بينما كانت مجموعة دان تتجه نحو المستعمرة، كان جوفري يتذمر بصوت مكتوم بسبب عدم انخراطهم في القتال، لكنه لم يلتفت له دان. ذهنه كان غارقًا في التفكير.

الشيطان الثاني استخدم إشارة واضحة، ربما ليستدعي فالريك كما فعل في المرة السابقة. دان أدرك أنه يجب إيجاد طريقة للتخلص من الشيطان الثاني قبل وصول فالريك، لكن كيف يمكنه فعل ذلك؟

نظر حوله ولاحظ سيريل المتوتر، تذكر كيف تركهم من قبل، وفجأة خطرت له فكرة.

كما في السابق، لاحظ دان دخانًا يتصاعد باتجاه المستعمرة، ذهب روين وليان مسرعين نحوه. هذه المرة، لم يتبعهم دان؛ توجه مباشرة نحو سيريل، بينما كان كاين وجوفري مشغولين بحمل المصابين.

“هل أنت بخير؟” سأل دان سيريل وهو يقترب منه.

“أ… أجل، أنا كذلك.” رد سيريل متلعثمًا، لكن صوته لم يُخفِ التوتر والخوف.

صمت دان قليلاً، ثم همس:

“هذا الحريق لا يبشر بالخير.”

“أنت محق.” أجاب سيريل، محاولاً اخفاء خوفه.

“على هذا المعدل سنموت.” قال دان بجدية، عيناه حادتان وثابته على سيريل.

ارتجف سيريل عند سماع هذه الكلمات، ثم قال بصوت منخفض:

“لماذا قد تقول هذا؟ ربما كان ذلك الشيطان قوياً، لكن لا يزال لدينا أمل.”

“لا تنسَ أمر الغراب…” أجاب دان ببرود، “ربما لم تره، لكنه ليس أضعف من الشيطان، إن لم يكن أقوى.

لم يجرؤ سيريل على الرد، فقط ابتعد عنه. شعر دان بالأسف لفعل ذلك، لكنه علم في داخله أنه كان لا بد من هذا، من أجل تنفيذ خطته.

وصلوا إلى المستعمرة المدمّرة، النار ما زالت تحيط بها والدخان يتصاعد إلى السماء. وقف روين وليان مذهولين أمام الجثث المتفحمة لزالين ورفاقه، لا ملامح تُعرف ولا حياة تُرجى.

“ماذا… ماذا حدث هنا؟"قال كاين بصوت مرتجف، عينيه متسعتين.

“المانا المتبقية… إنها خاصة بشيطان.”أغلق روين عينيه قليلًا ثم تمتم.

التفت ليان نحو جوفري، متسائلًا بجدية:

“هل هو نفس الشيطان الذي هاجمكم؟”

“كلا… لم أره يستعمل النار أبدًا."هزّ جوفري رأسه نافياً بسرعة.

ساد صمت مرتبك بينهم، وكل واحد منهم يحاول أن يتخيل ما سيكون التالي. عندها قطع دان التفكير قائلاً بنبرة حاسمة:

“علينا أن نذهب لمواجهته. إن قاتلنا الشيطانين معًا فلن يكون لنا أي فرصة.”

تبادلوا النظرات، وبالرغم من التردد، اقتنعوا بكلامه في النهاية. لكن المفاجأة جاءت حين قال دان:

“أنا… سأبقى هنا. المصابون بحاجة لمن يعتني بهم.”

نظروا إليه بدهشة، لم يتوقع أحد أن يحاول دان تجنب القتال. بدت خيبة الأمل واضحة في عيني كاين وهو يتمتم ببرود:

“ظننتك ستكون معنا…”

رغم ذلك، لم يمانعوا. عندها قال جوفري بصرامة:

“سيريل، ستأتي معنا.”

لكن دان تدخل فورًا، صوته ثابت:

“سيريل خائف… وجوده لن يكون ذا فائدة.”

قطّب جوفري حاجبيه بانزعاج، وكاد يعترض، لكن روين قال بهدوء وهو يوجّه نظره إلى دان:

“دان محق. لا فائدة من إجبار شخص على القتال وهو غير مستعد."

انزعج جوفري من تدخل دان، لكن روين قال وهو يرمق دان بنظرة ثابتة:

“إنه محق. لا فائدة من إرغام أحد على القتال.”

بقي سيريل صامتًا، مؤكّدًا بعدم جوابه أنه لا يرغب بالمجيء. عندها، وافق جوفري على مضض.

وأثناء مغادرتهم، التفت ليان نحو دان وقال ببرود لاذع:

“مثير للشفقة.”

شعر دان بخيبة أمل رفاقه، لكنه لم يمانع. بالنسبة له، الأهم لم يكن نظرتهم إليه… بل أن ينجوا هذه المرة.

عندما ابتعدوا قليلاً، التفت دان إلى سيريل والفتى الاخر، وقال:

“هل يمكنك الاعتناء بالمصابين؟ أريد الحديث مع سيريل قليلاً.”

أومأ الفتى بالموافقة، ثم ابتعدوا معًا قليلاً عن المجموعة.

“ماذا تريد مني؟” بدأ سيريل الحديث.

“هل تريد الخروج من البوابة ؟” قال دان بجدية.

رغم أن سيريل لم يفهم قصد دان، إلا أنه أومأ برأسه.

“حسناً… لدي خطة، أقل ما يقال عنها أنها مجنونة.” قال دان بحزم.

“ولماذا ستقحمني في هذا؟ أنا أرفض.” رد سيريل بحدة.

“لا داعي لكل هذا الرفض، فأنا من سيتحمل معظم المخاطرة. إن كان علي القول… فأنت أقل من سيعاني.” قال دان بنبرة ثابتة.

“ ما هي الخطة؟ “ قال سيريل باستسلام، صوته يحمل لمحة من القلق.

ابتسم دان وقال:

“ الخطة بسيطة، كل ما عليك فعله هو الذهاب إلى البوابة وانتظار أن تفتح، عندها تقوم بإبلاغهم بأمر الشيطانين، ليأتي الصيادون عالي الرتبة لإنقاذنا. أليس هذا بسيطًا؟ “

“ لكن كيف ستفتح البوابة؟ أليس الشيطان هو من يحرس الزعيم؟ “ قال سيريل محاولًا الفهم.

“ أما دوري فهو الذهاب إلى الكهف وقتل الدب. “

نظر سيريل إلى دان بصدمة، عيناه تتسعان:

“ عم تتحدث؟ ماذا عن الشيطان؟ لن تنجوا منه، إن راك. أساسًا نحن غير متأكدين إن كان الدب في الكهف هو نفسه الدب الذي قاتلتموه. “

“ لا داعي لكل هذا الانفعال، سأقوم بالاعتناء بالأمر. سأقتل الدب دون أن يلاحظني الشيطان، “ أجاب دان بهدوء مطمئن.

“ لكن ماذا إن وجدك الشيطان؟ ماذا ستفعل؟ “ قال سيريل بانفعال.

“ عندها سأموت، “ قال دان ببساطة.

صوت

دان

خرج

باردًا

لدرجة

جعل

قلب

سيريل

يهبط

في

صدره، بدا له كأنه يتحدث إلى شخص مجنون. لم يستطع فهم كيف يمكن لدان أن يتحدث عن موته كما لو أنه ليس بالأمر الكبير.

“ هل أنت مجنون؟ “

ابتسم دان وقال بدون تردد:

“ حتى إن كنت كذلك، إلا أنها أفضل خطة ممكنة. لذلك، ماذا ستفعل؟ ليس لدينا الوقت، عليك الاختيار: هل ستقوم بذلك أم لا؟ “

لم يستطع سيريل سوى أن يفكر بتردد، قلبه يخفق بسرعة، وذاكرته تعود تلقائيًا إلى رفاقه الذين سقطوا بوحشية أمامه على يد الشيطان، صرخاتهم وأشلاءهم لا تفارق ذهنه،رغم جنون الخطة كان دان محقًا: سيتحمل الخطر بالكامل، أما سيريل فسيكون في الجانب الآمن. بل إن نجح دان، سيكون سيريل أول من يخرج من البوابة.

نظر سيريل إلى دان رغم انه لايزال خائفا.

“ حسنًا، أنا معك. “

“ جيد، الآن فلتتحرك، “ قال دان، صوته هادئ ومطمئن، غير مدرك للدوامة الداخلية التي يعيشها سيريل.

أومأ سيريل، وسار على خطواته وهو يحاول كبح الخوف، وعندها بدأت الخطة.

كان كاين يتحرك مع البقية بخطوات ثابتة، عيناه تتفحصان وجوه رفاقه. جوفري بدا هادئًا على غير عادته، بينما الانزعاج واضح على ملامح ليان.

“بصراحة، أنا خائب الأمل.” قال كاين وهو يخطو بجانبهم.

“لا أستطيع لوم دان.” أجاب روين بهدوء. “لن ألومه إن أراد الانسحاب… في النهاية، هذه حياتنا التي نخاطر بها.”

“أتفهم ما تقول.” رفع كاين نظره للأمام. “لكن لم يبدو لي كشخص يختار الهروب.”

لم يرد روين، بينما بقي ليان صامتًا، والانزعاج واضح على وجهه.

“هل هذا ما يبدو لكم؟” تكلم جوفري فجأة، نبرته باردة على غير العادة.

“هل يبدو لك الأمر مختلفًا؟” سأل كاين وقد عقد حاجبيه.

“كل ما أعرفه عنه أنه وغد يستخدم الآخرين كبيادق.”

فتح كاين فمه ليرد، لكن روين قاطعه وهو يشير للأمام: “لقد وصلنا… الشيطان هنا."

بينما جرى دان نحو الكهف، كان يفكر في نفسه:

“أظنني بدوت مجنونًا أمامه… لا أستطيع لومه، فهو لا يعرف أنني أستطيع العودة بالزمن. رغم ذلك، لا يزال هذا خطيرًا… لا بأس، حتى إن مت سأفكر في خطة أخرى.”

وصل دان إلى الكهف بحذر شديد، عيناه تتفحص كل زاوية، جسده مشدودًا على أعلى درجة من الانتباه. حاول رؤية فالريك، لكن لم يجد له أثرًا. كان الحظ بجانبه، فقرر المضي قدمًا نحو الدب.

عندما وصل، وجد الدب يتلوى من الألم، يتنفس بصعوبة، آثار هجوم روين الأخير واضحة عليه،قد ينجوا لبضعة ايام اخرى ،رفع دان سيفه بقوة ، وطعن الدب. صرخة الدب كانت مدوية، تزلزل الكهف، ثم توقف فجأة عن الحركة. لقد مات الدب.

“هذا جيد… علي فقط الهرب وانتظار مجيء المساعدة،” همس دان لنفسه، محاولًا تهدئة قلبه المتسارع”

“ماذا لدينا هنا…” فجأة، جاء صوت من الخلف، حاد ومليء بالتهديد.

ارتجف دان، شعرت كل شعرة في جسده بالقشعريرة. التفت ببطء.

كان فالريك هناك، الشيطان، ينظر إليه بابتسامة، ابتسامته

لم

تكن

غضبًا

فقط،

بل

كأنها

سخرية

من

كائن

أدنى

ابتسامة

منيملك

وقتًا

ليعذبك

قبل

أن

ينهيك.

“الحشرة الصغيرة… هل كان عليك المجيء، عندما كان عليّ الاعتناء بأحد تلك المخلوقات القبيحة؟”

رفع دان سيفه، مستعدًا للقتال، مصممًا ألا يموت بسهولة، رغم أن الخطر كان حاضرًا بوضوح أمامه.

اندفع دان إلى الأمام، سيفه يلمع مع كل خطوة يخطوها. حاول أن يهاجم بسرعة، يضرب من جانب ثم يتراجع، لكن كل ضربة اصطدمت بشرارة برق انطلقت من يد فالريك، تجعله يرتد للخلف وكأن قوة غير مرئية تدفعه بعيدًا.

“أبطأ مما توقعت…” قال فالريك بابتسامة هادئة، وعيناه تلمعان بالبرق.

ضغط دان على أسنانه، ثم هجم من جديد. سيفه انحرف إلى الأسفل نحو ساق الشيطان، قبل أن يرتفع فجأة ليستهدف عنقه. لكن برقًا مباغتًا انطلق من كف فالريك، أصاب جدار الكهف قرب وجه دان، ليمتلئ المكان بشررٍ أعمى عينيه للحظة.

ارتد دان للخلف، يتنفس بصعوبة. ذراعه

لم

تعد

تستجيب،

أطرافه

ترتجف

كأنها

ليست

جزءًا

منه،

ورائحة

لحم

محترق

خفيفةتسللت

لأنفه. ومع ذلك، لم يتوقف. قفز جانبًا، ثم انطلق كالسهم، محاولًا اختراق دفاع الشيطان بضربة مباشرة.

لكن قبل أن يلمس سيفه الهدف، شعر بانفجار موجة كهربائية تضرب صدره بقوة، ترفع جسده عن الأرض وتلقي به على الصخور. صرخة ألم مكتومة خرجت من حلقه، والدم بدأ يتدفق من فمه.

اقترب فالريك بخطوات هادئة، الشرر يتراقص بين أصابعه.

“أردتَ قتالي… لكنك بالكاد تستطيع الصمود.”

رفع دان سيفه مرة أخيرة رغم رجفة يده، كأنه يرفض أن يموت مستسلمًا.

لكن مخالب الشيطان المغطاة بالبرق اخترقت صدره بلا تردد.

سقط دان على الأرض، عينيه تتسعان، وابتسامة باهتة ترتسم على شفتيه.

هذا

متوقّع

.

أغمض دان عينيه رغم الألم، مفكرًا: في

المرة

القادمة

سأحاول

الوصول

أسرع

لأهرب

قبل

قدوم

فالريك

.

كان هذا آخر ما دار في ذهنه قبل أن يغمض عينيه، مستسلمًا للحظة الألم والضربات التي تلقاها.

_______

“الحشرة الصغيرة… هل كان عليك المجيء، عندما كان عليّ الاعتناء بأحد تلك المخلوقات القبيحة؟”

صدم دان، لم يعد إلى رفاقه ، بل عاد قبل لحظات فقط، لم يتوقع هذا الاحتمال. كل أعصابه تشنجت، وصدمة شديدة تجتاحه من كل جانب…

أدرك دان أن نقطة العودة تغيرت… والموت لم يعد خيارًا هذه المرة.

2025/09/19 · 27 مشاهدة · 1510 كلمة
Aliab3
نادي الروايات - 2026