الفصل الستمئة وأربعة عشر: ولوج المحيط
____________________________________________
مضى شهرٌ كاملٌ و'غو شانغ' لا يزال يجوب المناطق الخمس الكبرى، ملتهمًا ما فيها من مخلوقات شتى. كانت غايته من ذلك واضحة وبسيطة، وهي أن يرتقي بنفسه في كل جانب ويجمع أكبر قدر ممكن من قيمة التطور، ولذلك كانت أفعاله غاشمة إلى أبعد حد.
فلم يضع في حسبانه مستقبل تلك المناطق على الإطلاق، إذ كان كل كائن حي تقع عليه عيناه يبتلعه على الفور، محولًا إياه إلى مورد من موارده الخاصة. وفي ظل هذا الافتراس المحموم، تصاعدت قيمة تطوره بسرعة هائلة بطبيعة الحال، لكن في المقابل، فرّت معظم الكائنات الحية مهددة بحياته، هاربة في كل اتجاه.
بل إن بعض المخلوقات التي لا تستطيع بيئة نموها أن تفارق هذه الغابة، أُرغمت على الاندفاع نحو المجهول بحثًا عن الأمان. وبعد مطاردة 'غو شانغ' لها طوال شهر كامل، باتت أعداد الكائنات في المناطق الخمس قليلة جدًا، ولم يتبق سوى بضعة مخلوقات ضئيلة لا تملك قدرة كبيرة على الهرب.
وفي المقابل، تراكم إجمالي قيمة تطوره ليصل إلى نسبة مرعبة بلغت ثمانية آلاف بالمئة، ولو أراد، لأمكنه أن يتطور ثمانين مرة دفعة واحدة. وخلال تلك الفترة من الاستكشاف، استطاع أيضًا أن يفهم الصورة العامة لهذا العالم من خلال استنتاجاته الخاصة.
فقد حاول ذات مرة أن يحلق بأقصى ما أوتي من قوة نحو السماء، وعندما ألقى نظرة من ذلك العلو الشاهق، اكتشف أن خارج المناطق الخمس تضاريس قاسية لا تصلح للحياة. فإلى الشمال، تمتد صحراء ذهبية لا نهاية لها، وإلى الجنوب، يترامى محيط أزرق سحيق لا يُعرف له عمق أو قرار.
ومن منظور ثالث، بدت هذه اليابسة هي المكان الوحيد الملائم لتطور الكائنات الحية على المدى الطويل. أما فيما يتعلق بقوة تلك الحيوانات، فقد استنتج جزءًا منها من خلال الإشارات التي كانت تظهر في ذهنه من النظام. فلو سارت الأمور على طبيعتها، لكان مستوى هذا العالم يُحتسب ببضع نجوم، لكن هذا الاستنتاج لم يكن قاطعًا.
ففي نهاية المطاف، لقد تطور هو مرات عديدة دفعة واحدة ليتحول مباشرة إلى زاحف مجنح مظلم من فئة السبعة عشر نجمة. ومن السذاجة الاعتقاد بأن المرء يستطيع الارتقاء إلى مستوى أعلى بمجرد تطور واحد، بيد أن هذا الافتراض ليس مستحيلًا تمامًا، فلكي يصل إلى هذا العالم، استهلك ما يزيد على عشرين ألف وحدة من قوة الأصل، ومن الطبيعي أن تكون قدراته الفريدة التي استمدها من ذلك مميزة للغاية.
وبعد أن تيقن تمامًا من خلو محيطه من أي كائن حي يمكنه التهامه، قرر 'غو شانغ' بعد فترة من الحيرة أن يتجه نحو البحر السحيق جنوبًا. فعلى كل حال، يزخر المحيط بمخلوقات وفيرة للغاية، أكثر عددًا بالتأكيد مما في الصحراء، وهناك، سيجد فرصة أفضل للتطور ومصدرًا أغنى للحم والدم.
وبثمانين فرصة تطور كامنة في جعبته، صفّق 'غو شانغ' بجناحيه وغادر الغابة الشاسعة. ولو لم يطرأ أي طارئ، فإن بعض المخلوقات ستعود أدراجها تباعًا بعد رحيله، لتواصل تطورها هنا. وربما لو انتظر قليلًا، لَعاد المكان إلى الازدهار الذي كان عليه حين وصل، فهكذا هي الطبيعة، تدور في حلقة متصلة لا تنتهي.
كان المحيط الأزرق يموج بأمواج متلاطمة. أخذ 'غو شانغ' يرفرف بجناحيه في الجو وهو يراقب المشهد بعناية، وقد حجب حجمه الهائل ضوء الشمس فوق رأسه، غارقًا المخلوقات تحته في مساحات شاسعة من الظلمة. وفي الوقت نفسه، أرعبت الهالة القوية المنبعثة من جسده معظم كائنات المحيط حتى الموت، ولم يجرؤ سوى عدد قليل من صغار الأسماك والقريدس على الخروج من الماء.
لكن المفاجآت تحدث دائمًا، فقد أطلّت بعض المخلوقات برؤوسها من الماء بدافع الفضول. وبالطبع، لم يكن 'غو شانغ' ليدع هذا اللحم والدم يفلت من بين يديه، فرغم صغر حجمها، إلا أنها كانت مصدرًا حقيقيًا للدم. لم يكن عليه سوى أن يفتح فاهه الكبير ويأخذ نفسًا لطيفًا، لتدخل تلك الأسماك الصغيرة والقريدس التي ظهرت على السطح إلى جوفه مباشرة، فقد كانت هذه المخلوقات أضعف من أن تستدعي استيعاب دمائها على هذا النحو.
واصل 'غو شانغ' مراقبته وهو يحلق، وبعد أن بلغ حافة المحيط، اكتشف أن مساحته أوسع بكثير من اليابسة التي كان عليها من قبل. لقد حلق بكامل قوته نصف يوم، ولكنه لم يتمكن من رؤية حافته بعد، وبعد أن أدرك ذلك، بدأ يفكر فيما إذا كان عليه استيعاب سلالة دموية تمكّنه من إطلاق العنان لقدرته القتالية الكاملة تحت الماء.
استمر التحليق يومين كاملين، لم يرَ 'غو شانغ' خلالهما أي مخلوق أقوى منه يخرج من الماء. كان هذان اليومان هما الفترة التي حصد فيها أقل قدر من نقاط التطور في الآونة الأخيرة، إذ لم تتجاوز النسبة خمسة بالمئة. ففي النهاية، معظم الكائنات تعتز بحياتها، وليس هناك الكثير من الحمقى الذين يأتون ليلاقوا حتفهم.
وبعد يومين من الطيران المتواصل، شعر ببعض الإرهاق أيضًا. وبعد تفكير وجيز، انقضَّ 'غو شانغ' غوصًا، ساقطًا مباشرة في المحيط أسفله. أحدث جسده الضخم موجة عاتية، فقذفت بعض المخلوقات التي كانت تجوب سطح البحر عاليًا، لتنجرف مع التيار بلا حول ولا قوة.
وما إن تأقلم 'غو شانغ' مع الوضع الجديد، حتى تمكن من السباحة بسرعة في مياه البحر. وبفضل جسده الجبار، كانت سرعته تفوق سرعة كائنات البحر العادية بمراحل، لكنه بسبب العوامل البيئية تحت الماء، لم يتمكن قط من إطلاق كامل قدرته القتالية. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن جسده مهيئًا للعيش في الماء لفترة طويلة، فسعة رئتيه محدودة، وكان عليه أن يخرج من البحر بين الحين والآخر ليمتص ما يكفيه من الأكسجين مجددًا.
ورغم ذلك، كان هذا النوع من الغوص طويل الأمد، فلو لم يقم بأي نشاط مجهد، لاستطاع أن يبقى تحت الماء لمدة شهر كامل. وبعد وصوله إلى ما تحت الماء، رأى 'غو شانغ' أعدادًا متزايدة من المخلوقات، وحينها فقط أدرك أن معظمها تنشط في الطبقتين الوسطى والسفلى من المحيط.
أما تلك التي تعيش في الطبقات العليا، فكانت مخلوقات أصغر حجمًا، أو بعض الكائنات البرمائية التي لا تستطيع العيش تحت الماء لفترة طويلة. واصل 'غو شانغ' التحرك نحو البحر السحيق، وهو يفتح فمه باستمرار ليلتهم ما حوله من كائنات، وبعد وصوله إلى الطبقتين الوسطى والسفلى، بدأت قيمة تطوره ترتفع بحدة، لكنها لم تكن تضاهي سرعة اكتسابها في الغابة.
استمر 'غو شانغ' في التجول جنوبًا. وبعد أكثر من عشرة أيام، تراكمت قيمة تطوره لتصل إلى تسعة آلاف بالمئة. وبعد يومين، واجه أخيرًا خصمًا يضاهيه حجمًا، كان قرشًا عملاقًا يبلغ طوله مئة متر. لقد لاحظ القرش وجود 'غو شانغ' عن بعد، واندفع نحوه دون تردد.
كانت أسنانه المتراصة في فمه تحتك ببعضها باستمرار، وذيله خلفه يتأرجح بعنف، مما جعله أسرع بكثير من 'غو شانغ'. شدّ 'غو شانغ' عضلات فكيه، مستعدًا لخوض معركة مع هذا القرش.
دوى صوت ارتطام عنيف! اصطدم الجسدان اللذان يبلغ طول كل منهما مئة متر بعنف شديد، مما أدى إلى تموج سطح البحر بأكمله. واجتاحت المياه التي أحدثها هذا الاصطدام عددًا لا يحصى من المخلوقات، لتنشرها في كل اتجاه.
فتح القرش فمه الضخم، وبخفة حركة مذهلة، عض جناح 'غو شانغ' الأيسر في هجومه الأول. وبعد تعرضه للهجوم، سارع 'غو شانغ' إلى التلويح بجناحه الآخر ليتحرك بسرعة، وفي الوقت نفسه، رفع ذيله عاليًا وصفع به القرش بقوة، مواصلًا هجومه. كان سلاحه الأهم هو فمه، فبعد أن عُض جناحه، فتح فمه الحاد وبدأ ينهش خصمه قضمة تلو الأخرى.
لكن لسوء حظه، كانت دفاعات هذا المخلوق تفوق تصورات 'غو شانغ' بكثير. حتى إنه شعر بألم في أسنانه، ومع ذلك، لم يستطع أن يقتلع قطعة واحدة من لحمه.