اليأس له طعم. طعمه مر، معدني، كطعم الدم الذي تذوقته كثيرًا في الأيام الأخيرة. وله رائحة. رائحة الهواء البارد، النقي بشكل قاتل، الذي لا يحمل أي أثر للحياة، فقط وعد بالموت المتجمد.

وله صوت. صوت عواء الريح الأبدي الذي يجلد هذا الجحيم الأبيض، وصوت دقات قلبي البطيئة، اليائسة، في صمت رأسي.

كنت قد فقدت الإحساس بالزمن. هل مر أسبوع؟ أم أسبوعان؟ لا أعرف.

كل "يوم" كان مجرد دورة من الشفق الرمادي الكئيب، لا يختلف عن سابقه إلا في درجة يأسي التي كانت تتعمق أكثر فأكثر.

الجبال السوداء التي كانت هدفي، بدت كأنها سراب لا يمكن الوصول إليه، لا تقترب أبدًا مهما سرت، كأنها جزء من لوحة مرسومة على حافة الكون.

وكنت قد رأيت أهوالاً كافية لتصيب عشرة رجال بالجنون. مخلوقات من الجليد والظل، تتحرك بصمت في العواصف، عيونها تتوهج ببرودة قاسية، وتاركة وراءها آثارًا لا يمكن أن تنتمي إلى أي كائن حي معروف.

لكن ما حدث بعد ذلك، جعل كل ما رأيته سابقًا يبدو كألعاب أطفال.

بدأ الأمر كهمهمة خافتة، اهتزاز عميق شعرت به في عظامي أكثر مما سمعته بأذني.

الرياح، التي كانت تعوي باستمرار، بدأت تكتسب نبرة جديدة، نبرة أكثر غضبًا، أكثر وحشية. كأن الوحش الذي كان يئن من الألم قد استشاط غضبًا أخيرًا.

"عين الحقيقة"، التي كانت تعمل بشكل متقطع، وتسبب لي صداعًا نابضًا خلف عيني، أظهرت لي أن الطاقة في الهواء بدأت تتغير.

لم تعد مجرد طاقة باردة، بدائية. بل أصبحت... عنيفة. تيارات من الطاقة الزرقاء الداكنة، حادة كشظايا الزجاج، بدأت تتشابك وتتصادم في الغلاف الجوي، كأفاعٍ كونية تتقاتل حتى الموت.

"عاصفة..." تمتمت، والكلمات تجمدت على شفتي. "عاصفة حقيقية قادمة."

لم أكن مخطئًا.

في غضون دقائق، تحول المشهد من جحيم أبيض إلى فوضى مطلقة. الرياح لم تعد تعوي، بل أصبحت تصرخ. صراخًا حادًا، متعدد النغمات، يمزق طبلة الأذن، ويهدد بتمزيق العقل.

شعرت بقوتها المادية تضربني، تدفعني، تهدد بإلقائي في الهواء كدمية من قماش.

انبطحت على الجليد الأسود، محاولاً التشبث بأي نتوء، أي صدع، لكن لم يكن هناك ما يمكن التشبث به.

والثلج... لم يعد يتساقط. بل كان يُقذف أفقيًا، كأنه طلقات من مدفع رشاش.

لم تكن ندفات ثلج ناعمة، بل كانت حبيبات من الجليد، صلبة، حادة، تضرب وجهي ويدي، وتخترق طبقات ملابسي الواقية، وتشعرني بآلاف اللسعات الباردة المؤلمة.

الرؤية... أصبحت مستحيلة. لم تكن مجرد ضباب. كانت "بياضًا مطلقًا".

جدار أبيض، صلب، متحرك، يحيط بي من كل جانب. لم أعد أرى يدي أمامي. لم أعد أعرف أين هي السماء وأين هي الأرض.

فقدت كل إحساس بالاتجاه، بالمسافة، بالمكان. كنت مجرد نقطة من الوعي، تائهة في قلب ماكينة غسيل كونية مليئة بالجليد والغضب.

"عين الحقيقة" كانت عديمة الفائدة تمامًا الآن. كل ما كانت تريه لي هو دوامة من الطاقة البيضاء والزرقاء العنيفة، تومض وتنفجر، مما زاد من الصداع والغثيان.

أغلقت عيني، لكن ذلك لم يساعد. الصور المرعبة للعاصفة كانت محفورة على جفوني.

بدأت أزحف. لم أكن أعرف إلى أين. فقط أزحف، على أمل أن أجد أي نوع من الملجأ، أي شيء يمكن أن يحميني من هذا الهجوم الأبدي.

يداي، رغم القفازات السميكة، أصبحتا مخدرتين من البرد، وتجرحتا من الاحتكاك بالجليد الحاد.

جسدي كله كان يرتجف بعنف، وشعرت بأن حرارة جسدي، ذلك الكنز الثمين، تتسرب مني بسرعة، كأن هذه العاصفة تتغذى عليها.

لا أعرف كم من الوقت مر وأنا أزحف في هذا الجحيم الأبيض. دقائق؟ ساعات؟ كل ثانية كانت صراعًا، كل حركة كانت انتصارًا صغيرًا على الموت.

وفجأة، بينما كنت أزحف، يدي اليمنى التي كانت تتحسس الطريق أمامي، غاصت في الفراغ.

كدت أسقط، لكنني تمكنت من التشبث بحافة ما. حافة حفرة؟ أم صدع؟

بذلت كل ما تبقى من قوتي، وزحفت نحو هذه الحافة، ثم انزلقت إلى الداخل، هاربًا من عنف العاصفة.

سقطت لمسافة قصيرة، وهبطت على أرضية أكثر نعومة من الجليد. ثلج متراكم.

عندما تمكنت أخيرًا من فتح عيني، ورفع رأسي، وجدت نفسي في مكان... مختلف. كنت في ما يشبه الكهف، أو مدخل نفق واسع.

الجدران كانت من صخر أسود، مغطى بطبقة سميكة من الجليد الصافي، لكنها كانت توفر حماية شبه كاملة من الرياح العاتية. صوت العاصفة في الخارج أصبح الآن مكتومًا، كأنه هدير وحش بعيد.

هنا، في هذا الهدوء النسبي، كان الظلام أعمق. لكن مع تأقلم عيني، بدأت أرى.

وهذا ما رأيته، جعل قلبي، الذي كان يخفق بعنف، يتوقف تمامًا.

في وسط الكهف، على بعد بضعة أمتار مني، كان هناك شخص.

شخص جالس.

كان رجلاً عجوزًا. أصلع، ورأسه اللامع مغطى بشبكة معقدة من الخدوش والندوب القديمة، العميقة، كأن وحشًا قد نقش تاريخه على جمجمته.

لحيته وشاربه وحواجبه كانت كثيفة، طويلة، وبيضاء تمامًا، كأنها مصنوعة من خيوط الصقيع، ومتجمدة عند أطرافها.

كان يرتدي ما يشبه رداءً بسيطًا، مصنوعًا من قماش داكن، خشن، لا يبدو أنه يوفر أي حماية حقيقية من هذا البرد القاتل.

كان يجلس القرفصاء على الأرض الجليدية، وظهره مستقيم بشكل غير طبيعي. ولم يكن ينظر إليّ.

بل كان ينظر إلى الأعلى، إلى سقف الكهف، أو ربما من خلاله، إلى السماء العاصفة، بتأمل عميق، كأنه يقرأ أسرار الكون في رقصة الثلج والغضب.

وعيناه... عندما التفت برأسه قليلاً، ورأيت عينيه، شعرت ببرد أشد قسوة من برد العاصفة نفسها. كانتا سوداوين. سوداوين تمامًا، كقطعتين من زجاج السبج، لا بؤبؤ لهما، ولا قزحية. فراغ أسود، بارد، يعكس لا شيء، ويمتص كل شيء.

كانتا عينين قديمتين، رأتا صعود وسقوط النجوم، ولم تعد تكترث بشيء.

تجمدت في مكاني. عقلي كان يصرخ.

"عجوز في هذا المكان؟ لم يذكر قط في الرواية في الـ 400 فصل التي قرأتها! لا شيء! لا إشارة، لا تلميح! من هذا؟ ماذا يكون؟"

هل هو شبح؟ شيطان جليدي متخفٍ؟ أم حاكم قديم ومنسي؟

"عين الحقيقة"، التي كانت لا تزال تؤلمني، أظهرت لي شيئًا جعل رعشة الخوف تتحول إلى رعب مطلق.

عندما نظرت إلى الرجل العجوز من خلالها، لم أرَ أي هالة. لا زرقاء، لا حمراء، لا سوداء، لا شيء. كان فراغًا.

بقعة فارغة في نسيج الطاقة، كأن هذا الكيان لا وجود له، أو أن وجوده يتجاوز قدرة "عين الحقيقة" على الإدراك تمامًا. وهذا كان مرعبًا أكثر من أي هالة وحشية رأيتها.

بقيت صامتًا، لا أجرؤ على التنفس. هل رآني؟ هل شعر بوجودي؟

مرت دقائق، أو ربما ساعات.

العاصفة في الخارج كانت لا تزال تزمجر، وأنا وهذا الكيان الغامض كنا في هذا الكهف، كشاهدين على غضب العالم.

ثم، ببطء شديد، دون أن ينظر إليّ مباشرة، ودون أن يغير من جلسته، تكلم.

صوته... لم يكن كأي صوت سمعته من قبل. كان يشبه صوت احتكاك الصفائح الجليدية في قاع المحيط، عميقًا، قديمًا، ويحمل في طياته صدى آلاف السنين من الصمت.

"من أنت؟"

السؤال البسيط، المكون من كلمتين، هزني حتى النخاع.

ابتلعت ريقي الذي تجمد في حلقي. ترددت. ماذا أقول؟ هل أكذب؟ لا فائدة من الكذب أمام كيان كهذا.

"أنا... أنا نير..." خرج صوتي ضعيفًا، مهزوزًا. "نير ڤيرتون."

لم يعلق الرجل العجوز على اسمي. كأنه لا يعني له شيئًا.

ثم، بعد صمت طويل آخر، سأل سؤاله الثاني، بنفس النبرة العميقة، التي لا تحمل أي فضول، بل مجرد... حقيقة.

"ولماذا أنت هنا؟"

لماذا أنا هنا؟ سؤال جيد. هل أقول له إنني هارب من قدري، من رواية سخيفة؟ هل أقول له إنني ضعيف، مقيد، وأبحث عن القوة في أكثر الأماكن يأساً؟

قررت أن أقول له الحقيقة. أو جزءًا منها.

"أنا أبحث... عن سيف،" قلت، وصوتي اكتسب بعض الثبات.

"السيف الأسود. سيف لا ينكسر. يقال إنه مخبأ في هذه الأراضي الملعونة."

بعد أن قلت ذلك، صمت الرجل العجوز مرة أخرى. لكن هذه المرة، كان الصمت مختلفًا.

شعرت بأنه... يستمع. يقيّم. يزن كلماتي، وروحي، في ميزان قديم، لا مرئي.

مر وقت طويل. طويل جدًا. بدأت أعتقد أنه لن يجيب، وأنه سيتجاهلني إلى الأبد.

العاصفة في الخارج بدأت تهدأ قليلاً، وعواء الريح تحول إلى أنين حزين.

ثم، ببطء، أدار الرجل العجوز رأسه نحوي بالكامل. ولأول مرة، نظرت مباشرة إلى عينيه السوداوين الفارغتين.

شعرت بأن روحي تُسحب إلى ذلك الفراغ، بأن كل أسراري، كل مخاوفي، كل أكاذيبي، تُكشف أمامه.

لم يبتسم. ولم يعبس. وجهه كان قناعًا من الجليد والزمن.

ثم، رفع يده اليمنى، تلك اليد ذات الأصابع الطويلة، النحيلة، والمغطاة بالندوب.

لم يمدها نحوي. بل فتح راحة يده أمامه، في الهواء الفارغ.

ومن راحة يده... من العدم... بدأ يتشكل شيء ما.

بدأت أرى خطًا أسود، رفيعًا، يظهر في الهواء. خطًا من ظلام مطلق، أشد سوادًا من ظلال القصر، ومن عيني الرجل العجوز.

بدأ هذا الخط ينمو، يتمدد، يتخذ شكلاً. شكل مقبض. ثم واقٍ لليد. ثم... نصل.

نصل طويل، مستقيم، أسود تمامًا. لم يكن يلمع. بل كان يمتص الضوء. كأنه ثقب أسود على شكل سيف.

بدا وكأنه لا يمتلك أي وزن، وفي نفس الوقت، كأنه يحمل ثقل نجم منهار.

"السيف... الأسود..." تمتمت، وعيناي متسعتان من عدم التصديق.

أمسك الرجل العجوز بالسيف من مقبضه، وقدمه لي، ليس بمد يده، بل بجعل السيف يطفو في الهواء ببطء نحوي، حتى توقف أمامي مباشرة، يتأرجح بلطف في الهواء البارد.

نظرت إلى الرجل العجوز، ثم إلى السيف، ثم إلى الرجل العجوز مرة أخرى. عقلي كان يرفض أن يصدق.

"كيف... كيف يمكن...؟" الكلمات خرجت مني كهمس متقطع. هل كان السيف معه طوال هذا الوقت؟ هل خلقه من العدم؟ من هو هذا الرجل؟

لم يجب الرجل العجوز على سؤالي. فقط أشار بعينيه نحو السيف، ثم عاد لينظر إلى السماء مرة أخرى، كأن وجودي لم يعد يعنيه في شيء.

ترددت للحظة، ثم، ببطء، مددت يدي المرتجفة، التي لا تزال تؤلمني من البرد والزحف.

ما إن لامست أصابعي مقبض السيف، حتى شعرت بشيئين متناقضين في آن واحد: برودة مطلقة، كبرودة الفراغ بين النجوم، ودفء خفي، كأنه همس من قوة قديمة، نائمة.

أمسكت بالسيف. كان أخف مما توقعت، لكنه كان يحمل في طياته وزنًا هائلاً، وزن الأبدية.

نظرت إلى نصلي الأسود الذي لا يعكس أي شيء. شعرت بقوته، بقدمه، وبأنه... ينتمي إليّ. أو أنني أنتمي إليه.

عندما رفعت نظري مرة أخرى، كان الرجل العجوز... قد اختفى.

لم يكن هناك أي أثر لوجوده. لا آثار أقدام، لا صدى لصوته، لا شيء. كأنه لم يكن هنا أبدًا.

بقيت وحدي في الكهف، والسيف الأسود في يدي، والعاصفة تهدأ في الخارج، وعقلي يعج بأسئلة أكثر وأعمق من أي وقت مضى.

لقد وجدت ما أتيت من أجله. أو على الأقل، جزءًا منه.

لكنني لم أجد أي إجابات. بل وجدت لغزًا أكبر، وأكثر رعبًا.

لغز ذلك الرجل العجوز، الذي يجلس في قلب الجحيم، ويحمل في يده أساطير العالم.

2025/06/16 · 51 مشاهدة · 1590 كلمة
Vicker
نادي الروايات - 2025