في الغابة المحيطة بالأكاديمية، كان دان يشق طريقه بين الأشجار. خطواته لم تكن ثابتة تمامًا، بين الحين والآخر كان ينظر إلى ساقه اليمنى، يلمسها بيده، ذكريات المستشفى ما زالت عالقة في ذهنه.
حين جاء أحد المستيقظين ووضع يده فوق ساقه المكسورة. وهج دافئ من عنصر النور غمر العظم، وفي لحظات أصبح قادراً على المشي بشكل أفضل. الألم لم يختفِ كليًا، لكنه أصبح محمولًا. ومع ذلك، بقي بقية جسده مثقلاً بجراح لم تُشفَ بعد… وكان عليه الانتظار حتى يحين موعد العلاج مجددًا.
بعد أن غادر المعالج، التفت دان نحو إلينا وسألها ببراءة:
“ألا يوجد معالجون في الأكاديمية؟”
أجابته مباشرة وهي ترفع حاجبها:
“بلى، يوجد. لماذا تسأل؟”
تردد دان لحظة، ثم قال بصوت منخفض:
“إذًا… لماذا لم يعالج ضلعي؟”
في تلك اللحظة، رفعت تيا يدها بهلع وكأنها تحاول أن تقول له دون كلمات: لا
!
لكن الأوان كان قد فات. إلينا ابتسمت ببرود، نظرتها تحمل مزيجًا من السخرية والصرامة:
“ضلعك؟ وماذا حدث؟”
بلع دان ريقه، ثم أجاب بحذر:
“…دخلت في نزال مع أحدهم.”
ارتفع صوتها قليلًا:
“إذن، دخلت في قتال وأنت من المفترض أن تكون في فترة راحة؟”
أراد دان تغيير الموضوع، فابتسم ابتسامة باهتة وقال:
“بالمناسبة… حصل شيء غريب بينما كنت أقاتل.”
نظرت إليه إلينا بتمعّن، عيناها تضيقان وكأنها تنتظر تفاصيل أدق.
“بعد أن…”
توقف دان فجأة. الكلمات تجمدت في حلقه، وكأن شيئًا خفيًا يمنعه من المضي أكثر. أسرع بتدارك الأمر وقال:
“…بعد أن اشتد القتال، شعرت وكأنني أملك شخصين داخلي.”
بدأ يشرح كيف أصبح يملك وعيين مختلفين أثناء القتال، متجنبًا بعناية ذكر أي شيء عن الموت.
استمعت كل من إلينا وتيا باهتمام.
“على الأرجح أنك حصلت على مهارة.” علقت إلينا بثقة.
أومأ دان برأسه، فهذا ما توقعه بالفعل.
قال دان بعد لحظة صمت، وهو يعبث بيده بتردد:
“إنها مهارة غريبة بصراحة… لا أرى أنها مفيدة كثيرًا.”
نظرت إليه إلينا بهدوء وأجابت:
“لا توجد مهارة غير مفيدة يا دان. هناك العديد من المهارات،يختلف الامر من شخص لأخر . من الأفضل أن تعتمد على نفسك في اكتشاف طريقة استعمالها.”
أومأ دان بتفهم، فابتسمت إلينا قليلًا ثم قالت وكأنها تذكّرت شيئًا:
“بالمناسبة… ماذا عن كسر الضلع؟”
تجمّد دان في مكانه، وتوترت ملامحه على الفور.
حاول أن يجد مخرجًا، لكن نظرتها كانت كافية لجعله يصمت.
أومأ دان بتفهم، فابتسمت إلينا ثم قالت وكأنها تذكّرت شيئًا:
“بالمناسبة… بشأن الضلع.”
تجمّد دان في مكانه، وتوترت ملامحه على الفور.
حاول أن يتكلم، أن يغير الموضوع، أن يسعل… أي شيء، لكن نظرتها كانت كافية لإيقاف كل ذلك.
قالت إلينا بهدوء قاتل:
“هل تعلم يا دان لماذا لم نُكثر من استخدام عنصر الشفاء عليك؟”
هزّ رأسه ببطء.
“لـ… لأن—”
قاطعته بابتسامة لطيفة أكثر مما ينبغي:
“لأن عنصر الشفاء ليس عصير فواكه. لا تشربه كلما شعرت بألم.”
اقتربت منه خطوة، ومالت قليلًا نحوه:
“إن استُخدم بكثرة، تقل فعاليته. هذا أمر بديهي.”
ثم أضافت بنبرة هادئة خالية من أي رحمة:
“أما في حالتك…”
رفعت إصبعها وعدّت بهدوء:
“كنتَ على حافة الموت.”
ثم إصبعًا ثانيًا:
“استُخدم عنصر الشفاء عليك حتى آخر ما يمكن.”
ثم ثالثًا:
“ودخلتَ في غيبوبة شهرًا كاملًا.”
أنزلت يدها ونظرت إلى ذراعه المضمّدة نظرة مطوّلة:
“وبعد أيام قليلة فقط… عدتَ بهذه الحالة.”
سادت لحظة صمت قصيرة، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة خفيفة لا تبشّر بالخير:
“لو كنتُ المعالج… لكنتُ شككتُ بسلامتك العقلية أولًا."
تنحنح وقال بسرعة:
“بالمناسبة… تذكرت شيئًا.”
توقفت إلينا عن الابتسام، نظرت إليه بشك.
“وأتمنى أن يكون أهم من أضلاعك.”
قالها دفعة واحدة:
“الغراب العملاق الذي ظهر في البوابة.”
ساد صمت قصير. تبادلت إلينا وتيا نظرة سريعة، ثم زفرت إلينا ببطء.
“تمّ تمشيط البوابة بالكامل قبل إغلاقها.”
قالت بنبرة رسمية هذه المرة.
“عُثر على ناجين… على بقايا بعضهم."
ثم أضافت، وعيناها تضيقان:
“لكن ذلك الغراب؟ لم يُعثر له على أي أثر له.”
_____
تذكّر دان حديثه مع إلينا.
رغم أن البوابة كانت على وشك الإغلاق، إلا أن الوقت الذي تلا المعركة كان كافيًا لتمشيطها بالكامل.
واصل دان طريقه بين الأشجار، ذهنه غارق في الأسئلة أكثر من خطواته، يبحث عن جواب لا يمكن أن يجده داخل أسوار الأكاديمية.
وحين وصل إلى المكان الذي يعرفه جيدًا، أدرك أنه لم يكن متأخرًا.
كان الذئب الوحيد هناك…
وكأنه كان ينتظره بالفعل.
وقف كما هو دائمًا، جسده ساكن، وقناع الذئب يغطي ملامحه بالكامل، لا ينزعه أبدًا.
نظرته—أو ما يُفترض أنها نظرته—استقرت على دان، وكأنها تفحصه دون حاجة إلى كلمات
قطع الذئب الوحيد الصمت قائلاً بصوت هادئ:
“ألم أخبرك أن تستريح؟”
رد دان عليه وهو يرسم ابتسامة
“مجرد بعض الخدوش.”
“بعض الخدوش؟"
"اجل"
"ماذا حدث ؟"
بدأ دان بالحديث، سرد للذئب الوحيد ما حدث داخل البوابة من شذوذ غريب، لكن النقطة التي كانت تشغل باله أكثر من غيرها هي ذلك "الغراب العملاق". استمع الذئب الوحيد لكل كلمة بتركيز تام، ولم يقاطعه حتى أنهى دان حديثه.
صمت الذئب للحظة قبل أن يقول:
"لم أسمع عن مخلوق بمثل هذه المواصفات من قبل."
تنهد دان بخيبة أمل، لكن الذئب أكمل حديثه فوراً:
"ولكن... هناك نوع من المخلوقات يملك القدرة على الحركة بسلاسة بين الأبعاد، وأظنك تعرفهم جيداً."
استمع دان باهتمام شديد، وقفزت الإجابة إلى ذهنه فقال:
"مخلوقات الفراغ."
أومأ الذئب الوحيد مؤكداً. تنهد دان بعمق، فقد كان لديه بعض الشكوك حول هذا الأمر بالفعل، لكن سؤالاً آخر كان يراوده:
"رغم هذا.. لماذا ظهر واختفى بتلك السرعة الخاطفة؟"
"على الأرجح أن مستواه عالٍ جداً."
"وماذا يعني إن كان مستواه عالياً؟"لم يفهم دان الرابط
توقف الذئب الوحيد ونظر إليه ببعض المفاجأة.
"ألا تعلم معلومة عامة كهذه؟"
أمال دان رأسه بجهل حقيقي، فتابع الذئب موضحاً:
"لا يمكن لمن مستواه أعلى البقاء في بوابة منخفضة المستوى لفترة طويلة؛ سيعاني من رد فعل عكسي من طاقة البوابة نفسها. وكلما زاد مستواك، كلما كان رد الفعل أقوى."
صمت دان لبرهة، وانعقد حاجباُه بقلق مفاجئ. سأل بصوت خافت:
"ماذا عن إلينا؟ لقد دخلت البوابة من أجلي."
توقف الذئب الوحيد ثم قال:
"إلينا نوكتاين.. العبقرية التي بلغت الرتبة S في سنٍ مبكرة."
أومأ دان برأسه، ثم قال محاولاً طمأنة نفسه:
"لم تبقى طويلا ، لا بد أنها خرجت من هناك بلا إصابات، أليس كذلك؟"
نظر إليه الذئب الوحيد بهدوء وسأل:
"كيف كانت تبدو في اخر مرة رايتها؟"
فكر دان قليلاً، ثم أجاب بملامح بدأت تتغير:
"في الواقع.. لم تكن تبقى طويلاً. زارتني مرتين فقط، وكانت تغادر بسرعة في كل مرة."
"لقد كانت تحاول ألا تظهر لك اصابتها."قال الذئب بنبرة قاطعة.
اقتنع دان بكلامه، وشعر بثقل الذنب يضغط على صدره. لاحظ الذئب الوحيد ذلك، فقال بنبرة حاول فيها مواساته:
"الأمر ليس ذنبك."
ابتسم دان بحزن، ونظر إلى كفيه وتمتم:
"بل هو ذنبي بالكامل.. أليس هذا مضحكاً؟ انتهى بي الأمر مجدداً بالاعتماد على الآخرين لإنقاذي."
ساد الصمت لثانية، قبل أن يسأله الذئب الوحيد وهو يراقبه بدقة:
"وكيف تشعر الآن؟"
رفع دان عينيه نحوه، وكانت نظرتهما غريبة، هادئة بشكل غير مريح، وأجاب:
"هل من الطبيعي أن أخبرك.. أنني خائف من مدى هدوئي؟"