الفصل الثالث مئة والحادي والأربعون: عودة الآلهة والشياطين، وإعادة رسم خريطة القوى
____________________________________________
في تلك اللحظة عينها، وفي وادي أزهار الخوخ البعيد عن نطاق جبل آلهة الأشباح، جلس سيد مدينة الفوضى متربعًا في هدوء تحت شلال النبع الصافي، وقد ارتدى رداءً طويلًا فضفاضًا، بينما كان يُفعِّل قدراته الإلهية في محاولة يائسة لتحديد مكان يي يو رو، لكن قوةً غامضة كانت تعترض سبيله على الدوام.
همس لنفسه بصوت خفيض وعيناه تومضان ببريق باهت، متسائلاً: "أين أنتِ يا تُرى؟"
كانت قارة البرية البدائية شاسعةً لا حدود لها، وبقوة إله عتيق قد بلغ العالم الخامس عشر، كان من اليسير عليه أن يختبئ في أي ركن من أركانها دون أن يعثر عليه أحد. لكنه قد غرس في جسد يي يو رو فنًا للتتبع يتجاوز عوالم التناسخ، بحيث يستطيع ملاحقتها أينما حلت وارتحلت.
لكن الغريب في الأمر، أنه منذ ظهورها في النطاق الإلهي للغراب الذهبي، فقدَ القدرة على استشعار أثرها، وكأن المكان الذي لجأت إليه محصن بحاجز طبيعي منيع، وكان ذلك الحاجز هو نقطة الضعف الوحيدة في فن التتبع الذي يتقنه.
ومضت ستة أشهر وهو يحاول عبثًا تفعيل فنه دون أن يجد لها أثرًا، مما أثار في نفسه شعورًا متزايدًا بنفاد الصبر. وفيما هو مستغرق في محاولاته، تلبدت سماء الأراضي الحدودية لقارة البرية البدائية بغيوم سوداء كثيفة، حاملة معها رعودًا مكتومة، وقوة ظلامية قادرة على إفساد كل شيء وابتلاع كل كائن حي.
وفي طرفة عين، كانت تلك الغيوم قد وصلت إلى مشارف وادي أزهار الخوخ. رفع سيد مدينة الفوضى رأسه بهدوء، وألقى نظرة على الأراضي المحيطة به، فرأى سائر الآلهة والشياطين في حالة استنفار قصوى، كأن عدوًا عظيمًا قد أقبل عليهم، وقد أطلقوا وعيهم الإلهي العتيق في محاولة يائسة لكشف مصدر تلك القوة المظلمة.
وما إن رأوا ما رأوا، حتى تغيرت سحناتهم على الفور، واعتراهم ذعرٌ لا يوصف، فسحبوا وعيهم الإلهي في الحال، وارتجفوا خوفًا ورعبًا.
هرع إله جبل إلى الكوخ الذي يقيم فيه سيد مدينة الفوضى، وصاح في فزعٍ شديد: "سيدي الخالد! لقد عاد الآلهة والشياطين! لقد عادوا!"
كان وجهه شاحبًا، وقد أحس بضغط هائل مصدره تلك الغيوم السوداء المتدافعة في السماء، والتي رأى من خلالها أعدادًا لا تحصى من الآلهة والشياطين، وكل واحد منهم يبدو كإله شرس الملامح، يرتدي درعًا قتاليًا أسود، وتتدفق من حوله قوة إلهية عتيقة، تعلن عن عودة السلطة التي حكمت قارة البرية البدائية في عصور سحيقة.
كانت الأنباء عن عودة الآلهة والشياطين قد انتشرت في القارة منذ زمن، حتى إن سيد الغراب الذهبي الإلهي، جون شي تيان، قد دعا الآلهة العتيقة إلى اجتماع لمناقشة هذا الأمر الخطير. لكن لم يتوقع أحد أن عودتهم لن تستغرق آلاف السنين، بل ستة أشهر فقط!
قال سيد مدينة الفوضى بابتسامة خفيفة: "لا داعي للهلع." ثم ألقى نظرة خاطفة على الغيوم السوداء، وعاد إلى تفعيل فنه الإلهي باحثًا عن أثر يي يو رو.
"سيدي الخالد، إنهم آلهة شرسة لا ترحم، يلتهمون كل كائن حي في طريقهم، وها هم قد اقتربوا من وادي أزهار الخوخ، نرجوك أن تتخذ قرارًا حاسمًا!" صاح إله الجبل الذي كان قد بلغ مرتبة سادة البراري العظام، وكان من أخلص أتباع سيد مدينة الفوضى، ولولا إيمانه بقدرته الهائلة، لكان قد فر هاربًا مع أول ظهور للغيوم السوداء.
رد سيد مدينة الفوضى بهدوء تام: "حقًا؟"
وظل على حاله من السكينة حتى تدفقت الغيوم السوداء وغطت أركان السماء، فأغرقت وادي أزهار الخوخ في ظلام دامس. ارتجفت الآلهة خوفًا، واعتراهم الرعب، فاختبأ كل منهم في أرضه لا يجرؤ على الظهور.
وفي تلك اللحظة، رأى إله الجبل قائدًا من قادة الآلهة والشياطين، يرتدي درعًا أسود، وتنبثق منه هالة مرعبة قادرة على امتصاص كل ضوء في السماء، يتقدم بخطى ثابتة ووجه بارد الملامح، وكانت قوته القاهرة قد بلغت العالم الثالث عشر!
صاح إله الجبل في هلع وقد توقفت أنفاسه: "سيدي الخالد، لقد وصل!" وشعر أن قوته الإلهية قد تجمدت تحت وطأة تلك الهيبة الساحقة، فلم يعد قادرًا على حراك.
أخيرًا، توقف سيد مدينة الفوضى عن تفعيل فنه، ورفع رأسه لينظر إلى قائد الآلهة والشياطين، ثم قال بصوت أجش فيه احترام ووقار: "سيدي الإله الشيطاني."
وانحنى له في إجلال، ثم جثا على ركبة واحدة. كان المشهد كالصاعقة التي ضربت إله الجبل، فتجمد في مكانه، واتسعت عيناه ذهولاً.
'إله شيطاني؟'
وفي كل أرجاء وادي أزهار الخوخ، أصيبت الآلهة والشياطين والمخلوقات التي آمنت بسيد مدينة الفوضى بصدمة قلبت كيانها، وهزّتهم تلك الواقعة التي قلبت كل مفاهيمهم، حتى فقدوا القدرة على التفكير. فسيدهم الخالد، الذي هبط عليهم قبل مئة ألف عام، كان في نظرهم إلهًا لأزهار الخوخ، وقد نشر بينهم العلم والمعرفة، وأزال عنهم غياهب الجهل، ورعى الآلهة الصغار حتى اشتد عودهم، فكانت مآثره لا تُحصى.
فكيف له الآن أن يركع بهذا الخضوع؟
قال القائد الشيطاني بصوت مهيب: "انهض."
فأجابه سيد مدينة الفوضى بهدوء: "هل كل شيء جاهز؟"
رد القائد الشيطاني بنظرة إجلال: "كل شيء على أتم الاستعداد. لقد أتيت على رأس طليعة الجيش بأمر من السلف الشيطاني، وستصل الوحوش العشرة والقوات الرئيسية في غضون مئة عام."
أومأ سيد مدينة الفوضى برأسه موافقًا، ثم التفت لينظر إلى إله الجبل الواقف بجانبه، وإلى سائر آلهة وادي أزهار الخوخ، وقال ببرود: "كم هذا باعثٌ على الملل."
قبل ثلاث مئة ألف عام، تجسد في عالم الآلهة والشياطين. وقبل مئتي ألف عام، أصبح إلهًا شيطانيًا جديدًا. وقبل مئة ألف عام، هبط إلى هذه الأرض بهيئة إله لأزهار الخوخ، ليراقب صعود وهبوط آلهة قارة البرية البدائية، ويتأمل دروب تدريبهم، ويرى ما إذا كانت تختلف عن دروب عشيرته.
واليوم، بعد مئة ألف عام، لم يجد فيهم إلا التوافه. فسواء كانوا آلهة جبال، أو آلهة أنهار، أو حتى ما يسمى بإله النار اللامتناهية وأم الأرض الحرجية، لم يكن أي منهم يضاهي عرق الآلهة والشياطين، الذين يولدون بقوة إلهية سامية لا مثيل لها.
نظر القائد الشيطاني إلى إله الجبل الذي تصلبت أطرافه وشحب لونه، وقال بنبرة طامعة: "سيدي الإله الشيطاني، وماذا عن آلهة هذا المكان..."
أجاب سيد مدينة الفوضى بلامبالاة: "افعلوا ما شئتم."
"لا... لا تفعلوا!"
وفي لحظة، تدفقت من الغيوم السوداء أطياف لا حصر لها، كأنها مطر أسود يهطل من السماء، واجتاحت وادي أزهار الخوخ، فدوت صرخات المخلوقات في كل مكان. تلاشت أجسادهم، وانطفأ جوهرهم الإلهي، وبدأت مذبحة مروعة لنهب قواهم الإلهية.
وفي مكان بعيد، في منطقة البرية العتيقة المحرمة، كانت إلهة الصفصاف غارقة في تأمل صامت، لكنها شعرت بشيء ما، ففتحت عينيها في حيرة، ونظرت نحو الأراضي الحدودية لقارة البرية البدائية، حيث كانت هالة خفية من الآلهة والشياطين تملأ أركان السماء.
قالت وهي تقطب حاجبيها: "هل أتوا بهذه السرعة؟" وفي تلك اللحظة، استيقظت إرادة إله بو لاو، وبدا على وجهه أثر الصدمة.
وامتد هذا الشعور إلى جبل بوتشو، ونطاق النار اللامتناهي، وأراضي البحار الأربعة، حيث شعر جميع الآلهة العتيقة بقوة شريرة قصوى قد ظهرت في الأراضي الحدودية، فجأة ودون سابق إنذار.
أما في النطاق الإلهي للغراب الذهبي، داخل الشمس الأولى، كان جون شي تيان قد أذاب جليد يي يو رو تقريبًا، وعندما شعر بهالة الآلهة والشياطين، لم يبدُ عليه أي قلق أو مفاجأة، بل ظهرت على وجهه نظرة ترقب طال انتظارها.
همس لنفسه قائلاً: "أخيرًا قد أتوا. لقد استمر نظام الآلهة في قارة البرية البدائية لما يقرب من خمس مئة ألف عام، وآن الأوان لإعادة رسم خريطة القوى، فالآلهة العتيقة الذين بلغوا العالم الخامس عشر قد أصبحوا أكثر من اللازم حقًا."
ولم يعد يلقي بالاً لمقتل ابني الشمس على يد نينغ تشينغ شوان، وكأنه يرى القارة كلها قد أصبحت في قبضته