بستان التوت الأسود
قبل 5 سنوات
تتنائر قطرات المطر بهدوء ورقة، وكأنها تهمس في أذن (أوليفر)
الصغير الذي أشرق وجهه الوسيم وهو يشاهد الأمواج وهي تنساب من بين يدي البحر من بعيد في صمت تام. بعد قليل توقف المطر كما بدأ،
وانقشعت الغيوم، وبزغ ضوء الشمس الذهبي الذي يميل بدلال فيداعب ذلك البستان المليء بالورود وأشجار التوت الأسود. وقف (أوليفر)
الصغير يجمع في سلته بعض التوت الأسود، ويستنشق نسمات الهواء البارد التى جعلت أغصان الأشجار تتراقص من حوله، وفوق رأسه بدأت العصافير و البلابل تشدو وتغرد مترنمة بأعذب الألحان.
تناهى إلى سمعه صوت أنثوي ناعم، التفت نحو مصدر الصوت، فرأى فتاة صغيرة تركض خلف الأرانب تلعب معهم، ترتدي فستانا جميلا ويتدلى من رقبتها قلادة ذهبية، كانت تبدو كالملاك المولود توا بشعرها البنى الناعم المنسدل على كتفها، وخدودها الوردية، وتلك النظرة الساحرة التي تطل من عينيها. تحرك (أوليفر) نحوها كأنه تحت تأثير تنويم مغناطيسي، لم تشعر الفتاة بوقوفة خلفها، فقال بصوت خافت:
- المعذرة.
انتفضت الفتاة بشدة وشعرت بالخوف، وحاولت الركض، ولكنها سرعان ما تعثرت قدمها بجذع شجرة فسقطت للأمام بالحركة البطيئة ثم سقطت بين ركام كثيف من اوراق الأشجار، حاولت الفتاة أن تنهض غر عابئة بالدماء التي نزفت من قدمها، ولكنها لم تستطع أن تتحرك من مكانها، فغطت وجهها بكفيها وبدأت بالبكاء ثم الصراخ، فقال
(أوليفر) متلعثما:
أنا أسف لم أقصد إفزاعك.. هل أنت بخير؟
لم ترد الفتاة وظت محدقا فى (أوليفر) بتربص، وكأنها تخشى أن ينقض عليها فجأة،
فأردفت (أوليفر) قائلا:
- انتظري هنا سوف أعود ومعي طبيب
سرت طمأنينة في نفس الفتاة الصغيرة وهزت رأسها ببطء إيجابا،
مرت دقائق قليلة، ولكنها مرت على الفتاة وكأنها ساعات. أخيرا عاد (أوليفر) الصغير ومعه الطبيب الذى فوجى حين رأى الفتاة، فقال لها متسائلا.
- هل أنت فيوليت ابنه الملك؟
لم ترد (فيوليت) ولكن هزت رأسها إيجابا وهى تطرق إلى الأرض،
فاتسعت حدقة عين (أوليفر) في دهشة، فهو لم يكن يعرف أنها ابنة الملك، قام الطبيب بمعالجة (فيوليت)، ثم حملها على ظهره ليعيدها للقصر، فقال (أوليفر) هامسا:
- لنتقابل غدا هنا
وفعلا في مساء اليوم التالي تلاقي الأثنين في بستان التوت الأسود،
وبدأت (فيوليت) تتحدث عن أبيها، وعن القصر و الضجر الشديد التي تشعر به هناك، وبدأ (أوليفر) يحكي بنبرة يشوبها الحنين عن والده الجندي الذي ضحى بحياته من أجل هذه البـلاد، وقال وقد أضاءت عيناه.
- سوف أصبح جندي شجاع مثل أبي.
سريعا ما تطورت العلاقة بينهما، لدرجة أنهما أصبحا يدمنان كل منهما الآخر، يشعران معا الشعور ذاته، يتفوهان بنفس الكلمة فى نفس الوقت،
لقد امتزجت روحاهما في روح واحدة، فأصبح لا يمر يوم دون أن يتقابلا سرا في البستان تحت ضوء القمر.
الوقت الحاظر
مرت ساعات على (فيوليت) وهى تجلس تحت شجرة التوت الأسود،
حيث الطيور تعزف ألحان المساء، والسماء ما زالت صافية لا تعكرها الغيوم، وكان القمر خلابا، وكان لضوئه سحر مميز تلك الليلة.
شعرت (فيوليت) أن (أوليفر) لن يأتي، لذا قررت العودة إلى القصر، ولكن قبل أن تهم بالرحيل وجدته أمامها، فصرخت في وجهه قائلة:
- ما الذي أخرك كل هذا الوقت؟
أسف يا حبيبتي كان هناك أمر على إنجازه. ابتسمت (فيوليت) واحمرت وجنتاها خجلا، ونظرت في عينيه، وقالت:
- حسنا سوف اسامحك هذه المرة فقط.
- شكرا لكي سيدتي الجميلة.
ظت نسمات الهواء العليل تداعب شعر (فيوليت)، وهى تتحدث إلى (أوليفر) الذى ظل صامتا يتأمل ملامحها الملائكية، ويتذكر المرة الأولى
التي قابلها فيها.
- أوليفر هل أنت معي؟ دائما معك يا فيوليت.
أحمرة وجنتي (فيوليت) من جديد، وقالت:
- أوليفر يجب أن نخبر أبي.
- أنا أريد ذلك يا فيوليت، ولكن أخاف أن يرفض الملك فأفقدك للأبد
- لماذا يا أوليفر؟ انت لم تعد مجرد جندي أنت الآن قائد الجنود.
- فيوليت الملك سوف يرفض لن الأميرة يجب أن أميرا او دوق هذا هو العرف السائد.
أخرجت (أوليفر) زفير حانق، وأردف:
- تبا للأعراف والقوانين.
ذمة (فيوليت) شفتيها، وقالت:
- من تردد في ا لطلب أعان غيره على الرفض.
حك (أوليفر) شعره الفاحم الطويل المنسدل على كتفيه، وقال:
- لناجل الأمر قليلا يا عزيزتي.
فجأة بدا أن (فيوليت) فقدت السيطرة على دموعها فبدأت بالبكاء وارتجفت شفتاها بنفس الطريقة التي كانت تفعلها عندما كانت طفلة،
وقالت بصوت باكي:
- أنت لا تحبني.
- فيوليت أنا أحبك أكثر من أي شيئ .
-اذا لماذا تترد في طلب يدي من ابي
صمت أوليفر قليلا، ونظر في عينيها الزرقاء التي تشبه السماء الصافية،
وقال:
- لا تبكي يا فيوليت سوف أذهب غدأ إلى الملك وأخبره سيدي أريد أن أتزوج الأميرة فيوليت.
ابتسمت (فيوليت) وتأملت ملامحه الوسيمة، كم تمنت أن يبقى إلى جوارها مدى الحياة، وكم تمنت أيضا أن لا يأتي النهار، لأن الليل أنشودة محببة اليها، فهدوء الليل ينشر المشاعر ويحى القلوب.
====================
اتمنى ان اعرف رأيكم في الرواية