في اليوم التالي
رن جرس عميق النغمة في أنحاء الأكاديمية، معلنًا بداية الفصل الدراسي الأول.
اصطف الطلاب في قاعة كبيرة مخصصة للمحاضرات، مزودة بتقنيات سحرية تعكس صورة المدرّس على جدران شفافة، ليتمكن الجميع من المتابعة، حتى أولئك الجالسين في الخلف.
دخلت الأستاذة سيرينا، بخطوات هادئة وثقة لا تخفى على أحد. شعرها الأزرق المتموج ينسدل على كتفيها، ونظراتها حادة، وكأنها تزن كل طالب بنظرة واحدة.
“صباح الخير، طلاب السنة الأولى،” قالت بصوت واضح.
“اسمي سيرينا
ضحك خفيف انتشر بين الطلاب، حتى دان ابتسم قليلًا.
“سنبدأ أولًا بفهم طبيعة العناصر وتقسيماتها. كما تعلمون، هناك ثلاث فئات رئيسية:
العناصر الأساسية: النار، الماء، الرياح، الأرض.
العناصر الفرعية: البرق، الجليد، الحديد، السموم، وغيرها…
العناصر الخاصة: وهي نادرة للغاية، مثل الزمن، الفضاء، أو حتى الجاذبية. هذه العناصر صعبة التحكم… وأحيانًا خطيرة على مستعملها.”
“نحن هنا لنكتشف مواهبكم، ونصقلها. وليس مهمًا بأي عنصر وُلدتم، بل كيف ستستخدمونه.”
رفعت عصًا سحرية نحيفة، ولوّحت بها في الهواء، لتظهر خريطة العناصر في شكل دائرة طاقة.
“كل عنصر يتفاعل مع الآخر بشكل مختلف. النار تضعف أمام الماء، لكنها تتفوق على الرياح، الحديد يقطع، لكن البرق يذوبه… والفضاء؟”
توقفت، ثم ابتسمت بخفة.
“الفضاء يعبث بكل القواعد، لكنه ليس من اختصاص هذا الفصل.”
همس مارين إلى دان:
“هل قالت… الفضاء؟ مستحيل، سمعت أنه لا أحد يستطيع استعخدامة إلا المجانين.”
دان لم يرد. فقط شد قبضته قليلاً تحت الطاولة
لقد سمعت العديد من التحذيرات عن العناصر الخاصة ،على الرغم من ذلك موهبتي عالية يجب على الأقل ان أجرّب استعمالة لاحقاً ،رغم المخاطر
تابعت الأستاذة سيرينا الشرح وهي تشير إلى الدائرة السحرية:
“العنصر الذي تمتلكه لا يحدد مصيرك… لكن فهمك له هو ما يصنع الفارق،هناك نوعان من المستيقظين الساحر وهو اختصاصي ،والآخر المقاتل بمختلف انواعة ، بعض العناصر تناسب الساحر أكثر من المقاتل، والعكس صحيح."
انطفأت الدائرة السحرية ببطء بينما التفتت إليهم بنظرة جادة.
“غدًا… ستبدأ التدريبات العملية في الساحة الشرقية. ستخضعون لاختبارات صغيرة لتحديد مدى تحكمكم في عنصركم. لا تقلقوا، لن يُطلب منكم القتال، بعد.”
همهمة خفيفة سرت في الصفوف، البعض متحمس، والآخر متوتر. مارين تنهد:
“آه، تمنيت القتال… على الأقل أعرف كيف أضرب .”
ضحك دان بهدوء، لكن لم يكن تركيزه عليه. كان ذهنه يعيد تحليل المعلومات عن العناصر الخاصة.
الفضاء… هل يعني هذا أن هناك من يمكنه العودة للحياة كما فعل هو؟ أو ربما يملك إجابة لما حدث له؟
قاطع تفكيره كلمات الأستاذة:
“سأعطيكم اليوم مهمة بسيطة: تعلّموا عن أصول عنصركم، وتاريخ استخدامه في الحروب الكبرى. أحضروا تقريرًا مختصرًا خلال ثلاثة أيام. لا تتأخروا.”
ثم استدارت، واتجهت نحو الباب، تاركةً خلفها فصلاً يملؤه الهدوء والتساؤلات.
⸻
بعد انتهاء الدرس، بدأ الطلاب بالتجمع في الممرات والساحات.
مارين التفت إلى دان وقال بابتسامة:
“تخيل… أول يوم، وطلبت منا كتابة تقرير؟ الأكاديمية لن تكون سهلة أبداً.”
ثم أضاف بنبرة جدية نادرة منه:
“لكن دان، من غير الطبيعي إنك صامت طول الوقت. هل هناك شيء ؟”
دان نظر إليه للحظة، ثم قال:
“أنا فقط… أحتاج لبعض الوقت للتأقلم.”
قبل أن يُرد مارين، اقترب طالب نحيل يحمل كتابًا كبيرًا بين يديه، شعره أبيض كالثلج وعيناه بلون الفضة.
“هل أنت دان نوكتاين؟”
أومأ دان.
قال الشاب بنبرة مهذبة:
“الأستاذة سيرينا طلبت حضورك في القاعة الجانبية، يبدو أن هناك… أمر خاص.”
"حسناً سألحق بك" ثم ذهب الطالب
عندها حدق مارلين بدان بدهشة
"أنت دان ؟ "
أجاب دان ببرود
"نعم ،وأنت مارلين ؟"
ضحك مارين وقال
"كلا،اقصد أنت دان نوكتاين الشهير "
ابتسم دان ابتسامةً باهتة
رائع ،يبدو ان سمعة صاحب هذا الجسد تسبقه
"أنا اعتذر ،ان كنت قد ضللتك "
هز مارلين كتفيه
"في الحقيقة أنت مختلف كثيراً عن الشائعات"
تنهد دان
"اعلم أني فعلت أشياء سيئة في الماضي ولكني احاول تصحيح اخطائي "
رد مارين باندهاش
"أوه… هذا جيد — رغم أني لا أتخيل أنك تعتذر لابنة عائلة هارتنر"
تجمد دان لبرهة، قلقًا ممَّا قد يسمعه، يهمس
"لماذا
سأله مارين مستمرًّا بابتسامةٍ ساخرة
"يا رجل… ألم تحاول الاعتداء عليها؟"
حاول دان الحفاظ على هدوئه، بينما تدفقت في ذهنه شتائمٌ كثيرة .
ذلك
ال
…
قال مارين أخيرًا وهو يضحك
"على أي حال، هي معنا في الفصل… رغم أنني أنصحك ألّا تحاول الكلام معها، حتى لو كنت نادمًا. من يدري؟ ربما تقتلك هي نفسها حين تسمح لها الفرصة."
غادر مارلين وتركني مع الكثير من الأفكار
رائع أنا لم أنجو أصلاً من محاولة الاغتيال والان قد تكون هناك أخرى ،سأؤجل الأمر لاحقا
تتبّع دان خطواته بحذرٍ نحو القاعة الجانبية التي دلّ عليه الطالب النحيل. وقف أمام الباب، خاطب نفسه بصوت خافت
أمل ان
…
طرَق الباب ثلاث نقراتٍ خفيفة، فانسحبت يُسرًا ليدخله.
⸻
في الداخل، كانت الأستاذة سيرينا واقفةً بجوار طاولةٍ صغيرةٍ، وعلى يسارها قارورةٌ شفافةٌ صغيرةٌ مملوءةٌ بسائلٍ أحمر باهت. أغمضت عينيها وألقت نظرةٍ دان، ثم ابتسمت ببرودةٍ مطمئنة:
“مساء الخير، دان. شكرًا على قدومك"
ابتسمت ببطءٍ، ثم التفتت نحوه بنظرةٍ تغالبها الترقُّب
“هل تتساءل عن سبب طلبي لقدومك وحدك إلى هنا؟”
رفع دان حاجبيه، وتردّد في الإجابة للحظة قبل أن يهز رأسه برفق
“كنت أتساءل، نعم."
نظرت سيرينا اليه وقالت
“عنصر الدماء لديك… لا يخضع للقيود الاعتيادية. هذه أكبر ميزةٍ لديه، وأيضاً أعظم عيب.”
حدّق دان فيها مدركاً عمق كلامها.
نظرت إليه وأكملت
“رغم قوة عنصر الدم، فإن عيبه في استخدام دم المستخدم يحدّ من إمكانياته بصورة كبيرة. وعلى الأرجح، هذا هو سبب اختيارك لجعله عنصرًا ثانويًّا.”
أومأ دان موافقًا
“هل تعرف ما هو أفضل حل لذلك؟”
تردّد دان في الإجابة
“أليس الحلّ الأفضل هو إنهاء القتال بأسرع ما يمكن؟”
ابتسمت سيرينا
“صحيح… لكن هناك جوابًا آخر.”
ثم أخرجت من خلف مكتبها زجاجةً صغيرةً، ووَضعتها على الطاولة أمام دان.
نظر إليها دان بدهشةٍ
“أوه… زجاجة؟ شكرًا يا أستاذة، لكنني لم أستطع تخزين دمي بصورة جيدة في السابق.”
نظرت إليه سيرينا ببعض الانزعاج
“يا فتى، هل تظن أني دعوتك إلى هنا لأعطيك زجاجةً عادية؟ إنها قطعةٌ أثرية.”
تساءل دان بدهشةٍ أكبر
“قطعة أثرية؟ أليس القطع الأثرية أدواتٍ نادرةً صنعت بيد أمهر الحرفيين؟”
ابتسمت سيرينا بخفّة:
“كلامك صحيح… رغم أن هذه القطعة الأثرية ليست من أندرها. ما تقوم به حقًّا هو تخزين الماء.”
نظر إليها دان بذهول
“هذا رائعٌ حقًا… لكنه يظل تحفةً أثرية.”
كما لو أن سيرينا قد قرأت أفكاره، قالت:
“الدم معظمه ماء، لذلك يمكنك تخزين دمائك داخل هذه الزجاجة. ولأنها قطعةٌ أثرية، فهي قادرةٌ أيضًا على تخزين الأورا الخاص بك.”
عند سماع ذلك، لم يستطع دان إخفاء حماسه. لقد حاول قبل ذلك تخزين الدماء في عبواتٍ عادية، لكن الأورا لم يدم طويلاً، وذهب كل شيء سدى. هذه الزجاجة قد تمنحه حلاً حقيقيًا .
رغم ذلك ،لم يستطع ان يخفي شكوكه .
قال بحذر:
"يا استاذة "
رفعت سيرينا نظرتها إليه
"نعم "
تنهد دان
"لماذا تساعدينني؟ ليس لديك سببٌ لذلك "
ضحكت سيرينا بخفة
"هناك سببان ، الأول، أن لديك موهبةً جيدة، وأنا لا أحب إهدار المواهب.
الثاني، أن أختك الكبرى طلبت مني الاعتناء بك "
ابتسم دان
إذاً هذا هو السبب… يبدو أن أختي الكبرى لا تزال تعتني بي
نظرت إليه سيرينا بجدّيّة.
الآن، فلنجرب الزجاجة
أومأ دان، أمسك الزجاجة، وجرح يده بخفةٍ بقاطعٍ صغير. انساب الدم داخل القارورة حتى ملأ الزجاجة. لم تكن الكمية كبيرة، لكنها كافية. (يمكنني على الأقل إطلاق طلقتين دمويتين منها)، فكر وهو يشعر ببعض الدوار
أجرت سيرينا فحصًا سريعًا.
"هذا جيد. الآن عليك العودة إلى غرفتك، فقد سحبت دمك للتوّ، لا بدّ أنك متعب ،ولا تنسى غداً يوجد تدريب عملي "
أومأ دان شاكراً الأستاذة، ثم غادر الغرفة ببطءٍ وهو يُمسك الزجاجة بكلّ عناية
وقرر عندها الذهاب إلى غرفته.
كان ترتيب الغرف في الأكاديمية يعتمد على رتبة الشارة
أصحاب الشارات البرونزية يُقيمون في غرف تضم أربعة أفراد ،
أما أصحاب الشارات الفضية فيشاركون الغرفة مع شخص واحد فقط ،
في حين يحصل أصحاب الشارات الذهبية على غرفة خاصة ،
أما الشارة الألماسية ، فهي تُمنح للنخبة فقط، وغرفهم هي الأوسع والأفضل تجهيزًا في الأكاديمية
جلس دان في ركن غرفته، القنينة بجانبه وكتاب الملاحظات مفتوح أمامه. أخذ نفسًا عميقًا، ثم تذكّر كلام الأستاذة سيرينا
“الفضاء يعبث بكل القواعد…"
تردّد لوهلة، ثم تمتم
“إن لم أبدأ الآن… فمتى؟”
مدّ يده نحو الفراغ، مركّزًا كل إرادته، محاولًا لمس ذلك الخيط الرفيع الذي شعر به في أعماقه… لحظةً مرت، ثم اشتعل جسده بهالة فضية، كأن الكون يلتف حوله
ثم بدأ ينغرس ببطء في الأرض الخشبية تحت قدميه.
صرخة خافتة انطلقت منه وهو يغرق أكثر فأكثر في الأرض حتى لم يعد سوى ذراعيه تتشبّثان بحافة السرير
بدأت الصخور تتخلّل جسده، تمرّ عبره كالإبر، تخترق عضلاته، أضلاعه، وحتى جمجمته.
صرخة حادة مزّقت الغرفة، جسده يرتجف كمن يُسحب بين بعدين.
كل عظمة فيه تكسّرت، كل عصب احترق، وكل فكرة اختفت سوى شعور واحد
الألم.
ثم الظلام…
صمت…
⸻
في لحظة، فتح دان عينيه على سريره، يتصبب عرقًا، يلهث كمن نجا من الجحيم. نظر حوله، كل شيء كما كان قبل دقائق… وكأن ما حدث لم يحدث
إلا جسده المرتجف… وصدى الألم الذي لا يزال محفورًا في أعماقه.
نظر إلى يده، وكأنها تذكر الألم قبل أن يذكره عقله.
همس لنفسه
“أنا… عدت بالزمن."