بعد مرور شهر وبضع ايام على دخول سيرافين الغيبوبة, استيقظت قلعة الشمال على صباح شتوي صامت.
كانت السماء رمادية باهتة.
تغطيها سحب كثيفة تنذر بعاصفة ثلجية قادمة, وكانها تعكس الفراغ الذي خلفه غياب سيرافين.
النوافد المزخرفة تجمدت اطرافها, وثلج ناعم تسلل الى الشرفات المهجورة.
وفي اعماق القلعة, خلف ابواب حجرية سميكة, كانت الغرفة المخصصة له غارقة في السكون, تتراقص فوقها ظلال نار خافتة من الموقد الحجري.
فتح سيرافين اعينه اخيرا, ببطئ كمن يسحب روحه في اعماق الظلمة, صمت. تنفس. ثم نهض متثاقلا, يتلمس الجدران الباردة حتى وقف امام المراة العتيقة.
تامل وجهه للحظات, قبل ان تتوقف عيناه عند تلك الندبة .
اغمض عيناه بالم, مازال يتذكر احداث الغيبوبة.
كان في غيبوبة... لكن لم يكن غائبا تماما, كان يشعر بكل شيء. كل كلمة, كل لمسة, كل تنهيدة صدرت بقربه, كان يسمعها بوضوح.
كان بامكانه الاستيقاظ, كان يعلم ذلك. اكثر من مرة اقترب من السطح, كاد ان يفتح اعينه... لكنه لم يرد فقط اراد الراحة, اراد الهرب من ضجيج الالم, اراد ان يصمت العالم قليلا كي يصفي ذهنه. و فعلا وجد تلك الراحة.
لكن بثمن...
ماجرى داخل تلك الغيبوبة, التي بدت هادئة من الخارج, لكنها في داخله شيئا اخر.
يعرفه هو فقط...
اضافة لذلك الصوت...
تنهد سيرافين بعمق كان صدره يحمل وزن العالم ثم استدار نحو الشخص الواقف وراءه منذ مدة
الدوق راين لوثران
كما كان دوما بنفس النظرة بنفس الهيبة بنفس الصمت
ساد صمت ثقيل بينهما كسره الدوق اخيرا بكلمات هادئة لكنها حادة:
"لماذا فعلت ذلك? "
رفع سيرافين يده الى شعره ومسح عليه ببطء
ما ان قرر التحدث حتى قاطعه الدوق قائلا هذه المرة بصوت عملي كانه يعيد الامور الى مسارها الطبيعي:
"لناجل ذلك, ساتصل بادوارد بما انك استيقظت. يمكنه معالجة تلك الندبة على وجهك"
كلمات الدوق خرجت وكانها امر ملكي لا يقبل الجدل .
لكن الرد جاء سريعا مفاجئا وقاطعا:
"لا"
رفض سيرافين دون اي تردد, مما جعل الدوق يعبس بشدة ,وقال بحدة لم يستطع اخفاء دهشته:
"ماذا تقول"
"قلت لا اريد انا احبها, و اجل ليس هناك شيء لتحدث عنه; و ايضا موعد الالتحاق بالاكادمية مضى عليه وقت, علي الذهاب اعتقد ان افضل ما يمكنك فعله الان هو ان تخبر الحراس ببدء عملية النقل بدلا من تضييع وقتك معي, فلا اظن انك ستحصل على اجابة مني ترضي فضولك. "
الذهول كان مرسوما على ملامح الدوق, لاول مرة يصبح عاجزا عن الرد :
"فقط ...افعل شيئا واحدا اريده, كن ابا مرة واحدة فقط وافعلها. "
مرت لحظات طويلة درجة الحرارة انخفظت اكثر مما هي منخفظة
سيرافين من الخارج كان هادئا لكن من الداخل كان متوترا من ردة فعل الدوق
اما الدوق فلم يكن امامه الا ان ينسحب في صمت يحمل كلمات ابنه معه ثقيلة كانها اول واقسى حقيقة سمعها منذ مدة
***
كان ضوء الصباح باهتا حين وقف سيرافين امام المراة الكبيرة في غرفته يتفقد تفاصيل مظهره بدقة لا متناهية ملابسه رغم لمستها العصرية كانت تحمل فخامة لا تخطئها العين
ارتدى قميصا اسود داكن من حرير خفيف ينسدل بانسيابية فوق جسده يلتف عند العنق بياقة عالية مزينة بخيط فضي رفيع يلمع بخفوت كانها خيط برق نائم
فوقه ارتدى سترة داكنة قصيرة تصل حتى خصره مصممة بقصة مائلة عند الاكتاف مزودة بازرار معدنية سوداء منقوشة بشعار العائلة تلمع كلما لمسها الضوء البنطال كان ضيقا من خامة مخملية ناعمة تتخله تطريزات بسيطة بالكاد ترى
اما حذاؤه فكان جلديا اسود مصقولا بعناية
جمع شعره الطويل خلف راسه بربطة حريرية رمادية تاركا خصلتين تنسدلان على جانبي وجهه
نظر الى تلك الربطة المتواجدة بمعصمه الايسر تاملها للحظات ثم مرر اصابعه عليه يبتسم
تلك الغيبوبة اخدت منه اكثر مما اعطته لكنه راضي
فتح الحالة وركز اعينه على ذلك السطر
المستوى: C
****
سيرافين لم يكن يخدع نفسه, هو لن يتبع الخطة القديمة, لا تتقرب من الدوق, لا لعب دور الابن المخلص, لا خداع للبطل لسرقته.
تلك الخطط باتت رمادا.
حين نزل من جناحه كان الحارس ينتظره بانضباط رسمي اخبره ان البوابة جاهزة
وصل الى الغرفة السفلية الواسعة المهيبة والتي تتوسطها بوابة النقل تلك البوابة الدوارة من الضوء الازرق وتدور كدوامة زمنية لا يعرف ما خلفها.
و بجانبها وقف الدوق ومساعده اريك وعدد من الحراس.
بدا الحارس بالقاء التعليمات :
"سيتم نقلك مباشرة الى اكاديمية نيفاريا احد الاساتذة سيشرف على استقبالك و... "
لكن كلمانه تلاشت في هواء الغرفة فقد كانت نظرة سيرافين تائهة نحو البوابة فقط لا تهمه التوجيهات ما يهمه هو العبور.
اريك تقدم نحوة بابتسامة مشدودة يحاول كسر الصمت .
قال بنبرة فيها قلق خفي:
" لا اعلم ما خطبك يا ولد... هل انت متاكد? "
سيرافين تفهم قلق الاخر, فاكادمية نيفاريا ليس مجرد اكادمية بل مكان حيت الوجوه مزينة, والاكاديب لامعة, ارض تحاك فيها الخطط, خلف ظهور الابرياء.
اكادمية نيفاريا نقطة التحول.
لذلك لم يجب, والنظرة التي القاه نحوه قالت كل شيئ:
لا حاجة لكلامك
فهم اريك الرسالة, دون ان يظهر انزعاجا
سحب من جيبه خاتما فضي غامق اللون, محفورا بتعويذات دقيقة ومده له:
"هذا خاتم تخزين, مجهز بافضل الاسلحة والموارد.... اترى كم يحبك عمك اريك اليس كذلك ? "
واطلق ضحكته الصاخبة تلك, التي دائما مابدت غريبة, لكنها هذه المرة تسببت في تراجع الحارس خطوة للوراء من شدتها
الا انه سرعان ما اختنق بضحكته. حين اطلق الدوق هالته نحوه, ثقيلة, صارمة, صامتة, كانها سيف وضع على العنق..
ما ان راى سيرافين, الدوق يتقدم لم ينتظر, خطا نحو البوابة بسرعة .
وفور دخوله البوابة شعر بالاهتزاز.
العالم يدور, الهواء اختفى, كل شيء حوله اصبح ضوءا ازرق كثيفا .
فتح سيرافين اعينه بعد اختفاء الدوار
كانت الغرفة التي استقبلت وعيه جميلة بشكل مفاجئ بيضاء ناصعة جدرانها مزخرفة بنقوش دقيقة تعكس ضوءا ناعما من النوافد الزجاجية الكبيرة الزوايا نظيفة ومرتبة بعناية والارضية الامعة تصدر صدى خفيف لاية حركة
ومع عودة الرؤيا تدريجيا راى شخصين واقفين بجانبه
الاول كان امراة ذات قوام ممشوق, وطول متوسط, شعرها طويل كالذهب المنسدل, عينيها كانتا مشدودتين , لم تكن تحاول حتى اخفاء استياءها من وجوده .
والثاني, رجل ضخم الجثة ,عضلاته مشدوده بشكل واضح تحت زيه الرسمي, عينيه الرماديتين باردتين كالجليد.
اقترب سيرافين منهم ببط,ء هو تعرف الاولى, كاميليا الفيست استاذة الرئيسية لفصل النخبة ما ان راها حتى تعرف عليها, ففي الاخير هو الذي كان يسهر الليالي يقرا تلك الرواية.
مع انه لم يرد ان يعترف, الا ان الوقوف امام شخص كان مجرد شخصية تقرا عنها لهو شعور...
شعور جميل...
تسائل عن شعوره, اذ التقى بالشخصيات الرئيسية.
ابتسم جراء تفكيره, مما جعل كاميليا تنظر الى زميلها, وكانها تقول ارايت اخبرتك انه مجنون.
ما ان وقف امامهم, لاحظ نظراتهم الى جانب وجهه فتنهد بقوة.
سرعان ما تكلم الاستاذ اولا بصوته العميق:
"سيرافين لوثران اليس كذلك ?"
رد سيرافين بايماءة بسيطة وصوت خافت :
"نعم"
لم تكن اجابة طويلة, لكنها كانت كافية
تنهدت كاميليا, ثم قالت بعصبية واضحة :
"مثله تماما, نفس التصرفات "
سيرافين لم يحتج الى تفسي,ر فقد فهم فورا من "هو" الذي تقصده
الدوق لوثران...
سيرافين لم يعلق وادعى عدم سماعها وتوجه بنظره نحو الاستاذ الذي بدا يشرح بهدوء:
"انت الان في مركز النخبة _ الطابق الاول من الجناح المخصص لتدريب الطلاب والنخبة, تضم فقط 20 طالب,, موزعون حسب التقييم الفردي من حيت المهارات, التركيز, الموهبة ,والانظباط ,انت الان تحتل المرتبة السادسة ,والسبب الاساسي هو موهبتك في السيف, الى جانب تحكمك في عنصر الظلال, مع انك فارس. "
صمت لحظة, وهو يحدق في سيرافين تم تابع:
"جميع طلاب النخبة يحملون تقييما من المستوى S سواء في المبارزة, او المهارات القتالية, او السحر, او الاستراتيجية, ان تكون هنا يعني انك ملزم باثبات جدارتك يوميا ."
تقدمت الاستاذة كاميليا بخطوات واثقة, وقفت بجوار الاستاذ, ووضعت ذراعيها خلف ظهرها وعينها تلمعان بحدة :
"الالتزام هنا.. ليس خيارا, ,بل قاعدة سيتتم تزويدك بجدول دروس اسبوعي, يشمل تدريبات جسدية, نظرية, قتالية, وحتى اجتماعات تكتيكية, الغياب, التاخر او الاهمال... كلها اشياء لن تغتفر ."
ثم نظرت اليه نظرة طويلة, قبل ان تضيف:
"والاهم... انك قد تاخرت عن الالتحاق بالاكاديمية بشهر تقريبا, الجميع سبقوك بخطوة, هل لديك ما تبرر به ذلك ."
لم يبد على سيرافين اي ارتباك, فقط رفع راسه قليلا, وقال بنبرة هادئة وثابتة:
" تاخري لا يعني انني متاخر , البعض يبدا السباق متقدما, لكن من يفهم اللعبة... هو من يصل اولا. "
كاميليا اطالت النظر الى سيرافين, لكن سرعان ما اشاحت بنظرها, وطلبت منه اتباعهم.
***
في اورقة مركز طلبة النخبة حيث تتشابك الرخمات البيضاء والزجاج الفضي في تصميم فخم وعملي كان سيرافين يسير برفقة الاستاذة كاميليا, والاستاذ ضخم الجثة بخطى ثابتة لاتبدي اهتماما يذكر بكلماتهم,, الاستاذ كان يشرح الهيكل الداخلي للمركز لكن سيرافيم لم يجهد نفسه في الانصات.
وفجاة...
"استاذة كاميليا!"
صوت انثوي ناعم, لكنه يحمل حدة الاستفهام.
الجميع توقفوا.
استادارت كاميليا بعينيها الغاضبتين, نحو مصدر الصوت, وسرعان ما استدار الاستاذ رفقة سيرافين ايضا.
وهناك... تلاقت اعين سيرافين مع اعين اخرى, مختلفة.
كانت اعينا يعرفها... لا, يعشقها.
وجوه كان قد قرا عنها, تخيلها, حفظها من بين سطور الرواية.
والان, ها هم امامه, شخصياته المفضلة, اولئك الابطال الذين احبهم من بعيد... هم هنا, واقفون قربه, يتنفسون, يتحركون, وينظرون له.
قلبه دق.
ثم دق اسرع.
ليس بخوف, بل بدهشة... دهشة من الحلم الذي اصبح واقعا.
كيف يشعر المرء حين يلتقي خياله ?
حين تتحول القراءة الى حضور?
حين يصبح هو نفسه... احد الفصول?