كان دان يسير في طريقه إلى قاعة المحاضرات، خطواته آلية وعقله غارق في دوامة من الأفكار. الأحداث الأخيرة لم تفارقه، وأكثر ما أقلقه لم يكن ما حدث داخل البوابة… بل هدوؤه نفسه.

تفاجأ من حقيقة أنه بات يتعامل مع الأمر وكأنه اعتيادي. لقد مات مرات عديدة، ومع ذلك لم يشعر بالذعر الذي توقعه. تنهد بصمت، مدركًا أن اعتياده على هذا الشعور قد يكون أخطر من الخوف ذاته.

وبينما كان شارد الذهن، اصطدم فجأة بشخص أمامه.

“انتبه.”

كان الأستاذ الإلف لورين.

تراجع دان خطوة بسرعة، متداركًا الأمر، لكن لورين كان قد أمسك به بالفعل وساعده على استعادة توازنه.

“أعتذر، لم أكن أنظر أمامي.” قال لورين بنبرة هادئة.

“لا بأس.” رد دان فورًا، وهو يخفض رأسه احترامًا.

تأمله لورين للحظة، ثم قال:

“تبدو شاردًا هل انت بخير .”

تردد دان قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة:

“أنا بخير، أستاذ.”

لم يعلّق لورين، لكنه أبقى نظرته عليه لثانية أطول من اللازم، وكأنه لم يقتنع تمامًا، قبل أن يفسح له الطريق.

وأكمل دان طريقه… لكن أفكاره لم تهدأ.

وصل دان إلى القاعة، فوجد المدير إيلاريس بانتظاره… وحده.

توقف لوهلة عند المدخل، قبل أن يتقدم بهدوء.

نظر إليه إيلاريس من أعلى إلى أسفل، نظرة سريعة لكنها فاحصة، ثم توقفت عيناه عند ذراعه المجبرة ورأسه الملفوف بالضمادات.

ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه وقال بنبرة مازحة:

“هل قصصت شعرك؟”

تنهد دان ورد بلا حماس:

“كم أنت مضحك يا مدير.”

اتسعت ابتسامة إيلاريس قليلًا.

“يبدو أنك ما زلت تبحث عن المشاكل حتى وأنت مصاب.”

ثم استدار نصف استدارة، ونبرة صوته هادئة

“حسنًا، ليس لدينا اليوم بطولة "

رفع يده وأشار إلى منتصف القاعة.

“فلنبدأ.”

تقدم دان دون تردد، ثم جلس في المكان المخصص، أنفاسه هادئة… أكثر مما ينبغي.

جلس دان في منتصف القاعة كما أُمر، ظهره مستقيم، أنفاسه منتظمة رغم التوتر الخفيف الذي يحاول تجاهله.

وقف المدير إيلاريس أمامه، وعيناه تراقبان المانا المحيطة بجسد دان قبل أن تبدأ حتى بالتحرك.

قال بهدوء العالم الذي يشرح تجربة مألوفة:

“بما أنك على حافة الارتقاء، سأشرح ما سيحدث قبل أن نبدأ."

“الارتقاء لا يعني زيادة مفاجئة في القوة فقط، بل يعني أن جسدك سيفرض نمطًا جديدًا على تلك المانا.”

نظر مباشرة إلى دان.

“ببساطة ،ستصبح المانا أكثر استقرارًا،وأكثر كثافة ."

أمسك المدير ظهر دان، وكانت قبضته ثابتة على غير عادته، ثم قال بهدوء جاد:

“ما سيحدث الآن بسيط.”

تدفّق خفيف من المانا انبعث من يد إيلاريس، كمية ضئيلة بالكاد تُذكر، لكنها كانت كافية لتجعل دان يشعر بها بوضوح.

“سأضخ قدرًا قليلًا من المانا… كمية كافية فقط لتريك الطريق.”

تحرّكت المانا بمحاذاة جسد دان، لا تدخل إليه، بل ترسم مسارًا دقيقًا داخله، مسارًا لم يشعر به من قبل.

كما لو أن سدًا خفيًا قد فُتح، تحرّكت مانا دان أخيرًا.

لم تنفجر، ولم تندفع بعنف، بل انسابت بهدوء غريب، تتبع المسار الذي تركته مانا إيلاريس، وكأنها كانت تنتظر من يدلّها عليه فقط.

شعر دان بشيء يتغيّر… لا في جسده، بل في إدراكه له.

المانا التي كانت تحيط به بشكل مبعثر بدأت تنتظم، لا تتكثّف، ولا تتخذ شكل نواة، بل تقترب من جسده أكثر، تلتف حوله بإحكام، وكأنها تعترف به أخيرًا كمركز لها.

تنفّس دان ببطء.

ومع كل زفير، كان يشعر بأن الفراغ داخله يصبح أوسع… لا فارغًا، بل قابلًا للاحتواء.

إحساس خفيف بأن شيئًا ما قد استقر في مكانه الصحيح.

لم يشعر بأنه أصبح أقوى…

بل شعر أن السيطرة أصبحت أسهل ولو قليلا.

رفع إيلاريس يده، وقد اختفى تدفّق المانا منه، وقال بنبرة هادئة راضية:

“تهانينا… لقد خطوت إلى الرتبة D-."

نظر دان إلى المدير وقال ببساطة:

“إنه أسهل مما توقعت.”

ابتسم إيلاريس وقال:

“هذا طبيعي، دان. إنها مجرد البداية. الارتقاء إلى الرتبة D أسهل نسبيًا، لكنك تمتلك موهبة لا تُصدق في عنصر الفضاء، ولهذا كان ارتقاؤك أسهل من المعتاد.”

فكر دان مليًا في كلامه، وفهم السبب: إيلاريس هو الوحيد الذي يمتلك عنصر الفضاء، لذلك كان قادرًا على ضخ ماناه الخاصة بطريقة ساعدت دان على الشعور بالمسار الصحيح لتسهيل الارتقاء.

“الآن… جرّب الجيب البُعدي.”

استجاب دان فورًا. مدّ يده، وانفتح الفراغ أمامه بصمت مألوف، ثم أخرج الممحاة التي تركها في المرة السابقة.

أومأ إيلاريس برضا، ثم أخرج قلماً صغيرًا من جيبه وقدّمه له.

حدّق دان فيه لثانية، ثم أدخله داخل الجيب البُعدي.

اختفى القلم بسلاسة.

نظر دان إلى يده، ثم قال بنبرة جافة:

“تقدم مذهل… سابقًا ممحاة، والآن قلم. أشعر أنني أستعد لامتحان."

زفر إيلاريس:

“مع الوقت ستتمكن من تخزين أكثر من ذلك.”

“رائع… عندما أصل إلى دفتر، سأحتفل."

لم يعلّق المدير على تذمّر دان، واكتفى بابتسامة هادئة.

تردّد دان لحظة، ثم قال:

“بالمناسبة… لدي سؤال. عندما دخلنا البوابة، عانى رفاقي من صداع شديد، بينما لم أشعر أنا بأي شيء. هل لهذا علاقة بعنصر الفضاء؟”

أومأ إيلاريس موافقًا.

“نعم. له علاقة مباشرة.”

اعتدل قليلًا قبل أن يشرح:

“عند دخول أي بوابة، لا تنتقل فعليًا من مكان إلى آخر، بل تُسحب إلى ما يشبه عالمًا مصغّرًا منفصلًا عن الواقع.”

توقّف لحظة، ثم أضاف:

“بعبارة أبسط… هو شكل من أشكال النقل الآني.”

اتسعت عينا دان قليلًا.

“نقل آني…؟”

“بالضبط. الانتقال المفاجئ يسبب اضطرابًا في المانا المحيطة بالجسد، ولهذا يشعر أغلب المستيقظين بالصداع. لكن من يملك توافقًا عاليًا مع عنصر الفضاء… لا يتأثر كثيرًا.”

أومأ دان ببطء، متذكرًا لحظة وصوله إلى الأكاديمية.

“إذًا… بوابات النقل بين المدن—”

“نسخة مطوّرة من المبدأ نفسه.” أكمل إيلاريس.

“تمت محاكاة هذه الظاهرة، وصُنعت بوابات ثابتة للنقل الآني بين الأماكن.”

صمت دان قليلًا، ثم اكمل المدير:

“بالمناسبة… هناك أمر آخر رأيته، وكان يستخدم عنصر الفضاء أيضًا هل تعرفه.”

نظر إليه دان باهتمام،حاول دان ترتيب أفكاره، ثم قال:

“اختبار الدخول.”

ابتسم إيلاريس.

“صحيح.”

تابع بشرح هادئ:

“عند دخولك موقع الاختبار، تم تغيير البيئة بالكامل، كما ظهر جسد هولوغرامي أمامك. كلا الأمرين استُخدم فيهما عنصر الفضاء.”

تمتم دان وهو يفكر:

“هولوغرام…”

“تم تصميمه بأخذ أجساد الأرواح بعين الاعتبار، ثم تشكيله باستخدام عنصر الفضاء.”

رفع دان نظره بدهشة:

“وكيف يتم ذلك؟”

أجاب إيلاريس ببساطة:

“الأمر عكس الجيب البُعدي،بدل أن تضخ المانا إلى الداخل لتخزين شيء… تقوم بضخها إلى الخارج، لتشكيل شيء."

تساءل دان بتردد:

“لكن… أليس عنصر الفضاء نادرًا جدًا؟”

ضحك المدير إيلاريس بخفة.

“يا فتى، الأمر يشبه استخدام الحطب لإشعال النار.”

نظر إليه دان بعدم فهم، فتابع:

“ليس من الضروري أن تملك عنصر النار كي تشعل نارًا، أليس كذلك؟”

ثم أضاف وهو يشير بيده وكأنه يرسم فكرة في الهواء:

“الأمر نفسه ينطبق على عنصر الفضاء."

أومأ دان، وبدأت تتشكل لديه أفكار جديدة حول ما سيفعله تالياً.

ملاحظة:السلام عليكم امل ان الفصل اعجبكم ،وارجوا ان تبلغوني بأي نصائح للرواية وشكراً 😊.

2025/12/28 · 23 مشاهدة · 1016 كلمة
Aliab3
نادي الروايات - 2026