نظر دان إلى الملاحق أمامه.

وجه شاحب بلا لون، ابتسامة ملتوية لا تشبه ابتسامة بشر، ورغوة بيضاء واضحة عند زاوية فمه، تنساب مع كل ضحكة متكسّرة تخرج منه.

حاول دان التحدث إليه.

“توقف—”

لكن الرجل لم يُبدِ أي رد فعل.

اندفع فجأة.

تراجع دان بخطوة سريعة، متفاديًا الهجوم بالكاد، وقلبه يخفق بعنف. لم تكن حركة مدروسة، ولا هجومًا منطقيًا… كانت اندفاعة وحشية خالية من أي تردد.

في تلك اللحظة، أدرك دان الأمر بوضوح.

هذا ليس طبيعيًا.

تحركت يده غريزيًا نحو خاصرته… ثم تجمّدت.

السيف.

تذكره متأخرًا. لم يكن معه.

تبعها إدراك آخر أكثر إزعاجًا.

القارورة الدموية… تركها أيضًا.

زفر دان ببطء، شتيمة باردة خرجت من بين أسنانه وهو يثبت عينيه على الملاحق من جديد.

رائع

والآن،

كيف

يفترض

بي

أن

أقاتل؟

بدأ الاشتباك فورًا.

تراجع دان وهو يلتف بجسده، محاولًا تفادي الخنجر الذي اندفع نحوه بحركات غير منتظمة. الضربات كانت سريعة، لكنها بلا نمط واضح، كأن الملاحق يلوّح بسلاحه اعتمادًا على الغريزة وحدها.

خطوة إلى اليسار… ثم للخلف.

شعر دان بأنفاس الخطر تلامس عنقه، لكنه لاحظ شيئًا مقلقًا.

الهجمات عشوائية… نعم،

لكن القوة خلفها لم تكن كذلك.

في إحدى المحاولات، اصطدم الخنجر بالجدار الحجري بقوة جعلت الشق يتسع فيه، وتردد الصدى في الزقاق الضيق. اتسعت عينا دان قليلًا.

إنه

ليس

أضعف

مني

بل

قد

يكون

في

مستواي

لا

أقوى

.

تسلل اسم إلى ذهنه دون إرادة.

زيغلر.

الطالب الذي هاجمه داخل الأكاديمية.

نفس النظرة الفارغة.

نفس الحركات غير المنطقية.

نفس القوة التي لا تتناسب مع الجسد.

لكنه في وضع اكثر جنوناً.

شد دان أسنانه وهو يتفادى ضربة أخرى بالكاد، الألم في ذراعه المصابة يصرخ مع كل حركة.

إذًا

هذا

هو

بعد أن انحرف بجسده بصعوبة، شعر دان بحرقة حادة على خده. لم تكن الضربة عميقة، لكنها تركت أثرًا واضحًا، وخطًا دافئًا من الدم انسحب على بشرته.

لمس الخد بأطراف أصابعه، ثم نظر إلى الدم العالق عليها.

إن

كان

مثل

زيغلر

فربما

سينهار

من

تلقاء

نفسه

.

لكن الفكرة التالية جاءت أثقل، وأكثر واقعية.

السؤال

هو

هل

سأنهار

أنا

قبله؟

أم

سأُقتل

قبل

أن

يحدث

ذلك؟

للحظة قصيرة، كاد يتشبث بالأمل، ثم زفر ببطء… وابتسم ابتسامة باهتة لا تحمل أي بطولة.

اتخذ قراره.

“الهروب.”

لم يكن صراخًا، ولا إعلان تحدٍّ.

كان قرارًا باردًا، منطقيًا.

لست

بطلًا

ولا

أخطط

أن

أكون

واحدًا

.

أفضل

أن

أهرب،

حتى

أجد

حلًا

حقيقيًا

.

استدار دان واندفع عبر الزقاق، خطواته سريعة رغم الألم الذي ينهش ذراعه مع كل حركة. خلفه، لم يتوقف الصوت المتكسّر… ولا الخطوات الثقيلة التي تلاحقه.

استمر الملاحق بالمطاردة، بلا تردد، بلا تعب.

شد دان أسنانه.

كان يأمل—ولو للحظة—أن يفقد الرجل اهتمامه، أن يمل، أن ينهار كما فعل زيغلر سابقًا.

لكن ذلك لم يحدث.

لعنة

أثناء ركضه، لمحت عيناه نهاية الزقاق… الطريق المؤدي إلى الشارع الرئيسي. أضواء، أصوات، مدنيون.

تردد.

لا… لا يمكنه الذهاب إلى هناك.

إن

خرجت

سيقتلهم

.

قد لا يكون دان بطلًا،

لكنه أيضًا ليس حثالة… ليدع دماء الأبرياء تسيل بسببه.

غيّر اتجاهه فجأة، منحرفًا نحو ممر أضيق، أعمق في الضواحي…

حيث لا يسمعه أحد،

ولا يُؤذى أحد سواه.

بينما واصل دان الهروب، لمحت عيناه الأرضية غير المستوية للزقاق. بين الظلال، كانت هناك بقايا قارورات زجاجية متكسّرة، تعكس ضوءًا باهتًا. انحنى بسرعة، التقط إحداها، واستدار في اللحظة المناسبة.

رمى الزجاجة بكل ما أوتي من قوة.

أصابت رأس الملاحق مباشرة.

انفجر الزجاج وتناثر، وسال خط رفيع من الدم على جبين الرجل…

لكن ذلك كان كل شيء.

لم يتوقف.

لم يتباطأ.

لم يُظهر أي رد فعل يُذكر.

استدار الملاحق بعنف، ضحكته المشوّهة تعلو أكثر، وكأن الألم لم يصل إليه أصلًا.

تراجع دان خطوة، ثم أخرى، وعيناه تراقبان اقتراب الخصم. لم يعد هناك مجال للمراوغة الطويلة.

أخرج يده فجأة.

ضغط ماناه، وشعر بالحرارة تتجمع في كفه.

انطلقت طلقة دم حادة من يده، كالسهم، واخترقت جسد الملاحق مباشرة. انغرزت في أحشائه، واخترقت اللحم بقوة كافية لجعله يصرخ أخيرًا.

تراجع الرجل مترنّحًا، صوته يتحول من ضحك إلى صراخ متقطّع، جسده يلتوي بعنف.

لكن…

حتى ذلك لم يكن كافيًا.

رغم الألم، رغم الجرح، ظل واقفًا.

في تلك اللحظة، تحرك دان بلا تفكير.

مد يده إلى جيبه البعدي، وأخرج القلم.

لم يتردد.

اندفع خطوة واحدة إلى الأمام، وغرس القلم مباشرة في عين الملاحق اليمنى.

ارتفع صراخ حاد، ممزق. تراجع الرجل بعنف، يضرب الهواء بلا هدف. الدم انفجر من موضع الطعنة، وفي الوقت نفسه كان الدم المتساقط من جبينه—نتيجة الزجاجة السابقة—ينساب إلى عينه اليسرى، ليحجب عنها الرؤية تمامًا.

أصبح أعمى.

لم يترك دان له فرصة.

اندفع إليه، وبدأ يضربه بقبضتيه العاريتين.

الضربة الأولى أصابت الفك.

الثانية الصدر.

الثالثة… كادت تكسره هو.

انفجر الألم في ذراعه المصابة، ألم حاد لا يُحتمل، وكأن العظم يُكسر من جديد. كاد يتراجع، لكن شيئًا داخله رفض التوقف.

استمر.

ضرب…

ثم ضرب…

ثم ضرب.

تعثر الملاحق وسقط على الأرض، لكن دان لم يتوقف. انحنى فوقه، واستمر بالضرب بكل ما تبقى لديه من قوة، أنفاسه متقطعة، رؤيته مهزوزة، والألم يصرخ في جسده.

لم يكن يعدّ الضربات.

لم يكن يفكر.

فقط أراد أن ينتهي الأمر.

وأخيرًا…

توقّف.

تراجع خطوة، صدره يعلو ويهبط بعنف. نظر إلى الجسد الممدد أمامه.

بلا حركة.

حدق فيه لثوانٍ، يحاول أن يفهم…

هل أغمي عليه الآن؟

أم قبل ذلك؟

بصراحة…

لم يكن متأكدًا.

استلقى دان على الأرض، يلهث، أنفاسه تتصادم مع صدره.

نظر إلى ذراعه المتورّمة.

مرّت فكرة واحدة في ذهنه، رغم كل شيء.

“…يبدو أن المدير كان محقًا.”

ابتسم ابتسامة متعبة.

“الجيب البعدي… مفيد فعلًا."

2026/01/06 · 15 مشاهدة · 855 كلمة
Aliab3
نادي الروايات - 2026