الفصل 136
كان ضوءًا أزرقَ يتوهّج كأنّ حشدًا من النجوم قد انبسط في الأرجاء.
كادت عيناي تُسحران أمام وليمة النجوم المتلألئة ببريقٍ ساطعٍ وعميق، الممتدة في البعيد كأنها بلا نهاية.
وعندما انحسر الضوء أخيرًا…
وجدتُ نفسي على شاطئ بحرٍ تتلاطم فوقه أمواجٌ زرقاء داكنة.
اختفى سطح الماء الزمردي الذي كان يتكسّر تحت الضوء ببريقٍ مبهر كليًا، وحلّت مكانه أمواجٌ قاتمة وثقيلة ملأت مدى بصري.
كانت السماء ملبّدةً بسحبٍ سوداء توحي بأن المطر على وشك الهطول، بينما كان الشاطئ مؤلّفًا من صخورٍ حادّة وحجارة متناثرة.
وبدلاً من الرمال البيضاء الناعمة والدافئة، أيقظني ذلك الإحساس الصلب الذي كان يغزّ قدميّ بحدّة.
كان مكانًا غريبًا تمامًا، مختلفًا عن ذلك المكان الهادئ الذي كنت فيه حتى لحظات مضت.
ومع ذلك، راودني شعورٌ غريب بالألفة... وكأنني زرتُ هذا المكان من قبل، ولو في أضغاث أحلامي.
كان هناك رجلٌ يقف على الشاطئ.
كان طويل القامة إلى حدٍّ يجعله ظاهرًا بوضوح حتى من أبعد مكان، وهيئةٌ لا يمكن وصفها بأنها بشرية.
كان ينظر إلى البحر.
ورغم أنه لم يكن يُرى في الأفق سوى الأمواج الهائجة، إلا أنه بدا وكأنه يرى شيئًا ما بوضوحٍ تام.
تناثرت من عينيه الزرقاوين أطيافُ ضياءٍ باهر.
ثم رفع يده ببطء.
وعندها انشقّ البحر.
وشيءٌ ما ظهر... هائلٌ. طاغٍ. مرعبٌ.
هاه؟
انتفضتُ فزعًا وأغمضتُ عينيّ.
وفي اللحظة التي انحجبت فيها رؤيتي، اجتاحني رعبٌ متأخر؛ رعبُ مَن رأى شيئًا لا يُسمح للبشر بالاطلاع عليه.
وفي الظلام الدامس خلف جفنيّ، سمعتُ صرخةً كئيبة أطلقها ذلك الكيان.
كانت بلغةٍ لم أستطع فهمها على الإطلاق.
لكنني، لسببٍ تجهله نفسي، شعرتُ وكأنه كان يتوسّل.
وكأن صوته كان يتوسّل طلبًا للصفح عن خطيئته، ويتضرّع من أجل إنقاذ حياته.
فتحتُ عينيّ بدافعٍ نابع من الفضول والتلقائية.
شعرتُ أن مشهدًا كهذا أستطيع تحمّل رؤيته.
وحينها شاهدتُ كل شيء.
شهدتُ اللحظة التي يُباد فيها كيانٌ سحيق بفعل كارثةٍ أشدّ هولاً.
غطّى سديمٌ كوني البحرَ الأزرق الداكن.
قاوم ذلك الكيان ذو الهيئة الدنسة والكريهة ضوءَ النجوم الذي كان يغمره بيأسٍ وتخبط.
اهتزّ البحر بفعل مقاومته الأخيرة، لكنها كانت بلا جدوى.
فأمام ذاك الوجود... لم يكن البحر بأكمله سوى قطرة ماء.
خمدت حركة الكيان المصبوغ بضوء النجوم الأزرق.
ثم شُفط إلى الفضاء الأسود الذي ظهر في الهواء واختفى داخله.
حدّقتُ في الفضاء الأسود.
كان يحتوي على كونٍ مشحونٍ بالنجوم الباهرة.
لكن حين تتعمّق في جوهره، لم يكن في النهاية سوى فراغٍ عظيم لا وجود فيه لأي شيء.
التأم البحر الذي انشقّ وعاد إلى حالته السابقة، وسرعان ما أخذت أمواجه تتلاطم كما لو أن شيئًا لم يحدث قط.
نظرتُ إلى ذاك الكيان الذي أنجز كل هذا بمفرده.
“…….”
أردتُ أن أناديه باسمه، لكنني لم أستطع.
لأنني لم أكن متأكدةً من أن ذلك الكيان هو حقًّا الوجود الذي أعرفه.
لم أشعر بخوفٍ أو رعب، ربما لأن وجوده قد تجاوز حدود إدراكي العقلي.
ظللتُ أحدّق فيه بلا حراك، وكأن دماغي قد أصابه الشلّل.
استدار نحوي ببطء.
وتلاقت أعيننا.
ثم ناداني بصوتٍ يشبه نغمة كونترباص مضبوطٍ بعناية.
ناداني بصوتٍ رخيم يشبه نغمات آلة الكونترباص الموزونة بعناية.
"غـونبــام."
تمامًا كما كان كبيرا الخدم، الأرنب والقط، يناديانني…
وعندما استمررتُ واقفًا متسمرًا في مكاني، أخذ ينظر إليّ بهدوء.
أطلق زفرةً خفيفة، ثم قال بصرامة كمن يوبّخ طفلاً مشاغبًا.
"عليكَ أن تأتي إلى هنا.”
لم يتبقَّ أمامي سوى الاقتراب منه.
لم تتحرك إرادتي، بل تحرّك جسدي قسرًا وكأن الأمر غريزة بقاءٍ مجردة.
ترنّحتُ في خطاي وأنا أقترب منه، ثم رفعتُ رأسي.
وحتى لحظة التقاء عينيّ بعينيه لم تكن بإرادتي.
“هل تفاجأتَ؟”
كانت نبرته دافئة.
ظلّ يهدّئ من روعي، كما لو كان الوجودَ الذي أعرفه، والذي كنتُ أعتمد عليه في أعماقي.
"أنا آسف. لو علمتُ أنك ستفزع إلى هذا الحد، لما أصدرتُ لك الأمر.”
فتحتُ شفتيّ ببطء شديد.
“سيد دوميـنيك….”
ظننتُ أنه قد لا يجيبني، لكنه ردّ.
“نعم، يا غونبام.”
كانت طريقةً مختلفة قليلًا عن الطريقة التي كان يناديني بها سابقًا.
ظلّ ينظر إليّ من علٍ بوقار وهدوء.
كان ينتظر مني أن أتحدث، لكنني… لم أعرف ماذا ينبغي أن أقول.
تدافعت الأسئلة في ذهني بلا حصر، لكنني لم أستطع إخراج أيٍ منها مجازفةً.
وكلما طالت نظراتنا المتبادلة، شعرتُ وكأن يداً خفية تخنق عنقي ببطء.
وفي اللحظة التي خُيّل إليّ فيها أنني سأختنق من ذلك الإحساس المتزايد بالضغط…
تمكّنتُ بصعوبة من إخراج صوتي.
“هل… عادت إليكَ ذاكرتك؟”
“آه، الذاكرة.”
بدت في عينيه لمحةُ ابتسامة، وكأن سؤالي قد أثار اهتمامه.
انحنى برأسه نحوي، فامتلأ مجال رؤيتي بالكون الأزرق.
“ليس بعد. انظر، ألستُ دوميـنيك؟”
كانت كلماته صحيحة.
فهو ما يزال دوميـنيك.
ابتسم دوميـنيك لي ابتسامةً خفيفة.
“لقد كبرت يا غونبام قليلًا الآن، لذا أظن أنك ستتمكّن من فهم الأمر. أطلقتُ عليه اسم "الذاكرة" بما يتوافق مع المعايير البشرية، لكنه في الحقيقة أقرب إلى شيءٍ آخر.”
وأخذ يشرح لي الأمر خطوةً خطوة.
"إنها استعادةٌ للوجود. فعندما استدعاني غونبام، فقدتُ جزءًا من ذاتي.”
لو قال لي هذا في الماضي لما فهمتُ معناه قط، لكنني الآن أستوعب ما يعنيه.
حين كنتُ ألعب اللعبة سابقًا، قمتُ باستدعائه، واستجاب هو لندائي وأتى إلى عالم كال أوفو.
لكنه كان كيانًا لا يمكن لمجرد <محنة> أن يحتويه.
وحين أُجبر على التوافق مع محددات هذا العالم، فقدَ ذاكرته... أو بالأحرى، فقدَ جزءًا من وجوده.
حرّكتُ شفتيّ متلعثمًا.
“أنا آسف… حقًا…. بسببي….”
“على ماذا؟”
“ما، ما فقدتَه…. لو أنني لم أستدعِك….”
بينما كنت أعتذر متلعثمًا، أطلق دوميـنيك ضحكةً منخفضة.
امتلأ عقلي بصارخ التحذيرات من الخطر الداهم، لكنني لم أستطع إتيان أي حركة.
لم يكن بوسعي سوى التحديق في دوميـنيك، وكأنني مسلوب الإرادة.
في الحقيقة، أنا أيضًا ينتابني الفضول.”
مال دوميـنيك ببدنه نحوي.
وبسبب فارق البنية الجسدية بيننا، لم يمل سوى بجزءٍ بسيط من الجزء العلوي من جسده، ومع ذلك خُيّل إليّ وكأنه ينساب نحوي بالكامل.
"ما كان لأي كائنٍ على الإطلاق أن يجرؤ على استدعائي...”
ثم سألني بنبرةٍ دافئة إلى حدّ الغواية الخادعة.
"فكيف استطاع غونبام استدعائي؟"
رمشتُ بعينين شاردتين، وتحرك لساني تلقائيًا ليجيبه.
“أنا أيضًا… لا أعرف جيدًا….”
لو كان هناك شيءٌ أعرفه لأفصحتُ عنه لدومينيك دون تردد، لكنني بحق لا أعرف.
أن يُحتبس كيانٌ بهذه العظمة داخل محنة فقط لأنني لعبتُ لعبة... كيف لشيءٍ كهذا أن يحدث؟ كنتُ أنا نفسي أتمنى معرفة السبب.
تفحّصني دومينيك بعناية، فوجدتُ نفسي أُكادُ أُجبر على النظر المباشر في حدقتيه.
عينان زرقاوان تسبح فيهما المجرات والنجوم.
كانتا تشبهان عمق الكون السحيق؛ كلما أطلتُ النظر فيها غرقْتُ في أطرافها دون سبيلٍ للخروج.
كاد الفراغ اللانهائي يخنق أنفاسي….
وبعد أمدٍ طائل، أزاح دومينيـك نظره عني أخيرًا.
أخذ ينظر إليّ بشغف واهتمام وأنا ألهث كمن غُرِق في خضمّ المياه العميقة ثم أُخرج منها بالرمق الأخير.
"إن الشعور بالفضول لأمرٌ ممتعٌ بحق."
“…….”
“ربما عندما يكبر غونبام أكثر قليلًا، سيتمكن من معرفة السبب.”
ثم أبعد خصلات شعري المبللة بالعرق البارد. ثم طمأنني بأنه لا داعي للقلق بشأن استعادة وجوده، فهذا أمرٌ حتميٌّ سيقع في نهاية المطاف على أي حال.
ثم قال لي شيئًا آخر.
"والآن يا غونبام، ثمة أمرٌ أكثر أهمية من هذه التفاصيل الصغيرة.”
ارتسمت على شفتي دوميـنيك ابتسامةٌ ماكرة، ثم سألني.
"هل كان ■■■ مناسبًا للّعب به؟ لم أستطع البقاء بجانبك لأنني انشغلتُ بتقطيعه إلى أجزاءٍ صغيرة بحيث يكون من السهل على غونبام التعامل معه."
أكان هذا مجرد "أجزاء صغيرة"؟
ذلك الشيء الذي قلب العالم رأسًا على عقب، وأذاب جميع الكائِـنات وابتلعها، وأغرقها في الأوهام؟
"آه، ما تعاملتُ معه للتو كان ما تبقّى من ■■■. وبفضله، تمكّنتُ أنا أيضًا من استعادة بعض ما فقدته."
وأكمل موضحًا أنه لو احتكّ بكيانٍ أكبر لاستعاد جزءًا أكبر مما فقده، لكن هذا القدر ليس سيئًا.
كما لم يغفل عن مدحي، قائلًا إن القضاء على أجزاء من ■■■ يُعد إنجازًا عظيماً بالنسبة لحاكم صغير مثلي.
كان شرحه لي لطيفًا، وكأنه تعمّد أن يجعله في مستوى فهمي.
وحين لم أُبْدِ ردة فعل، وضع يده برفق على كتفي.
“غونبــام.”
انتفضتُ ونفضتُ يده عني فورًا.
وتراجعتُ إلى الخلف، وأنا أحدّق في دوميـنيك بعينين تملؤهما الحيطة والحذر.
"ما الذي فعلتَه للتو؟"
لقد شعرتُ بنفس الشعور الذي انتابني حين حاول ■■■ التسلل إلى عقلي.
أجابني دومينيك بصوتٍ لطيف محاولاً بث الأمان.
“لم أفعل سوى محاولة إرخاء توترك.”
"أنا بخير، لذا أودّ أن نتحدث هكذا فقط دون أن تلمسني.”
لم أشعر بالخوف إلا بعد أن قلتها.
خشيتُ أن أكون قد تجاوزتُ حدودي وتصرّفتُ بوقاحة شديدة، لكن دوميـنيك، على نحوٍ غريب، بدا مستمتعًا بالأمر.
"حسناً يا غونبام، لن ألمسك.”
وعدني بذلك بكل سهولة وابتسم، ثم استقرت عيناه الزرقاوان عليّ مجددًا.
كانت تلك نظرة أمرٍ صامتٍ بالاقتراب منه مجددًا.
أردتُ الهرب بعيدًا، لكن لم يكن هناك أي مفر، وكنت أعلم أن الفرار لن يحلّ شيئًا.
ضغطتُ على أسناني، ثم اقتربتُ من دوميـنيك بخطواتٍ حذرة.
فثنى ركبتيه وجلس، ثم جعل مستوى نظره قريبًا من مستوى نظري، ومدّ نحوي شيئًا.
كانت كرةً بحجم حبّة الحلوى، تفيض بمظهرٍ بريء للغاية.
لكن ما إن وقع بصري على لونها الأخضر المتوهج النيون، حتى تخيلتُ أنها تشبه مقلة عين كائنٍ ما.
“لأنك واجهتَ صعوبةً في تناوله من قبل، حاولتُ هذه المرة أن أصنعه بطريقةٍ مختلفة قليلًا.”
ظللتُ أحدّق طويلًا في الكرة المستديرة، ثم أدركتُ الحقيقة أخيرًا.
“…سيد دوميـنيك.”
ثم سألته.
“هل أكلتُ قلب إنفيرنوم ومقلتي عينيه؟”
“نعم.”
أجابني فورًا، من دون حتى أن يحاول إنكار الأمر، فشعرتُ بأن قوتي قد خارت.
بعد سلوتوبل، عانيتُ من حمى وحرارةٍ شديدة.
كنت أشعر بالحرارة عادةً كلما تغير لون عينيّ، لكن هذه المرة كانت مختلفة تمامًا؛ كانت نارًا تحرقني من جذوري العمياء.
وتحت تأثير تلك الحرارة، أقدمتُ على أفكارٍ وتصرفاتٍ وحشية.
تذكرتُ الفترة التي اجتاحتني فيها تلك النار كحاكم صغير؛ لم يكن يشغل ذهني سوى إحراق الخصم، مما جعلني أبتكر قدراتٍ أشبه بالعقاب.
بل إنني تجاهلتُ تحذيرات شاشة النظام.
كنتُ في حالةٍ غير عقلانية تمامًا.
واستنتجتُ أن السبب كان حرارة اللهب التي لا يُمكن لجسدي تحمّلها نتيجة التغذي على أجزاء إنفيرنوم.
والآن، إن أكلتُ هذه الحبة التي يقدّمها لي دومينيك - والتي صُنِعت أغلب الظن من بقايا ■■■ - فما الذي سيحدث لي؟
لم أشعر بأن شيئًا جيدًا سيحدث على الأرجح.
وفي الوقت نفسه، راودني سؤال جوهري.
ما الذي يريد دومينيك الوصول إليه؟
لقد جعلني آكل إنفيرنوم، وهذه المرة كان يبذل جهدًا خاصًا لإعداد ■■■ لي، بل وحتى تهذيبه وتجهيزه قبل أن يطعمني إياه.
كان من الواضح جدًا أن دوميـنيك يكنّ لي الودّ؛ لقد أراد أن يجعلني أنمو وأقوى بوصفي حاكمًا.
لكن لماذا؟
لأنني حاكم صغير ومتعاقدٌ معه؟ أم لأنه يريد إشباع فضوله؟
تزاحمت الأفكارٌ في عقلي، لكن لا شيء منها بدا الإجابة الصحيحة.
اخترتُ كلماتي بحذرٍ شديد، محاولًا أن أقول شيئًا لا يسيء إلى دوميـنيك قدر الإمكان.
"سيد دوميـنيك…. أقدّر اهتمامك العظيم، لكنني بخير هذه المرة ولستُ بحاجةٍ إليها."
لقد كدتُ أفقد صوابي بسبب لهب إنفيرنوم، ولذلك شعرتُ أنه لا ينبغي لي أن أتقبّل شيئًا جديدًا آخر هنا.
اتّسعت عينا دوميـنيك قليلًا، وكأنه تفاجأ برفضي.
“لن يؤلمك. ألم نتعاهد على ذلك؟”
لم أتذكر أنني تعاهدتُ معه على شيءٍ كهذا.
فأجبته، بعدما ظنّ أنني أرفض تناوله بسبب الألم.
"بل لأنني أشعر أنني سأصبح شخصًا آخر غريبًا إن أكلتُها.”
“هكذا إذن.”
خفض دوميـنيك نظره للحظة، وأخذ يدحرج الكرة ذهابًا وإيابًا فوق كفّه.
بدت الكرة صغيرةً جدًا وهي موضوعة في يده الكبيرة.
“غونبام.”
“…نعم.”
“لقد أُصبتَ بجروحٍ كثيرة.”
“…….”
عضضتُ على شفتي أمام نبرته المفصّلة العاتبة وكأنها توبيخٌ لي.
كنتُ أشعر بذلك إلى حدٍّ ما أيضًا، فالألم ما زال مستمرًا حتى الآن.
وحين لم أُجبه، أغمض دوميـنيك عينيه ببطء ثم فتحهما.
أخذ بيدي ووضع الحبة في راحة كفّي، ثم طوق يدي بيديه والحبة بينهما وقال.
"انظر، ستتمكن يا غونبام من رؤية الأمر بنفسك الآن.”
أفهم ما يعنيه، وبينما كنتُ حائرًا، انتابتني صدمةٌ جعلت شعر جسدي يقف من شدة القشعريرة.
لأنني أصبحتُ قادرًا على رؤية ما بالداخل... داخل جسدي.
وسقطت كلماتي المرتبكة متلعثمةً.
“ما…ما هذا….”
كانت هناك خطوطٌ ذهبية متشابكة ترسم جسدي بأكمله بشكلٍ فوضوي.
بدت تلك الخطوط غير المنتظمة هشّةً ومحفوفةً بالخطر، وكأنها تماسكٌ مؤقت لجسدٍ تحطّم إلى شظايا متناثرة.
وكأن أدنى لمسةٍ عليها ستجعلها تتناثر مجددًا إلى قطعٍ متناثرة.
"كان الأمر على هذا الحال منذ المرة الأولى التي تفحّصتُ فيها غونبام، والوضع يزداد سوءًا. ولا بد أن استخدامك لقدرتك هذه المرة قد ألحق أضرارًا بالغةً بداخل جسدك أيضًا…. دعني أتحقق للحظة."
"…..!"
مدّ يده الأخرى نحوي، فأطلقتُ صرخة.
لا أريـد! هذا يؤلمني!
غاصت يده في صدري وأخذت تتحسّس قلبي. كانت حركاته، وكأنه يتحقق من شيءٍ ما، خشنةً إلى حدٍّ ما.
حاولتُ المقاومة بكل ما أوتيتُ من قوة، محاولًا الإفلات منه بأي طريقة، لكن قبضة يده المقفلة على يدي منعتني من الفرار.
قطّب دومينيك حاجبيه وهو يراني أتلوى ألمًا، لكنه لم يوقف يده.
“كما توقعت… كيف تضرّر إلى هذا الحد.”
وأخذ يفتّش في داخلي، مظهرًا انزعاجًا واضحًا.
توقّف!
ظلّ صوته الخفيض يتردد في أذني مرارًا.
لقد ارتكبتَ حماقةً كبيرة. لماذا اخترتَ الإحياء؟ لقد جعلتَ وضعك أكثر خطورة بكثير.”
قبضت يده الكبيرة على قلبي.
دق، دق.
شعرتُ بوضوح بنبضه وهو ينبض داخل قبضته.
ثم قال دوميـنيك بنبرةٍ حازمة، كما لو أنه يُصدر حكمًا نهائيًا.
“إذا استمررتَ على هذه الحال، فسوف يفنى غونبام كليـًا.”