دان جلس في غرفته، محاطًا بالكتب التي استعارها من مكتبة الأكاديمية. لم تكن هذه الكتب مثل كتب المانا الأساسية التي اعتاد عليها، الكتب التي تجعل رأسه يوجع بمجرد القراءة. هذه كانت أكثر وضوحًا… وربما لأن محتواها مرتبط بعنصر الفضاء.

كلما قرأ أكثر، بدأ يفهم الفكرة الأساسية: الهولوغرام صُنع بمحاكاة هيئة الأرواح، كما قال المدير إيلاريس. لكن ما لفت انتباهه هو أن الأرواح لم تكن مجرد مانا متحركة… بل كانت كائنات حيّة .

فكر دان لنفسه:

الهولوغرام

يقلّد

الحركة،

الشكل،

وحتى

القتال

لكنه

لا

يملك

تلك

الحياة

.

تمامًا

كما

يفعل

الروبوت

حين

يقلّد

الإنسان،يحاكيه،

لكنه

يظل

مجرد

نسخة

.

قرر دان عندها البدء. رفع ذراعه، وبدأ بضخ مانا الفضاء إلى الخارج. شيئًا فشيئًا، بدأت تتشكل هيئة جسد بشري أمامه، وتمكن من تشكيل الأطراف بدقة معقولة.

لكن فجأة، اهتز الجسد بشكل غريب، وتحللت بعض الأطراف قبل أن تكتمل، وكادت مانا الفضاء تتفكك من حوله. حاول دان إعادة التركيز، ضخ المانا مجددًا، لكن اليد اليمنى لم تلتصق بالجسم، والوجه ظل مشوشًا بلا ملامح واضحة.

تنهد دان، لكنه لم يتعجب. فقد لم تكن هذه المحاولة الأولى. منذ أسبوع، كان يحاول مرارًا وتكرارًا، وكل مرة كان ينتهي بمشهد مشابه: أجزاء مكتملة جزئيًا وأخرى تنهار.

جلس دان على السرير بعد أن استهلك الكثير من المانا، أصبح يعرف كيف يُنشأ الجسد، لكن جعله متماسكًا كانت مسألة أخرى تمامًا؛ الأطراف تنهار أحيانًا، والهيئة تفقد شكلها، والمانا تتشتت قبل أن يكتمل الشكل.

خرج دان من غرفته، توجه نحو بوابة الخروج. كان قد حصل مسبقًا على تصريح الخروج، لذلك لم يمنعه الحراس.

وقف لوهلة عند المخرج، عينيه تراقبان الحاجز الخفي الذي يحيط بالأكاديمية. لم يكن مرئيًا، لكنه موجود بالفعل. تذكر حينها أن الذئب الوحيد لم يتمكن من مغادرة الأكاديمية بسبب هذا الحاجز.

تساءل دان في نفسه: هل

السبب

الحقيقي

هو

عدم

قدرة

الذئب

على

اختراق

الحاجز؟ بصراحة، لم يعتقد ذلك. على الأرجح، إذا حاول الذئب اختراقه، فإن المدير إيلاريس سيكون هناك ليتعامل مع الموقف. ربما يريد الذئب الوحيد تجنب مواجهة مباشرة معه.

ابتسم دان قليلًا، وفكّر بفكرة مثيرة: ماذا

لو

تقاتلا؟

من

سيفوز

الذئب

الوحيد

أم

المدير

إيلاريس؟

أو بالأحرى، ساحر البرق العبقري أم الرجل الغامض صاحب قناع الذئب؟

أسرع دان في كبح خياله، متذكّرًا عمله الحقيقي. بعد أن خرج من الأكاديمية، كان أمامه مهمة لا تحتمل المماطلة.

ابتعد عن الطرق الرئيسية، متسللاً بين الممرات الضيقة والأزقة الخلفية التي قلّما يسلكها أحد.

بعد مدة من السير، وصل إلى حي قديم من المدينة، حيث تتجمع الظلال ويتحرك صخب خافت بين المباني المهجورة. هناك، في أحد الأزقة المظلمة.

دخل دان الزقاق المظلم، وعينيه تركزت على متجر صغير بدا وكأنه تجاوز الزمن. لافتة خشبية مهترئة تتأرجح فوق الباب كتب عليها بخط غامق: “عين المعلومات” . من الداخل، تسللت خيوط ضوء خافتة عبر النوافذ الصغيرة، والجو كان معبأً برائحة الورق القديم والشموع المشتعلة.

فتح دان الباب بحذر، فارتفع جرس صغير يعلن دخوله. من خلف الطاولة، ظهر شخص غامض، لا يعرف اسمه، كل ما يمكن أن يُطلق عليه هو التاجر . جلست عيناه تلمع بذكاء، يراقب دان كما لو كان يعرفه منذ زمن بعيد.

نظر التاجر إلى دان، وابتسم ابتسامة خفيفة قبل أن يبدأ الحديث:

“السيد الشاب… مضى بعض الوقت. هل أفترض أنك بحاجة إلى خدماتي؟”

قال دان بخطوة مترددة، محاولًا كسر الصمت:

“تعرضت لمحاولة اغتيال في منزل عائلتي… أريد أن أعرف من فعل ذلك.”

تمعّن الرجل في طلبه، عيناه لا تفارقه:

“خدماتي ليست بالقليلة، كما تعلم.”

“لا مشكلة… أريد أن أعرف المسؤول بأسرع وقت.”

ابتسم التاجر ببساطة، وكأنه يوافق على سرعة القرار:

“حسنًا… فقط احتاج إلى عربون مقدّم. تعلم كيف يسير الأمر، يا سيدي الشاب.”

لم يمانع دان، فقد كان يعرف الطريقة مسبقًا قبل مجيئه. بعد أن دفع العربون،واعطاه مايعرف من معلومات همّ بالمغادرة، لكن التاجر قال بهدوء وكأنه تذكّر أمرًا عابرًا:

“بالمناسبة يا سيدي الشاب… احترس أثناء خروجك. الضواحي ليست آمنة هذه الأيام.”

أومأ دان دون تعليق، ثم خرج من المتجر، وأخبره التاجر بصوته الخافت من خلفه:

“سأرسل لك المعلومات المطلوبة بأسرع وقت ممكن."

ما إن أغلق دان باب المتجر خلفه حتى استقبله هواء الضواحي البارد من جديد. خطا بضع خطوات في الزقاق الضيق، وعقله منشغل بما سيحمله له التاجر من معلومات… إن كانت ستأتي أصلًا.

كان قد عرف بوجود هذا التاجر من مذكرات دان الأصلي؛ وصفه فيها ببساطة بأنه الأفضل في مجال جمع المعلومات، شخص لا يخطئ هدفه، لكن بثمنٍ مرتفع.

التكلفة لم تكن مشكلة حقيقية في النهاية… فهو ليس من سيدفع، بل عائلة نوكتاين.

ثم سمعها.

ضحكة متكسّرة، غير مستقرة، ترددت في الظلام.

توقف دان في مكانه.

من عمق الزقاق المقابل، خرج شخص مترنّح، جسده نحيل بشكل غير طبيعي، عيناه محمرّتان، وحركاته متشنجة كأنها لا تخضع لأي منطق. فتح فمه فجأة وبدأ بالصراخ، صراخ حاد غير مفهوم، أقرب إلى عواء مختنق.

اتسعت عينا دان.

“ماذا—”

لم يُكمل.

اندفع الرجل نحوه بعنف مفاجئ، قوة لا تتناسب مع جسده.

تحرّك دان بغريزة، رفع ذراعه المصابة وصَدَّ الهجوم بصعوبة، والألم انفجر في جسده دفعة واحدة.

تراجع خطوة، أنفاسه غير منتظمة، وعيناه مثبتتان على المهاجم.

تمتم بصوت منخفض، كأنه يسخر من نفسه:

“يبدو أنني لن أحصل على راحة أبدًا…"

2026/01/03 · 15 مشاهدة · 797 كلمة
Aliab3
نادي الروايات - 2026