماته… كنت منشغلًا بالهرب. لكنه لم يتوقف عن شتمك، وصفك بالجبان… بالحقير. آه، المسكين كان يعاني كثيرًا، لذلك قررت… أن أُنهي عذابه بنفسي.”

صرخة مكتومة تمزّقت من حنجرة جوفري، وعيناه اشتعلتا بالغضب القاتل. لم يعد قادرًا على التماسك، فانقضّ بكل قوته رافعًا سيفه.

في اللحظة نفسها، دوّى صوت ليان وهو يشهر سلاحه:

“الجميع… لنهاجم!"

كان الشيطان بمستوى مختلف، دان أدرك ذلك سريعًا. رتبته أقرب إلى B او B+ ، والفارق بينه وبين “دب البراري” بدا واضحًا جدًا. الأمر كان شبيهًا بالمقارنة بين قط ونمر .

ومع ذلك… لم يكن القتال غير متكافئ تمامًا. في بعض اللحظات، كانت الكفة تميل لصالحهم.

جوفري قاتل بشراسة،هجماته مليئة بالغضب ،ليان لم يتردد، رفع سيفه بمهارة، اندفع للأمام ليخترق دفاعاته، لكن الشيطان انحنى بحركة رشيقة، رد الهجوم بصفعة كهربائية جعلت السيف يرتجف.

في الخلف، كان كاين يرفع يديه بهدوء، رمال كثيفة تجمعت حوله، وتحوّلت نحو الشيطان، تحاول تقييد أطرافه.

ابتسم الشيطان وهو يتجنبها ، لكن جزءًا منها التف حول ساقه وأبطأ حركته للحظة،قبل ان يتخلص منها على الفور.

“رمل… جميل، لم أره من قبل.”

قالها بصوت عميق، وكأن الأمر يثير فضوله أكثر مما يثير قلقه.

أما روين جسده يبرق بضوء أزرق، وشرارات البرق تتطاير من سيفه مع كل حركة، فقد كان مختلفًا. دان ادرك بوضوح أنه يقاتل بكامل قوته.

صرخ وهو يهوي على الشيطان، فاندلعت صاعقة قوية انطلقت من سيفه مباشرة نحو صدره.

لكن الشيطان انحرف بخفة، ابتسامته لم تفارقه، وقال ساخرًا وهو يمد يده التي اشتعلت بالبرق ذاته:

“برق؟ … عجيب. تستعمل نفس عنصري.”

دان انقض من الجانب، للنفاذ من الفجوات التي فتحها رفاقه ، وضرب بسيفه عند خاصرة الشيطان. الشرر تطاير، والضربة تركت جرحًا سطحيًا.

لكن ما حيّر دان حقًا، ما جعل القشعريرة تسري في جسده، لم يكن قوة الشيطان… بل ابتسامته.

منذ بداية القتال وحتى الآن، لم تتغير ملامحه. أي شخص في مكانه كان سيتوتر، على الأقل سيظهر عليه بعض التوتر. لكن ذلك الشيطان ظل يبتسم، وكأن ما يجري ليس سوى تسلية.

بعد تبادل عنيف للضربات، بدأ جسده يُظهر بعض علامات الضعف. أنفاسه أثقل قليلًا، خطواته أقل خفة. ومع ذلك، ابتسامته لم تختفِ.

“أنتم حقًا… مثيرون للاهتمام. لاسيما أنت.”

رفع إصبعه مشيرًا إلى روين، قبل أن يضع يده على صدره متصنّعًا الحزن.

“ربما… سأموت.”

لم تمضِ لحظة حتى تبدّلت ملامحه مجددًا، لتتحول إلى ابتسامة عريضة تقشعر لها الأبدان:

“أو هذا… ما ترجونه.”

وفجأة، انطلق هجوم ناري مباغت من الخلف. لم يكن أمام دان وقت ليتفاداه، النيران اندفعت نحوه بسرعة قاتلة. عينيه اتسعتا وهو يحدّق بالوهج المتجه إليه.

لكن قبل أن يصل، اندفع روين بلا تردد.

“دان!”

دفعه بعيدًا بكل قوته، ليتلقى هو الضربة مباشرة.

ارتطم جسد دان بالأرض، والغبار يتناثر حوله. رفع رأسه بسرعة، عينيه متسعتان من الصدمة.

ما رآه جعل قلبه ينكمش:

أكثر من نصف جسد روين كان قد احترق، الدخان يتصاعد من جروحه، ووجهه متصلّب بالألم لكنه لا يزال واقفًا.

دان لم يصدق ما حدث… للحظة شعر وكأن الزمن قد توقف.

نظر الجميع إلى مصدر الهجوم، وإذا بشيطان آخر يخرج من أعماق الغابة .

كان ضخم الجسد، كتفاه عريضتان وقرونه ملتوية للأعلى، عيونه الحمراء تتوهج في الظلام مثل جمرٍ مشتعل. خطواته الثقيلة جعلت الأرض تهتز تحت أقدامه.

ابتسم الشيطان الأول، وكأن ظهوره كان متوقعًا:

“أوه، مرحبًا. ظننت أنك لن تأتي.”

زمجر الضخم، مطويًا ذراعيه بتأفف، صوته غليظ كالرعد:

“فالريك… أنت مزعج. لا أفهم لماذا أتحمل تصرفاتك حتى الآن.”

ابتسم الشيطان فالريك ببساطة، قائلاً:

“ما المانع من بعض المرح؟”

كلمات بسيطة، لكنها كانت كافية لتجمد الدم في عروق الجميع.

اثنان… اثنان من الشياطين يقفان في مكان واحد

أدرك دان والجميع الحقيقة القاسية: روين قد أصيب بشدة ولن يقدر على القتال .

ومع استبعاد قوته، فرصتهم أصبحت معدومة. كان واضحًا في عيونهم جميعًا… إنهم هالكون.

سقط الصمت على المكان لبرهة، قبل أن يندفع الشيطان الأول كالسهم، مخالبه تشق الهواء.

رفع ليان سيفه محاولًا صد الضربة، لكن قوته لم تكن كافية، فاندفع جسده مترنحًا إلى الخلف وارتطم بالجدار الحجري.

انطلقت موجة من الرمال من جانب آخر.

كاين رفع يده، والرمال تدفقت كعاصفة لتغطي جسد الشيطان الثاني، تحاول شل حركته.

زمجر الضخم، ملوحًا بذراعيه، لكن الرمال التصقت بجسده كقيود، تُعيق خطواته. ومع ذلك، كان الشيطان الأول أسرع من أن يمنحهم فرصة. اخترق دفاع كاين، ومخالبه الطويلة غرزت بعمق في صدره.

توقف الزمن لوهلة…

أنفاس كاين انقطعت، عيناه متسعتان بعدم تصديق، وفمه امتلأ بالدماء وهو يتطلع إلى رفاقه.

حاول أن يقول شيئًا… أي شيء… لكن الكلمات لم تخرج سوى كغرغرة دامية.

ثم انهار جسده المثقوب، متروكًا على الأرض.

صرخ دان بغضب ممزوج بالذعر، عروقه تشتعل وهو يشكّل الطلقة الدموية ،انطلقت بسرعة خاطفة نحو الشيطان الأول.

لكن الأخير انحرف بجسده بمهارة، لتخترق الطلقة الجدار الحجري وتنفجر خلفه. ابتسامة باردة ارتسمت على وجهه، وكأن الأمر مجرد لعبة.

في تلك اللحظة، هاجم ليان مجددًا، وجهه مشوه بالغضب، يلوّح بسيفه بكل قوته. انضم إليه دان ، محيطًا سيفه بهالة سوداء متراقصة.

اندفع الاثنان معًا، ضرباتهما تتساقط كسيلٍ لا ينقطع، لكن الشيطان الأول صدّهما بسهولة.

في المقابل، كان الشيطان الثاني قد تحرر من الرمال. عيونه الحمراء تألقت وهو ينقضّ على جوفري . رفع جوفري سيفه بكل ما يملك ليتصدى، الشرر تطاير، وذراعه كادت تتحطم من قوة الضربة. كان على وشك الانهيار.

فجأة، اندفع روين المصاب.

جسده يرتجف، الدم يقطر من كتفه وجنبه، لكنه رفع سيفه واتخذ موقعًا بجانب جوفري. مجرد وجوده جعل جوفري يتمالك نفسه للحظة.

غير أن الأمل لم يدم.

رفع الشيطان الثاني يده، كرة نارية هائلة اشتعلت قبل أن يقذفها مباشرة نحو جوفري.

“لا…!” صرخ روين وهو يحاول اعتراضها، لكن النيران ابتلعت جوفري بالكامل.

صرخة حادة مزقت المكان، ثم لم يبقَ منه سوى جسد متفحم يتهاوى على الأرض، سيفه يسقط بجانبه كقطعة حديد محترقة.

ارتجف دان، عيناه اتسعتا، الدماء غلت في عروقه وهو يهجم مرة أخرى بجنون.

سيفه غمرته هالة سوداء قاتمة، والطلقة الدموية تهيأت بين يديه من جديد، هذه المرة محمّلة بكل ما تبقى فيه من حياة.

لكنه لم يتمكن حتى من إطلاقها.

ظهر الشيطان الأول أمامه بخطوة سريعة خاطفة، ابتسامته ثابتة، عينيه المتلألئتين بالبرق تعكسان لامبالاة مروعة.

رفع مخلبه ثم اخترق دان مباشرة.

شهق دان، الدم فاض من جسده ، ارتعش بعنف بينما انزلقت الطلقة الدموية من بين يديه وتلاشت في الهواء.

ارتخت قبضته، وسقط سيفه على الأرض محدثًا صدى معدنيًا باردًا.

اقترب الشيطان الأول من دان ،قال وكأنه يسخر من موته:

“كنت ممتعًا… حتى النهاية."

وآخر ما رأته عيناه قبل أن يخبو نورها… كان وجه روين المحترق والمغطى بالدماء، وليان الذي يواصل القتال بيأس، والابتسامة القاتلة للشيطان التي لم تختفِ أبدًا.

_____

“لن ينجو المصابون حتى صباح الغد.” قالها جوفري وهو يشير إلى ليان، واضعًا وزن كلامه بعناية.

توجهت الأنظار كلها إلى دان.

نظر دان متعجبًا، يحاول استيعاب ما جرى. عيناه تتنقلان بين رفاقه؛ روين لا يعاني من الحروق، جوفري وكاين… احياء.

لقد عاد دان.

“دان.” قاطع كاين أفكاره، صوته جاد.

“ماذا ستقرر؟”

تنفس دان بعمق، ثم قال:

“لنعود إلى المستعمرة."

2025/09/11 · 28 مشاهدة · 1558 كلمة
Aliab3
نادي الروايات - 2026