فتح دان عينيه ببطء، الضباب يثقل رؤيته.
هذا المشهد… مألوف جداً.
قبل أن يستوعب مكانه، سمع صوتًا هادئًا:
“لقد استيقظت، سيدي الشاب.”
رغم أن الرؤية ما زالت ضبابية، إلا أن دان لم يخطئ في التعرف على الصوت.
“هذا أيضاً… مألوف.”
“ماذا قلت؟” سألت تيا باستغراب.
“لا شيء… مضى زمن يا تيا.” أجاب دان بصوت مبحوح.
ابتسمت تيا قليلاً، ثم ردت بسرعة: “في الحقيقة لم يمضِ الكثير من الوقت.”
“حقًا؟… أظن أنك محقّة.” تنهد دان، ثم تذكر فجأة: “إذاً… ماذا حصل؟ ماذا عن البقية؟”
أجابته تيا بنبرة مطمئنة: “حدث الكثير، لكن ما تحتاج لمعرفته الآن أن رفاقك جميعهم بخير.”
شعر دان بالارتياح، وأرخى جسده المنهك. على الأقل لم يذهب كل ما فعله سدى.
“بالمناسبة…” رفع نظره نحوها ببطء، “أين إلينا؟ آخر ما أذكره… كان وجهها.”
تيا لم تجب فوراً، بل نظرت نحوه بنظرة لا تخلو من الشفقة.
وقبل أن ينطق دان مجدداً، فُتح باب الغرفة ببطء.
دخلت إلينا بابتسامة عريضة… ابتسامة جعلت برودة غريبة تزحف إلى ظهر دان فوراً.
ابتسامة
…
!
ابتلع دان ريقه بلا وعي، وحاول رسم ابتسامة مصطنعة:
“آه… مرحباً إلينا…”
لم تجب. اكتفت بالابتسام، تقترب بخطوات هادئة وثابتة نحو السرير.
عرق بارد بدأ يتصبب من جبين دان، وهو ينظر سريعًا إلى تيا وكأنه يستنجد بها:
“تيا… ساعديني…
نظر دان نحو تيا طالبًا المساعدة، لكنها تظاهرت بعدم رويته.
خائنة
!
ثم بدأ صوت إلينا بملئ المكان:
“دان…”
استقام دان على السرير، ببعض الخوف.
“نعم…” أجاب متلعثمًا.
ابتسامة إلينا تعمقت أكثر، مخيفة للغاية، وقالت ببرود:
“هل تتذكر ماذا وعدتني؟”
تلعثم دان: “أجل… أتذكر."
قالت الينا بنبرة صارمة:
“دان… لماذا فعلت شيئًا بهذا الغباء؟ أنت حرفيًا كنت تطلب الموت."
تنهد دان ببطء، في الحقيقة لم يكن لديه إجابة لهذا السؤال. لم يتوقع أبداً أن نقطة العودة ستتغير.
“لقد فكرت… بدل من موت الجميع، من الأفضل أن أموت أنا فقط.”
كانت كذبة، لكنه لم يجد شيئًا آخر يقوله.
اقتربت إلينا أكثر، وظلّت ابتسامتها المخيفة معلقة على وجهها:
“كسر في الساق… كسر في الذراع… ارتجاج في المخ… تمزق في طبلة الأذن ورضوض في أنحاء الجسم.”
توقفت لحظة، ثم أمالت رأسها قليلاً بابتسامة أشد رعباً:
“أهذا ما تسميه ‘أفضل’ يا دان؟”
بلع دان ريقه بسرعة وحاول الاعتذار بصوت مرتجف:
“أ-أنا آسف… هذه المرة الأخيرة حقًا، أعدك بذلك.”
لكن نظرته المرتبكة وصوته المرتجف لم يمنحا كلماته أي مصداقية.
إلينا لم تتوقف عن الابتسام، بل قامت بالتربيت على رأسه بيدها بلطف ظاهري.
شعر دان بارتياح مفاجئ.
هل
…
لكن كلماتها التالية جعلت جسده كله يرتعش:
“إن أخلفت بوعدك مجددًا… سأكسر ساقيك بنفسي… وأجرك إلى العائلة.”
ارتسم على وجه دان ابتسامة شخص مرعوب أراد أن يبكي:
“…لا أظن أنها تمزح.”
وقفت إلينا بهدوء، وقالت بنبرة عادية وكأن شيئًا لم يحدث:
“حسنًا، عليّ الذهاب. هناك بعض الأشياء عليّ القيام بها.”
ثم خرجت من الغرفة فورًا.
جلس دان متسمّرًا في مكانه:
“لقد انتهى أمري… ماذا سأفعل؟”
أمالت تيا رأسها قليلاً ونظرت إليه بنبرة جادة:
“أليس كل ما عليك فعله هو تجنب المشاكل؟”
زفر دان بشدة وهو يضع يده على وجهه:
“صدقيني… هذا أكثر ما أتمناه. لكن على ما يبدو أن المشاكل هي من تبحث عني."
ظل صامتًا لبرهة، ثم رفع رأسه ببطء بعينين قلقتين:
“…هل تعتقدين أن بإمكاني الهروب من المستشفى قبل أن تعود؟”
رفعت تيا حاجبها، ملامحها بقيت جامدة:
“وأنت بكسور في الساق والذراع؟ فكرة ذكية جدًا يا سيدي الشاب.”
تنهد دان، ثم أدار رأسه للجهة الأخرى وهو يتمتم:
“ربما أتعلم التظاهر بالموت… قد يكون هذا أقل ألمًا.”
مدّ البطانية فوق رأسه بالكامل وأغلق عينيه بقوة كطفل يحاول الاختباء من وحش تحت السرير:
“إذا لم ترني، فلن تستطيع كسري… هذا منطق صحيح… أليس كذلك؟”
“لا، ليس صحيحًا على الإطلاق.”أجابت تيا ببرود.
سمع دان صوتها، وأخرج رأسه من تحت البطانية ببطء، ابتسامة بائسة على وجهه:
“…أنا في ورطة كبيرة، أليس كذلك؟”
“أكثر مما تتصور.” أجابت تيا بهدوء.
طرق الباب بخفة قبل أن يُفتح ويدخل رفاق دان الواحد تلو الآخر.
ورغم أن وجوههم بدت مطمئنة لرؤيته بخير، إلا أن أعينهم كانت ممتلئة بخيبة أمل ثقيلة، وبالأخص روين الذي لم يستطع إخفاء عتابه.
“دان… ألا تثق بنا؟”بدأ روين الكلام بصوتٍ جاد.
جوفري لم يقل شيئًا على الإطلاق. اكتفى بالتأكد من أن دان ما زال يتنفس، ثم استدار وغادر الغرفة بلا كلمة.
اما روين توقف أمام السرير، كان أكثرهم غضبًا. صوته خرج حادًا.
“دان… لماذا تخاطر بحياتك دون أن تخبرنا؟”
رفع دان رأسه ببطء، لكنه لم يجد ما يقوله.
لقد
…
أكمل روين، عيناه تلمعان بالخذلان:
“نحن رفاق. ندعم بعضنا البعض، لكنك قررت التصرف وكأننا مجرد أدوات.”
توقف دان عند سماع تلك الكلمات.
أدوات
…
الحقيقة أنه بالفعل استغل وجودهم. لم يكن الأمر مقصودًا، لكنه استخدمهم بالفعل،ربما كان يمكنه التفكير بحل اخر ،لكنه لم يفعل.
ظل دان صامتًا، يحدق في الفراغ. يعرف أنه أخطأ، لكن أي كلمات الآن ستبدو فارغة.
تمتم أخيرًا بصوت مبحوح:
“آسف…”
حدّق فيه روين للحظة، وكأنه ينتظر تفسيرًا، ثم زفر بحدة واستدار نحو الباب:
“اعتذر لنفسك أولًا، دان… قبل أن تعتذر لنا.”
غادر روين بخطوات ثقيلة،تبعه ليان بصمت ثقيل أيضًا.
بقي كاين وحده في الغرفة. جلس على طرف السرير محاولًا كسر الصمت بابتسامة باهتة:
“لقد أفسدت الأمور، أليس كذلك؟”
“أجل…”ابتسم دان بمرارة.
قال كاين وهو يحك رأسه:
“أشعر بالأسف لسيريل… عندما عرف روين أنه كان يساعدك لكمه بشدة ، بصراحة أنا لم أرغب أن أكون مكانه.”
رفع دان رأسه بدهشة:
“حقًا؟ إذاً علي الاعتذار له.”
هز كاين رأسه قليلًا:
“لا أظن أنك ستتمكن من ذلك. يبدو أنه اعتزل… لن يدخل بوابة مجددًا.”
توقف للحظة ثم وقف:
“حسنًا، سأذهب الآن.”
خرج كاين بهدوء، لتبقى تيا صامتة بجانب السرير، ثم قالت بنبرة خافتة:
“لديك رفاق جيدون.”
ابتسم دان بخفة:
“أجل…"
بعد خروج الجميع، عمّ الصمت الغرفة.
تيا التي بقيت صامتة طوال الوقت، رفعت نظرها إلى دان وسألت بصوت هادئ، لكنه حمل ثقلًا واضحًا:
“السيد الشاب…”
أدار دان رأسه نحوها ببطء.
“نعم؟”
تحدّق فيه تيا بعينيها الصارمتين، قبل أن تسأل دون أي تردد:
“هل تشعر بالأسف على أفعالك؟”
استلقى دان على السرير، يحدّق في السقف. عقله غارق بين كلمات روين، وتهديدات إلينا، وواقعه الذي لا مفر منه.
بعد صمت طويل، خرج صوته خافتًا، متثاقلاً:
“كلا… لست كذلك.”
لم تتفاجأ تيا، لم يظهر عليه أي انفعال. اكتفت بالنظر إليه وكأنها تقرأ داخله.
ثم قالت ببرود، كأنها تسجل حقيقة لا جدال فيها:
“إذن… ستكرر الأمر مرة أخرى.”
أراد دان الإنكار، لكنه شعر بالصدق المرير في كلماتها.
عرف في أعماقه الإجابة… لو واجه موقفًا مماثلًا، فلن يتراجع.