اتجهت المجموعة نحو مستعمرة الغوبلن. كان اثنان من الطلبة مصابين إصابات بالغة، ما أجبرهم على تباطؤ السير وهم يتناوبون حملهما.

لم يخفَ الانزعاج على وجه جوفري، الذي ظلّ يضغط أسنانه غيظًا، وكأنه ما زال يلعن انسحابهم. لكنه في النهاية واصل المسير بصمت.

تسللت الأفكار إلى رأس دان وهو يحاول استيعاب ما حدث. الشيطان فالريك… كان هادئًا طوال الوقت، يقاتل بلا عنف مفرط، كأنه يمنحهم بصيص أمل للفوز.

ثم ظهر رفيقه، وتبدد كل ذلك الأمل في لحظة واحدة. دان أدرك فجأة أن فالريك كان ينتظر هذه اللحظة بالذات، ليس ليقتلهم، بل ليشاهد اليأس يملأ عيونهم، ليقرأ صدمتهم وارتباكهم وكأنها لعبة ممتعة بالنسبة له.

وقف دان للحظة، مذهولًا: كيف يمكن لمخلوق أن يمتلك هذا الشر؟ أن يراقب الآخرين بهذه البرودة، مستمتعًا بآثار أفعاله عليهم، دون أي شعور بالندم؟

كانوا يتقدّمون ببطء نحو المستعمرة، مع ثقل المصابين، والجو مشبع بالصمت المريب. لم يغب عن دان ارتجاف خطوات أحد رفاق جوفري، ذلك الذي لم يُصب بجروح، لكنه بدا وكأن الخوف قد سكن عظامه.

“هذا طبيعي… بعد ما واجهوا، من لا يخاف؟” فكر دان وهو يرمقه للحظة.

لكن ما شغل باله أكثر كان السر الذي لا يستطيع البوح به.

كيف أخبرهم أن هناك شيطانًا آخر بانتظارهم؟… لا يستطيع أن يقول لهم ببساطة إنه يعود بالزمن كلما مات. حتى إن حاول… لسانه يتوقف، وكأن شيئًا يمنعه بالقوة.

زفر بعمق، يحاول إيجاد مخرج. عندها لمحت عيناه دخانًا أسود يتصاعد من جهة المستعمرة.

“الدخان!” صرخ، ليتبادل النظر مع روين وليان قبل أن يندفعوا بالجري.

كل خطوة كانت أثقل من السابقة، حتى ظهرت أمامهم ألسنة النار تلتهم المكان. المستعمرة لم تعد سوى أطلال متفحمة، صرخات لم يبقَ منها إلا صدى محاصر بالدخان.

وقف دان مذهولًا، عيناه تبحثان بلهفة بين الحطام والرماد.

“يا رفاق! أين أنتم؟” صاح بقلق.

اقترب من روين الذي كان واقفًا بلا حراك، عيناه مثبتتان على بقعة معينة. لحقه دان، وعندما أبصر ما يراه، تجمد في مكانه.

جثث متفحمة ملقاة على الأرض… ملامح مشوهة لا يمكن التعرف إليها.

شهق دان بصوت مبحوح، عاجزًا عن الكلام.

قال روين بصوت مكتوم:

“هؤلاء… زالين والبقية.”

كانت كلماته خليطًا من حزن غائر وغضبٍ يشتعل.

وصل البقية الذين كانوا يحملون المصابين، وما إن وقع نظرهم على الدمار حتى تجمدت خطواتهم.

صرخات متقطعة خرجت من أحدهم، بينما اتسعت عينا الآخر وكأن عقله يرفض التصديق.

قال كاين بصوت خافت وهو يحدق في النيران:

“هل… هل هذا من فعل الشيطان؟”

أجاب جوفري بسرعة، نبرته حادة كأنه يتمسك بأي تفسير منطقي:

“كلا. إنه يستعمل البرق… لم أره يستخدم النيران من قبل.”

ساد صمت قصير، ثقيل كالجحيم. عندها تمتم دان، صوته خافت لكنه كالسهم الذي اخترق صدورهم جميعًا:

“واحد آخر.”

التفتت الأنظار إليه دفعة واحدة. رفع عينيه نحوهم، وأكد بصرامة:

“يوجد شيطان آخر.”

كان كاين يحدّق في دان باستغراب، قبل أن يسأله:

“لماذا تظن أنّه شيطان؟”

تدخّل روين بثقة، وهو يغمض عينيه قليلًا مركزًا:

“أنا متأكد. المانا المتبقية هنا لا تعود لبشر… بل لشيطان. حتى إنني استطعت تحديد الاتجاه الذي ذهب إليه.”

عبس دان في داخله. الاتجاه… ليس نحو الكهف.

شدّ قبضته، ثم قال بسرعة:

“علينا أن نتحرك فورًا!”

التفتت الأنظار كلها نحوه، ليتابع بلهجة حازمة:

“إن أردنا الخروج من البوابة أحياء… فعلينا التخلص من أحدهما أولًا.”

تأمل ليان كلماته للحظة، فوجدها مقنعة، ثم أومأ بالموافقة. انطلقوا جميعًا نحو اتجاه الشيطان.

أدار جوفري رأسه نحو رفيقيه، وقال بصرامة لأحدهما:

“ابقَ مع المصابين.”

ثم التفت إلى المستطلع:

“سيريل، تعال معنا.”

بدت علامات التردد واضحة على وجه سيريل، لكنه لم يجد خيارًا سوى أن يوافق، فلحق بهم على مضض.

كان سيريل يسير في المقدمة، يحاول تقفّي أثر الشيطان بعناية.

لاحظ دان ارتباكه، فاقترب من جوفري هامسًا وهو يومئ برأسه نحو المستطلع:

“يبدو خائفًا… لماذا أصررت أن يأتي معنا؟”

أجابه جوفري دون أن يبعد عينيه عن الطريق:

“لأنه الأبرع في تتبع الأثر، وسرعته تمنحه فرصة لتجنب الخطر إن وقع ما لا يُحمد عقباه.”

أومأ دان بصمت، لكن عينيه ظلتا معلقتين بسيريل.

وفجأة، توقّف الأخير، ورفع يده محذرًا بصوت خافت:

“…مهلاً.”

“هناك… إنه يقاتل نوع من الحشرات.” قال سيريل وهو يشير إلى الأمام.

أمام أعينهم، كان الشيطان الناري يلهو بخصمٍ غريب. مخلوق حشري ضخم، درعه الخارجي أسود لامع تتخلله تشققات حمراء متوهجة، وكأن النار تتدفق من داخله. ستة أرجل طويلة تنغرس في الأرض، وفكّان أماميان يتحركان بسرعة، يطلقان صريرًا معدنيًا مزعجًا مع كل انغلاق.

اندفع الوحش عليه، جناحان نصف محترقين يخفقان بعنف، ثم قفز محاولًا أن يغرس فكيه في عنق الشيطان. بخفة ساخرة، استدار الأخير ليتفادى الهجوم، تاركًا مخالب الحشرة تنغرس في الصخرة وتكسرها كأنها قطعة هشّة.

بسط الشيطان يده، وانفجرت كرة نارية صغيرة ضربت صدر المخلوق، لكن الدرع السميك امتص معظم الضربة، تاركًا الحشرة تهتز بغضب أكثر. صرخت بصوت حاد جعل الهواء يرتجف، ثم رفعت مقدمتها لتنهال بسيل من اللدغات السريعة، فكّاها يفتحان ويغلقان بسرعة مرعبة.

ابتسم الشيطان ببرود، يتنقّل بخفة بين هجماتها، يتركها تضرب الفراغ وتثير الغبار. بدا الأمر وكأنه يختبرها، يتسلى ببطئها، وفي لحظة، أمسك أحد أرجلها الخلفية وأدار جسدها الضخم بحركة واحدة، محطّمًا صخرة ضخمة بجسدها قبل أن يتركها تتلوى وتصرخ.

تبادل دان نظرات سريعة نحو روين،، فهم روين واندفع بهجوم مباغت أصاب الشيطان، لم تكن الضربة قاتلة، لكنها فتحت ثغرة. ارتبك الشيطان من الهجوم وأصابته الحشرة أصابه أشد فصرخ بغضب.

“الآن!” صرخ ليان.

واندفع الجميع معًا، قاتلين بلا هوادة، مستغلين تشتت الشيطان بينهم وبين الحشرة، محاولين ضربه من كل اتجاه.

هذه المرة بدا القتال مختلفًا؛ الشيطان الثاني أضعف من الأول، ومع الإصابات التي تعرض لها استمر بالمقاومة، إلا أن ضغط المجموعة مع الحشرة الغاضبة دفعه للتراجع.

رفع ذراعه فجأة، وأطلق عمودًا من النيران اخترق السماء.

“ما الذي يفعله؟” تمتم دان، غير مستوعب.

استمر القتال، والغضب يزداد على الشيطان مع كل محاولة منه لقتل الحشرة المصابة، بينما كان أحدهم يعيقه عن الوصول إليها. كان في وضع سيء للغاية…

ثم فجأة، جاء هجوم البرق، صاعقًا الحشرة المصابة وقتلها في لحظة.

ابتسم الشيطان فالريك بنفس ابتسامته الغامضة وقال بمرح:

“يبدو أنك بحاجة إلى المساعدة.”

“أين كنت؟ لماذا تأخرت؟” زمجر الآخر بغضب.

ابتسم فالريك دون أن يجيب.

عندما رأى دان فالريك، أدرك أن اللهب لم يكن إلا إشارة استغاثة.

سقط سيريل على ركبتيه من الرعب، ثم فر هاربًا. صرخ جوفري بغضب:

“جبان!” لكنه لم يستطع فعل شيء سوى الاستمرار في القتال.

“أحدكم قد هرب… لا أستطيع لومه بصراحة.” قال فالريك بهدوء لكنه ساخر قليلًا.

كان دان يعلم الحقيقة… سيموتون مجددًا.

لذلك قرر بحزم أن يموت بطريقته.

“لا تتراجعوا!” صاح ليان بصوت ممزق، بينما اشتعلت المعركة حولهم.

تقدّم دان خطوة إلى الأمام، نظراته ثابتة وهادئة بشكل مريب. في داخله كان اليقين صارخًا: لا أمل ان كان الشيطانان معًا.

قرر أن يعيد الكرّة… لذلك، حين اندفع فالريك نحوه، لم يرفع سيفه للدفاع. ترك جسده يتلقى الضربة بلا مقاومة.

وقف الشيطان أمامه، بينما سقط جسد دان على الأرض، حدّق فيه بدهشة خافتة، لا بسخرية كما اعتاد، بل بفضول بارد:

“غريب… أنت أردت الموت.”

صدم رفاق دان، عاجزين عن فهم سبب تصرفه، وهم يراقبون دماءه تتدفق.

رغم الألم الشديد، أغلق دان عينيه، منتظرًا عودته، بينما تحيط به أصوات القتال من كل اتجاه.

“لن ينجو المصابون حتى صباح الغد.” قال جوفري وهو يشير إلى ليان، واضعًا وزن كلامه بعناية.

توجّهت الأنظار كلها إلى دان.

تنفّس بعمق، ثم قال بحزم:

“سنعود للمستعمرة."

2025/09/13 · 36 مشاهدة · 1127 كلمة
Aliab3
نادي الروايات - 2026