الأيام... تكررت بوتيرتها المعتادة.

كان الصباح يبدأ بالهدوء نفسه، والروتين لا يتغير كثيرًا. جلسات سريعة مع

زيفان

في الفناء الخلفي، أحاديث قصيرة مع

سيلين

في الطريق إلى الفصول، وابتسامات مجاملة من

كاسي

في الأروقة، بل وأحيانًا، ينضم إليهم

ليون ثورن

– ذلك الطالب الذي لطالما جذب الأنظار أينما حلّ.

سيرافين

، رغم كل تلك التفاعلات، بقي متيقظًا. يراقب، يسجل، يربط بين الأحداث كما لو أن كل لحظة تمرّ ما هي إلا خيط آخر في نسيج يعرف مسبقًا كيف سينسج.

وفي أحد الأيام، جلس في

الكافيتيريا

بصحبة

زيفان

، يتبادلان أطراف الحديث حول اختبار قتال مرتقب، وعينا سيرافين تجوب المكان كعادتها، تلتقط الهمسات والنظرات قبل الكلمات.

فجأة...

صوت جهاز الإذاعة الداخلي يعلو:

«بلاغ عاجل: نُعلن عن اختفاء الطالب لوسيان ريموند، طالب من الطبقة العامة، شوهد آخر مرة مساء أمس قرب ساحة التدريب الثالثة. نرجو ممن لديه أي معلومات التوجه فورًا إلى الإدارة العليا.»

الصمت... ساد المكان للحظة.

الطلبة تبادلوا النظرات، بعضهم ارتبك، وآخرون لم يهتموا. أما

سيرافين

... فقد خفض رأسه قليلاً، ونظر إلى

زيفان

بنظرة معتمة.

"أستأذنك،" قال بصوت خافت وهو ينهض، دون أن ينتظر ردًا.

شق طريقه بهدوء نحو أحد الحمامات الجانبية، دخل، وأغلق الباب خلفه بإحكام. أمام المرآة، نظر إلى وجهه، خلع قفاز يده اليمنى، ومسح جبينه بتوتر واضح.

ثم...

ابتسم.

لكنها لم تكن ابتسامة ارتياح.

كانت ابتسامة داكنة، مشوبة بشيء من الإثارة، وكأن فصول رواية ما بدأت تُفتح أمامه.

ضحك.

ضحكة خافتة في البداية، ثم أخذت ترتفع، تختلط بالهواء البارد في الحمّام الصامت.

"بدأ القوس الأول..."

همس لنفسه.

"اختفاء لوسيان ريموند... هكذا تبدأ القصة."

لقد قرأ هذا في الرواية من قبل. يعرف التفاصيل، يعرف من سيختفي لاحقًا، ومن سيتهم، ومن سيموت...

لكنه الآن ليس قارئًا.

هو داخل الرواية.

والأمور قد لا تسير كما كُتبت.

***

في مساء خريفي هادئ، تلقّى سيرافين استدعاءً غير متوقع من طرف مدير الأكاديمية. لم يكن الاستدعاء غريبًا بحدّ ذاته، لكن التوقيت... والطريقة، أوحت له بأن أمرًا ما يحدث ،وهو يعلمه بالطبع.

خرج من جناحه، يسير بخطوات هادئة في الرواق الرئيسي للطابق الخاص بصفّ النخبة.

الأضواء الخافتة انعكست على الأرضية المصقولة، تعكس ظلاله الطويلة في صمت. وبينما هو في طريقه إلى مكتب المدير، مرّ أمام شاب لم يسبق أن التقى به من قبل، ومع ذلك، كان مألوفًا بشكل غريب.

شعر ذهبي لامع، تعابير صارمة، وعينان لامعتان تحملان ثقة لا تهتز… لم يكن إلا

إيدن الفيست

، المبارز الذهبي، أحد أشهر المواهب في الأكاديمية. تبادلا النظرات لوهلة، نظرات خالية من الكلمات، ثم واصل كل منهما طريقه كأن الآخر غير موجود.

لم تكن تجاهلًا حقيقيًا، بل اعترافًا صامتًا بأن اللقاء الأول لا يحتاج إلى مقدمات.

وصلا إلى الباب الكبير لمكتب المدير، طرق أحدهم بخفة، ثم دلفا إلى الداخل.

كان المكتب فخمًا كعادته، جدران مكسوة بخشب داكن مزخرف، وسقف مرتفع تتدلى منه ثريا كريستالية ضخمة، لكن ما شدّ انتباه سيرافين ليس الزينة… بل الوجوه.

كان هناك عدد من الطلاب جالسين بالفعل، كلّهم وجوه معروفة، مميزة.

ليون ثورن

، الشخصية المحورية في الرواية.

زيفان مورسيل

، ولي العهد البارد، يجلس بجانب شقيقته

سيلين

، التي حيّته بابتسامة لطيفة.

كاسي نوفالي

، بعينيها المتعالية كعادتها، و

ميرا كرافت

، ذات النظرات الحادة.

إلى جانبهما، التوأمان

ديلان ودالان

، المتشابهان حدّ الإرباك.

لكن لم ينتهِ الأمر هنا…

جلس هناك أيضًا شاب طويل ضخم البنية، ذا بشرة سمراء وشعر أبيض قصير، كان من الواضح أنه أكبر سنًا من البقية.

كان هذا

نايثان إيفرمور

، ممثل صف النخبة للسنة الثانية، أحد أكثر الطلاب المهابين.

وعلى مقربة منه، وقفت فتاة ذات شعر أسود قصير، طويلة القامة، بنظرات حادة وجسد منتصب كأنها في ساحة معركة —

إيلارا داركفيلد

، ممثلة النخبة للسنة الثالثة.

جلس سيرافين بهدوء في المكان الشاغر، يلاحظ كيف أن الجميع هنا ينتمون للصفوة… العشر الأوائل في التصنيف القتالي العام للأكاديمية.

جلس المدير خلف مكتبه، بجانبه

الأستاذة كاميليا

، التي التزمت الصمت هذه المرة. نظر إليهم جميعًا بعينين جادتين ثم قال بصوت منخفض لكن حاسم:

«كما تعلمون… الطالب

لوسيان ريموند

من السنة الأولى، قد اختفى في ظروف غامضة قبل يومين. لم يغادر بوابة الأكاديمية، ولم يُسجّل أي دخول أو خروج. غرفته كانت مرتبة… لكن لم يُعثر على أي أثر له.»

فتح ملفًا كبيرًا أمامه، وبدأ يقلب بعض الأوراق.

«لوسيان ليس من أبناء العائلات المركزية، لكنه كان طالبًا مميزًا في مادتي التاريخ السحري والتخطيط القتالي. وليس من طبعه الاختفاء أو التورّط في مشاكل. لذلك… بدأنا نشك في احتمال وجود اختراق ما.»

سرت همهمات خافتة بين الحاضرين، لكن المدير رفع يده ليكمل:«أنتم هنا… لأنكم العشر الأوائل في دفعتكم. إلى جانبكم سيكون

إيلارا

و

نايثان

، ستمثلون قوة الأكاديمية في هذه المهمة التحقيقية. أريد منكم التحقيق حول اختفاء لوسيان… جمع الأدلة… ملاحظة التصرفات الغريبة… والاستماع للطلاب.»

أغلق الملف.

«لكن هناك شرط مهم… السرية التامة. لا أحد خارج هذه الغرفة يجب أن يعلم بوجود مهمة أو تحقيق. إذا علمت الأطراف الخطأ، قد نكون قد خسرنا أكثر من طالب.»

ثم نظر إلى كاميليا وأضاف:

«الأستاذة كاميليا ستكون نقطة التواصل بينكم وبيني. سأغادر غدًا إلى العاصمة لتقرير طارئ… لذا، أي شيء تكتشفونه، أخبروها فورًا.»

قدّم لكل واحد منهم نسخة من الملف الأساسي، يحتوي على بيانات الطالب، وآخر تحركاته، وجدوله، وبعض الرسائل الأخيرة التي أرسلها قبل اختفائه.

في تلك اللحظة، نظر سيرافين إلى الوجوه من حوله.

كانوا جميعًا أبطال الرواية… الحاضرون في المشاهد الكبرى، من سيحملون على أكتافهم مجريات القصة.

لكن هذه المرة…

هو معهم.

وهو وحده، من يعرف ما الذي سيأتي بعد ذلك.

**

خرج سيرافين من مكتب المدير بصمت، ملف الطالب لوسيان بين يديه، خطواته هادئة لكن عقله كان يعمل كدوامة… ليس لأنه لا يعرف ما حدث بل لأنه يعرف تمامًا.

في الرواية، اختفاء لوسيان ريموند لم يكن عبثًا.

كان بداية أول قوس مظلم، أول تحرك من الكيان الغامض الذي يعيش في ظلال الأكاديمية…

وكان لوسيان أول ضحية.

«الخطأ الذي ارتكبه لوسيان أنه بدأ يطرح الأسئلة...»

فكر سيرافين، بينما يسير عبر الممرات المظلمة نحو جناحه.

الطالب العامي، الذي كان يرى أكثر مما ينبغي، لاحظ أمورًا لم يكن عليه أن يلاحظها: طلاسم محفورة في أحد جدران الجناح المهجور… اختفاء كتب من مكتبة السجلات السوداء… رسائل مشفّرة في لوحة الإعلانات.

وفي الرواية… لوسيان لم يمت فورًا، بل تم استخدامه كتضحية في طقس سحري أسود لإيقاظ شيء في أعماق الغابة المحرّمة.

"لكن ليس بعد… ليس بعد…" همس سيرافين لنفسه.

عليه أن يتحرك بحذر. أي تصرف سابق لأوانه قد يغيّر مجرى الرواية، وقد يُسرّع الكارثة بدل منعها.

**

وصل جناحه، أغلق الباب خلفه بهدوء، وضع الملف على الطاولة، ثم جلس.

فتح إحدى الخزائن وأخرج منها دفترًا صغيرًا كان يخفيه بعناية.

دفترٌ بدأ يدوّن فيه كل ما يتذكره من الرواية، كل تفصيل، كل حدث مهم، وأسماء الأشخاص المؤثرين الذين لم يظهروا بعد.

قلب الصفحات حتى وصل إلى عنوان كتب بخط واضح:

[قوس الظل الأول – تضحية الغافل]

كتب تحته:

- الضحية: لوسيان ريموند

- الموقع: سرداب خلف الجناح C

- الجاني: عضو مجهول من جماعة "الأنواء السبعة"

- الموعد: بعد 3 أيام من الاختفاء

- الطقس: يستدعي روح ظل من الرتبة S

- العواقب: إغلاق جزء من الأكاديمية

أغلق الدفتر، وسحب نفسًا عميقًا.

«أملك الوقت. إن أنقذت لوسيان… سأكسر أول خيط من خيوط الظلال.»

لكن كان عليه أن ينتبه… أي تدخل مكشوف قد يجعل الجماعة تعرف أنه يعرف.

**

في هذه اللحظة، لم يكن يدرك أن شخصًا كان يتبعه بخطوات صامتة…

شخصًا لاحظ تصرفاته الهادئة أكثر من اللازم، وعيونه التي ترى أكثر مما يجب.

2025/11/23 · 93 مشاهدة · 1153 كلمة
azizahh
نادي الروايات - 2026