الزحام كان كثيفًا حول البوابة. الصيادون من مختلف الرتب يقفون على أهبة الاستعداد، يراقبون كل حركة، وكل وهج ضوء غريب ينبعث من الفتحة الملتوية في الهواء.
“مضى يوم كامل على التحول الغريب في البوابة… ماذا حصل؟” تمتم أحد الصيادين من رتبة A، صوته يختنق بين الدهشة والقلق. “مجرد بوابة من الرتبة E… وفجأة، ظهرت بوابة أخرى داخلها؟ كيف يكون هذا ممكنًا؟”
تنهد كاريلان، أحد أفراد نقابة إيرون هارت، وهو يراقب المشهد المشحون بالترقب. الطاقة السحرية المتسربة من البوابة جعلت كل من حولها متوترين، حتى الهواء بدا ثقيلاً.
التفت نحو الجهة الأخرى، ليرى خادمًا عجوزًا ذا ندبة كبيرة على وجهه، محاطًا بعدد من الأفراد. لكن ما لفت نظره أكثر، كانت الفتاة التي تقف بالقرب منهم: إلينا نوكتاين، أحد أكبر المواهب في عائلتها.
همس كاريلان في نفسه: “سمعت أن أخيها الصغير داخل البوابة…”
تنهّد مجددًا، مدركًا أن اليوم لن يكون عاديًا، وأن ما يحدث خلف تلك البوابة قد يغير الكثير.
فجأة، انفتح الشق الملتوي في الهواء، واندفع منه طالب بملابس ممزقة ووجه شاحب. ارتجف جسده وهو يلهث، وكأن الموت كان يطارده للتو.
تحرك كاريلان نحوه على الفور، لكن قبل أن يخطو خطوتين، كانت إلينا قد سبقت الجميع، تقف أمامه بعينيها المتقدتين.
“ماذا حدث؟!” سألت بحدة، دون أن تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه.
فتح الطالب—سيريل—فمه، وصوته يرتجف لكنه لم يتردد:
“عليكم الذهاب لمساعدة البقية… ودان أيضًا! إن لم تذهبوا الآن سيموت!”
رفع كاريلان يده محاولًا تهدئته:
“اهدأ، خذ نفسًا، وحاول أن تشرح بهدوء…”
قاطع سيريل بانفعال:
“لا وقت! هناك شيطانان! المجموعة تحاول إيقاف أحدهما، أما دان فقد ذهب لقتل الزعيم… لكنه لم يكن وحده، هناك شيطان يحرسه!”
سالت إلينا بلا تردد:
“أين هو؟!”
تلعثم سيريل للحظة، ثم أفصح بمشقة عن موقع الكهف الذي دخله دان، وأشار إلى الاتجاه الذي توجه إليه روين والبقية لمواجهة الشيطان.
سادت لحظات من الصمت الثقيل أمام البوابة. كان كل من حوله يحاول استيعاب ما قاله. شيطانان داخل بوابة من الرتبة E؟ شيء لم يسمع به أحد من قبل.
لم تنتظر إلينا أكثر، اندفعت داخل البوابة بعجلة، وعيناها محدقتان بالأفق.
كاريلان، متقد البصر واليقظة، وجه باقي الصيادين:
“سنذهب لمساعدة المجموعة الأخرى. إن كان كلام هذا الفتى صحيحًا، فهم يواجهون شيطانًا بمفردهم.”
دخلوا جميعًا، والهواء ملبد بطاقة غريبة متسربة من أعماق البوابة. كل خطوة تقطعها المجموعة كانت تذكرهم بخطر لم يعتادوا عليه.
وحين وصلوا، وجدوا القتال مشتعلًا. الشيطان يقف وسط الساحة، نصف جسده مغطى بجروح غائرة وحروق سوداء، ودماؤه تتساقط على الأرض وتتبخر بفعل الحرارة. بالقرب منه، كانت جثة حشرة عملاقة محترقة، شاهدة على شراسة المعركة.
روين كان يلهث، وجبهته مغطاة بالعرق والدم، بينما يقف بجانبه كاين وليان، عيونهم لم تفقد بريق الإصرار رغم التعب.
لم يضيع كاريلان وقتًا. رفع يده ليشكّل جدارًا صخريًا صدّ به هجوم الشيطان الكاسح، ثم اندفع للأمام:
“هذا القتال سينتهي الآن!”
الفرق في القوة كان واضحًا. الشيطان من رتبة B، مقابل كاريلان من رتبة A، وصياده من رتبة B أيضًا. كل هجوم من الشيطان كان يُرد بحركة محسوبة، حتى بدا الشيطان عاجزًا عن المقاومة.
مع كل ثانية، بدا ضعفه يتضاعف. حاول الهرب، لكن الصخور ارتفعت من الأرض، مقيدة حركته. وفي لحظة حاسمة، أصاب كاريلان الشيطان ضربة ساحقة أنهت حياته.
ساد الصمت، ولا يُسمع سوى أنفاس الصيادين. روين ونظراته مليئة بالدهشة والريبة. كيف تمكنوا من دخول البوابة المغلقة؟
قال كاريلان بنبرة جادة:
“لا وقت لشرح الآن. سنتحدث في الخارج. المهم أن تخرجوا فورًا.”
هزّ روين رأسه:
“هناك مصابون بيننا، لا يمكن تركهم!”
أومأ كاريلان:
“سنذهب إليهم. لكن أنتم اخرجوا الآن. أحد رجالنا سيخرج معكم ليضمن سلامتكم.”
اقترب أحد الصيادين من كاريلان وسأله بخفوت:
“لماذا لم تخبرهم بشأن الفتى؟”
أجاب كاريلان ببرود:
“سيعرفون حين نخرج. هذا أفضل لهم الآن.”
⸻
الوقت الحالي
دان فاقدًا للوعي على الارض، أنفاسه متقطعة ودماؤه تلطخ الصخور من حوله. ذراعه الممزقة حتى العظم وساقه التي لم تعد قادرة على حمل جسده جعلاه يبدو وكأنه مجرد جثة هامدة تنتظر النهاية.
على بعد خطوات قليلة، كان فالريك يحدق في ذراعه المبتورة، الدماء تتدفق منها بغزارة، يرفعها أمام وجهه غير مصدق لما حدث. عيناه الواسعتان تضجّان بالجنون، وصوته ينفجر كالرعد:
“كيف… تجرؤين؟! كيف تجرؤ مجرد بشرية على قطع يدي؟!”
غضبه كان أشبه بعاصفة، طاقة برق بدأت تلتف حول جسده، تكاد تجعل الهواء يختنق بثقلها.
لكن إلينا لم تُعر صراخه أي اهتمام. وقفت مكانها، عيناها مثبتتان على جسد أخيها الصغير الملقى أرضًا. وهي ترى العظم المكشوف في ذراعه.
صوتها خرج هادئًا… باردًا:
“لقد تجرأت… ولمست الشيء الوحيد الذي لا يُسمح لك بلمسه.”
دماء فالريك كانت تتناثر على الأرض وهو يضغط على جرحه، لكن رغم ألمه لم يضعف، بل بدا أكثر جنونًا وإصرارًا. صرخ مجددًا، وعيناه المتقدتان مسمرتان على إلينا:
“سأمزقك… أمام عينيه حين يستيقظ! سأجعل نهايتك أكثر إيلامًا من نهايته!"
سحبت نفسًا عميقًا، كأنها تكبح رغبتها في الانفجار، ثم همست بنبرة جعلت الهواء من حولها يبرد:
“ساجعلك تعاني… حتى تفهم أن الألم الذي سببته له… لا يقارن بما سافعله بك."
سحبت إلينا سيفها، والظلام يلتف حوله كالليل الحالك، مستخدمة أسلوب السيف قاطع الظلام الخاص بعائلة نوكتاين، ذلك الأسلوب الذي لا يتقنه إلا من وُهب موهبة عظيمة في عنصر الظلام، الموهبة التي يفتقر إليها دان
اندفعت إلينا نحو فالريك، وقبل أن يتمكن من صدها، قطعت ذراعه السليمة بضربة واحدة حادة. صرخ من الألم والذهول، لتتجمد عيناه على الحقيقة القاسية، لقد صار الفريسة.
محاولًا التراجع بيأس، أخذ يخطو للخلف مترنحًا، لكن لم يترك له مجالًا. بضربة باردة، قطعت إلينا ساقه اليمنى.
شعوره بالسيطرة على جسده بدأ يتلاشى، وعندما حاول التوازن على ساقه الأخرى، قطعتها ضربة اخرى، ليسقط فالريك على الأرض، صرخة الالم تصدح في المكان.
حتى عينه المتبقية لم تفلت من ضربة سريعة، فقد أعمى الظلام نظره، وأخذ منه كل ما تبقى من كبريائه.
كل شيء حوله، الظلام، الألم، الغضب، والبرود، أصبح يصرخ في وجهه: لا رحمة، لا هروب، لا خلاص.
بعد أن غرق في اليأس، أطلق فالريك صرخة مبحوحة:
“اقتُليني… فقط أنهِي الأمر!”
لكن إلينا لم تُعره أي اهتمام، وكأنه لم يعد موجودًا. أدارت ظهرها ببرود، واتجهت نحو جسد دان الملقى على الأرض، تضعف أنفاسه ويغطي الدم كل أطرافه. ركعت بجانبه، تفحص إصاباته بقلق مكتوم، متجاهلة صرخات الشيطان المحتضر خلفها.
في تلك اللحظة، وصل كاريلان إلى المكان. تجمدت خطواته للحظة وهو يشاهد المنظر: دان ملقى بين الحياة والموت، بينما جسد فالريك مقطع، يئن وسط بركة دماء. التفت إلى إلينا، لكن نظراته لم تستطع أن تخفي الرهبة مما رأى.
وفجأة، تبدلت صرخات فالريك إلى ضحكات جنونية تتردد في الإرجاء . التفت كل من إلينا وكاريلان نحوه، ليجداه يبتسم ابتسامة مرعبة مشوهة بالدماء.
قال بصوت متقطع، مجنون:
“أنا… ميت؟ لا بأس… لكنني لن أكون وحدي!”
ارتج المكان بمانا انفجرت من جسده، طاقة هائجة تتسع كالإعصار. أدركت إلينا على الفور ما يحدث—فالريك يستعد لتفجير نفسه. مهما بلغت قوة الانفجار، كانت واثقة أنها ستنجو… لكن دان لن يخرج حيًا.
التفتت بسرعة نحو جسد أخيها الصغير، عينها تتسع بقلقٍ حاد، لكن لم يكن هناك وقت. الانفجار اندلع، يلتهم كل ما يحيط به.
غير أن جدارًا صخريًا عملاقًا ارتفع فجأة، صدّ الموجة المدمرة ومنعها من الوصول إليهم. كان كاريلان، يديه مضغوطتين على الأرض، قد استدعى الجدار بكل قوته في اللحظة الأخيرة.
أدارت إلينا وجهها إليه، نبرة صوتها هادئة
“عائلة نوكتاين… مدينة لك.”
أومأ كاريلان بصمت، لم يقل شيئًا، لكن عينيه بقيتا على الدمار الذي خلفه الانفجار.
ثم، فجأة، تغيرت سماء البوابة فوقهم، حينها أدرك… فالريك كان زعيم البوابة.