بدا الصداع طرق رأس الملازم جالسًا خلف مكتب غرفة التحقيق، يضغط بأصابعه على صدغيه محاولًا تهدئة الصداع الذي ينهش رأسه منذ أكثر من ساعة.
السبب واضح.
في الغرفة المقابلة، كان هناك مستيقظ .
قد يكون طالبًا في مستوى منخفض، وربما لا يشكّل خطرًا يُذكر في عالمهم، لكن بالنسبة لبشرٍ عادي مثله… لم يكن الفرق يهم حقًا.
وما زاد الأمر سوءًا، هو المستيقظ الآخر.
كان ممددًا على نقالة، مغمى عليه، في حالة لا يمكن نسيانها بسهولة. وجهه مغطى بالدماء، وإحدى عينيه قد فُقئت بالكامل. مشهد جعله يشعر بالغثيان كلما تذكّره.
حين سُئل الطالب عمّا حدث، قال ببساطة إنه هو من فعل ذلك.
فقط إجابة هادئة.
تم نقل المصاب فورًا إلى المستشفى، أما الآخر… فبقي هنا.
وليس لأن الشرطة أرادت ذلك.
بل لأنهم لا يملكون الصلاحية للتعامل مع المستيقظين .
مؤسسة الصيادين تم إبلاغها منذ البداية، وهم الآن بانتظار وصول أحد ممثليها ليتسلّم القضية. الملازم سامر زفر ببطء، محاولًا تجاهل الشعور بالعجز الذي يرافقه في مثل هذه الحالات.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.
الطالب كان يرتدي زي أكاديمية إيلاريا .
وهذا وحده كان كافيًا ليجعل الوضع أكثر تعقيدًا.
تم إبلاغ الأكاديمية أيضًا، ومن المفترض أن يصل أحدهم قريبًا. عند هذه النقطة، لم يعد يهتم بمن سيأتي أولًا—الصيادون أم ممثل الأكاديمية.
كل ما كان يريده الآن…
أن يأتي أحدهم،
ويُخرجه من هذه المشكلة بأسرع وقت ممكن.
لم يطل الانتظار.
فتح باب القسم أخيرًا ،دخل أحد أفراد مؤسسة الصيادين .
رجل طويل القامة، ملامحه قاسية، ونظرته باردة كمن اعتاد رؤية الأسوأ.
توقف لحظة، ثم وجه كلامه للشرطة:
“أين هو؟”
لم يضيع الوقت. أحد الضباط أشار إلى غرفة التحقيق:
“بالداخل، مكبل.”
أومأ الصياد برأسه بلا تعليق، ثم توجّه نحو الباب مباشرة، عينيه مركّزة على الهدف فقط.
_______
جلس دان في غرفة التحقيق، متنهّدًا. بعد وصول الشرطة، رفعوا أسلحتهم عليه ببعض الذعر. لم يرغب في المقاومة، فقرر أن يذهب معهم طواعية لتجنب أي مشاكل إضافية.
نظر إلى ذراعيه المكبلتين، ثم إلى ذراعه المتورمة.
على الأقل، كان بإمكانهم عدم تكبيلي، فكّر ساخرًا.
وفجأة، دخل الصياد الغرفة. نظراته كانت باردة، حادة، وكأن كل حركة دان تحت مراقبته. دان شعر ببرودة في الجو وكأن الغرفة أصبحت أصغر، وعينه مركزة عليه بالكامل.
لم يضيع الصياد وقتًا.
تقدم خطوة واحدة، ثم قال ببرود خالٍ من أي انفعال:
“لماذا حاولت قتل ذلك المستيقظ؟”
رفع دان نظره إليه، متفاجئًا قليلًا من الصيغة، لكنه أجاب بهدوء:
“لم أحاول قتل أحد. هو من بدأ الهجوم… دافعت عن نفسي فقط.”
لم يتغير تعبير الصياد.
لم يظهر عليه أنه سمع الجواب أصلًا.
“الدفاع عن النفس؟” تمتم بنبرة ساخرة خفيفة، ثم اقترب أكثر.
“وجهه محطم، إحدى عينيه مفقوءة، وأنت تقول دفاع عن النفس؟”
“لو لم أفعل—”
لم يتركه يُكمل.
في لحظة، مدّ الصياد يده وأمسك دان من رقبته، رافعًا إياه عن الكرسي بذراع واحدة فقط. اصطدمت القيود المعدنية ببعضها بعنف، وانحبس الهواء في صدر دان.
شدّ الصياد قبضته ببطء.
“أمثالك أكثر من رأيتهم مؤخرًا… وكلهم يقولون الجملة نفسها.”
حاول دان الإفلات، قدماه بالكاد تلامسان الأرض، ذراعه المصابة أطلقت ألمًا حادًا جعله يختنق أكثر. قبض على معصم الصياد بيأس، لكن الفارق في القوة كان واضحًا.
بدأت رؤيته تظلم تدريجيًا.
وفجأة—
قبضة قوية أمسكت بكتف الصياد من الخلف.
“أعتقد أن هذا يكفي.”
تجمّد الصياد في مكانه.
جاءه الصوت بنبرة غاضبة، منخفضة لكنها تحمل تهديدًا واضحًا:
“اتركه… أو لن ينتهي الأمر على خير.”
استدار الصياد ببطء، وعيناه التقتا بعيني الأستاذ جاك ، الذي كان يقف خلفه بثبات، قبضته لا تزال على كتفه، ونظرته لا تحمل أي مزاح.
قبضة الصياد لم تفك، بينما استدار إلى جاك، وتعرف عليه فورًا: “أنت… جاك؟” قال الصياد بصوت منخفض، لكنه لم يخف برودته.
جاك أومأ برأسه، “نعم… لكن هذا لا يغيّر الأمر، دع الطالب يذهب، فهذا من اختصاص الأكاديمية.”
الصياد لم يفلِت، شد قبضته أكثر: “حالات الجنون تتزايد… واليوم، ظهرت أول حالة واضحة للعيان. هذا لا يخصكم فقط، يا جاك.”
بدأ الحوار يشتد، وكأن الغرفة الصغيرة ستتحول إلى ساحة قتال. كل واحد منهما مستعد لردة فعل عنيفة.
حاول دان الكلام بسرعة، يحاول أن يوضح موقفه: “استمعوا… لم أفعل شيئًا عمدًا! كنت هناك صدفة، لم أشارك في أي شيء!”
لاحظ الصياد حركة دان، فقام بسحبه على الأرض بقوة، وجعله يجلس أمامه مباشرة، عيناه متوعدتان: “صدفة؟! الشخص الذي ضربته كان مخبرًا لي، وقد ترددت شائعات عن اكتشاف أمره. وها أنت الآن… يقوم بضربه؟ "
شد جاك قبضته، مستعدًا للتدخل إذا تحوّل الموقف إلى قتال.
رفع دان ذراعيه سريعًا، محاولةً تهدئة الأمور: “توقف… لا حاجة للقتال.”
تنهد الصياد، وترك قبضته بعد أن أسقط دان على الأرض، فجلس الأخير يلهث، ويده تلمس رقبته حيث شعر بالخنق قبل لحظات: “حتى لو افترضنا أنك لست متورطًا… فقد تورطت بالفعل على الأرجح. كان هناك بعض الشهود، لذلك شئت أم أبيت، أنت جزء من الأمر.”
رفع دان يديه مجددًا، مستسلمًا: “حسنًا… أنا أستسلم. ماذا تريد مني أن أفعل لأقنعك ببراءتي؟”
ابتسم الصياد ببرود، وكأنه وجد الحل الأمثل: “هذا جيد… سأتي إليك عندما أحتاجك.”
غادر الصياد الغرفة بخطوات هادئة، وعيناه لا تزالان باردتين كالمعدن، ثم نظر إلى جاك قائلاً ببرود: “لا زلت لا أفهم كيف أصبحت أستاذًا.”
رد جاك بنبرة صارمة:
“هذا ليس من شأنك، رادين"