~إذا كنت واضحاََ وشفافاََ للغاية، فهذا يعني أنك تخفي الكثير~
حين مد البساط الأسود لليل برز هو في المكان كما لو كان ملكاََ يسير نحو عرشه، استوى في منتصف السماء مرسلا شريطاََ فضياََ رقيقاََ يتماهى مع هذه الليلة.
كانت الرياح تهمس برقة، تحمل معها رائحة الأرض المبللة وعبير الزهور المتبقية من النهار.
'ذلك القمر اللعين أما آن له الوقت بأن يرحل؟'
حين تتأمل شعاعه البراق وجماله الآخاذ، لا بد أن تفتن به، أن تشعر وكأنك مأخوذ للحظات، دون أن تدرك أنها مجرد ستار يخفي وراءه خيوطاََ فضيةََ تتسلل بهدوء عبر ثنايا المكان.
تخطف أنفاسنا وتسلب كل طاقتنا، فتدفعنا إلى سبات عميق، حيث يحاصر الصمت كل شيء لتمسي النجوم شواهداََ على موتنا ذاك.
'حقاََ ألن تذهب من هنا؟'
رفع عيناه الذابلتان نحو القمر في خفوت، عينان ميتتان، تشربتا ظلمة الليل وسوادها، تجمدتا في لحظة لا يفارقانها والفراغ العميق ينعكس فيهما.
طفل صغير ممدد على سرير بوجه شاحب، جفت شفاهه وتشققت كالأرض القاحلة، وأنفاسه الصغيرة تخرج خافتة كهمس الرياح.
أفكلما ارتفع مرآه، لا يبصر سواه؟.
ذلك القمر المستدير كان الحاضر الوحيد على مشهده، ينظر له من علوه مرسلاََ ضوءاََ بارداََ يعبر عن استهزاءه.
كان بلا شك يضيء، إذا لم لم يصله ذلك النور؟
لماذا في حين أنه سلب الوعي من جميع البشر ترك له وعيه كشمعة تتلألأ وسط عاصفة، تنير طريق الألم بوميض غير مريح.
رغم أن الليل قد حل وسكنت كل الأنفاس، لم كان عاجزاََ عن إغلاق عينيه؟، كأنما قد حوصر في زنزانة من الرغبات المكبوتة والأحلام المكسورة.
في تلك اللحظات كان يود لو أن خيوطه الفضية تلك تلتف على عنقه فتخنقه وتسلب آخر رمق منه.
لكن القمر لم يفعل.
لهذا، كان القمر هو أكثر ما يكره، لأنه كان يعكس حقيقة هذا العالم القاسي، حيث كل شعاع يفضح جراحه، وكل لحظة وعي تدفعه للغوص في ظلمات نفسه.
القمر، ذلك الكائن المنافق، المقزز، الانتهازي، والكاذب.
كان يخفي الكثير تحت سطحه اللامع، وكأنه يضحك على كل من ينخدع بجماله.
لا يستطيع حتى الآن أن ينسى ذلك اليوم الذي أدرك فيه حقيقته.
لقد كان مجرد كرة بيضاء مجوفة، مليئة بالثقوب في كل ناحية.
ذلك السحر الفاتن الذي أبداه كل ليلة ما كان إلا كذبة أخفاها في جنح الليل.
لكن لم تكن تلك هي الكذبة الوحيدة التي كسرت كل ما يؤمن به.
ذلك البساط الأبيض النقي الذي تتباهى به الأرض في فصل الشتاء، ذلك اللون الذي أسره وقيد كيانه في جماله.
كم أحب كيف أنه يبرز كل شيء وتظهر فيه كل الألوان ببريقها، كان كما لو أنه يختفي لأجلهم حتى يتمايزو ويتباهو.
لكن حتى ذلك كان مجرد كذبة، ذاك اللون الذي كان يوماََ هو سر سعادته بات سبباََ في عذابه.
جدران بيضاء تحيط به، غطاء أبيض يغطيه، وسائد بيضاء أثاث أبيض.
كل ما حوله كان أبيض حتى بات كلعنة لا تفارقه.
كان اللون الذي أحبه، فلما إذاََ يشعر به وهو يلتف حول جسده كأفعى الزيزفون.
يخترق أذنيه، ويجعل كل صوت يبدو بعيدًا، وكأنه يحاول أن يعزله عن العالم.
ليتحول بذلك إلى مصدر للتعذيب، وكأنه يحاول أن يقتله ببطء.
كان بإمكانه أن يشعر به وكأنه يخترق قلبه، ويجعل كل نبضة تبدو وكأنها الأخيرة.
لذا كان ذلك اللون - لا، بل تلك المشفى - هي جحيمه.
ولهيبها هو ذلك المطهر الذي يغزو أنفه فلا يفارقه.
'لقد سأمت حقًا من هذا الهراء. '
'أريد الموت'
همس بصوت خافت، وكأنه ينزع روحه من جسده.
بدا وكأن كل ما حوله يتحرك ببطء محاولاََ الهروب من هذا الواقع.
راح يقلب بصره الخافت بين الحاضرين بلا حول ولا قوة.
طبيب يبتسم في وجهه بدا كخازن النار في عينيه، وممرضة مبتدئة تظهر إشفاقه بحماقة.
لكن وسط هذا الجحيم الأبيض، كان هناك شخص واحد فقط يختلف عن البقية.
كان يجلس بجانبه، ممسكًا بيديه بقوة، كأنه يحاول أن يمنحه قوته عبر تلك اللمسة.
يداه كانتا دافئتين، تنتقل منهما طاقة صامتة، كأنها تهمس له بأنه سيبقى بقربه.
عيناه تتقدان عزماً، وكأنهما شعلتان تحاولان أن تنيرا الظلام الذي يحيط بهما.
كان يزم شفاهه بمحاولة يائسة لمنع نفسه من البكاء، لكن تلك العبرة التي خنقته تجلت واضحة في عينيه.
بدا وكأن دمعة أخيه تلك قد حلت في جوفه نهرًا سلسبيلاً، تسير في شرايينه مجرى الدم فتحييه، لتعين قلبه الذي يكافح بضخ الحياة.
لذا، ما كان منه إلا أن يضحك بسعادة، ضحكة لم تزر شفاهه منذ وقت طويل.
ضحكة كانت كالشمس التي تخترق الغيوم، تذيب شيئًا من الجليد الذي تكوّن حول قلبه.
نعم، كيف يمكن له أن يرغب بالموت وهو يبصر هذا الوجه؟ كيف له أن يفارقه؟.
تساءل في داخله، وهو ينظر إلى أخيه الذي كان يجلس بجانبه، عيناه تلمعان بالإصرار.
رغم عدم معرفة أخيه بما يدور في خلده، إلا أنه راح يضم قبضتيه أمامه بعزم، ونطق بقوة ليفزع من حوله:
"أنا... سأغدو طبيبًا وأعالجك يا أخي! لا تقلق!"
صراخه المفاجئ سلب الصوت من المكان، لتتسع أعين الجميع وهم يبصرونه في دهشة.
لحظة من الصمت الثقيل، ثم انفلتت من شفاههم ضحكات مستمتعة ومتأثرة.
'أحمق.'
همس في داخله، لكن ابتسامته بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا.
في عينيه، كم كانت كلمات أخيه حمقاء؟
أيعتقد حقًا أن المرض سينتظره حتى يكبر ويغدو طبيبًا؟
' يالها من سذاجة!'
فكر في نفسه، لكن قلبه كان ينقسم بين اليأس والأمل.
ورغم ذلك، همس بلطف وهو يضع يده حول تلك القبضتين الصغيرتين.
بدأ يفتحها بهدوء، لكنه فوجئ بصلابتها.
'بحق من أين له تلك القوة؟'
تساءل في داخله، وهو يحاول أن يفك القبضتين برفق.
أخاه كان يشد قبضتيه بقوة، رافضًا إفلاتهما، وكأنه يحاول أن يمسك بالوعد الذي قطعه.
لكن عندما لاحظ الأخ ابتسامته، بدأت تلك القوة تتسرب بهدوء، وكأنها تذوب تحت دفء تلك الابتسامة.
كانت ابتسامته حانية، لكنها متعبة ويائسة، وهو يشابك أصابعه مع أخيه، ويقرب جبهتيهما معًا.
قد كان القمر هو عذابه، لكن في الوقت ذاته كان أخاه شمسه المشرقة.
الشمس التي لا تخفي شيئًا، التي تمنح دفئها بلا تردد، والتي تذيب الجليد الذي تكوّن حول قلبه.
في عينيه، وجد نورًا حقيقيًا، نورًا لا يعرف الكذب أو الخداع.
نورًا يذكره بأن الحياة، رغم قسوتها، لا تزال تحمل في طياتها شيئًا من الجمال.
لكن حتى الشمس تغيب أحيانًا.
وفي تلك اللحظات، عندما يختفي نور أخيه، يعود الظلام ليخنقه.
يعود القمر ليذكره بمعاناته، معاناة طويلة ربما لن تنتهي.
لكن الآن، وهو ينظر إلى أخيه، يشعر بأن الشمس قد عادت.
هذا وعد، سأنتظرك."
قالها بصوت هادئ، لكنه كان يحمل في طياته شيئًا من الأمل.
"أجل."
أجاب أخوه بثقة، وعيناه تلمعان بالإصرار.
لم يكن لديه أمل حقيقي، أو أي ثقة بأن ذلك سيحدث.
لكنه فقط أراد أن يرى تلك الابتسامة المشرقة في عيني أخيه.
وفي تلك اللحظة، شعر بأن الشمس قد اخترقت الغيوم، وأن نورها قد وصل إليه.
حينها شعر بأنه، ولو للحظة، قد وجد خلاصه.
.....................
راااي"
كان بإمكانه سماعه بشكل خفي، ذلك الصوت الذي يناديه في كل مرة.
لكنه كان مسلوب الإرادة، منجذباََ لسحرها وقد بات الطريق في عيناه هو أثرها الباهت.
لاشيء، في عقله لم يكن هناك شيء آخر سواها، كان الصوت هو نغمة رفرفة جناحيها، والضوء هو أثيرها الذي يخترق الظلام الكثيف المحيط به.
الأشجار التي كانت تقف صامتة على جانبي الطريق قد بدت وكأنها أشباح لا لون لها، والسماء امتدت كقطعة سوداء بلا نجوم تضيئها، حتى الهواء بتا ثقيلاََ مالم يكن من أثر جناحيها.
بدا وكأن كل شيء يتلاشى لصالحها، فلم يعد يرى سواها ولا يسمع إلا همسات أجنحتها الرقيقة التي لمعت بوهج خافت، وكأنها تحمل في طياتها سرًا ما، أو وعدًا لم يكتمل.
تتبعها بعينيه، محاولًا الإمساك بها، أو حتى فهمها.
لكنها كانت دائمًا بعيدة، تسبقه بخطوة، وكأنها تقوده إلى مكان ما، أو ربما إلى لا مكان.
ثم، فجأة، توقفت الفراشة عن الحركة.
وقفت في الهواء للحظة، وكأنها تودعه. قبل أن تبدأ أجنحتها في التلاشي، ذرة بعد ذرة، كرماد يتطاير في مهب الريح.
حاول أن يمد يده، أن يمسك بها، لكنها كانت تختفي بسرعة أكبر من قدرته على الفهم أو الفعل.
ولم يعد هناك شيء. فقط الظلام، والفارغ الذي يعود ليبتلع كل شيء.
وقف وحيدًا، وكأن الفراشة لم تكن سوى حلم، أو وهْم، أو ربما مجرد ذكرى من عالم لم يعد موجودًا.
كانت أمام عينيه بكل تأكيد، كل ما احتاجه أن يمد ذراعه نحوها لكن كيف؟ وفي لحظة واحدة اختفت؟
لكن حيرته لم تدم طويلاََ، لم يكن ذلك لأنه قد وجد إجابته إنما لأن شيئاََ ما بدأ يتسلل إلى وعيه.
في البداية كانت الأصوات بعيدة وكأنها تأت من عالم آخر.
همسات غير واضحة خطوات متسارعة، ثم ارتفعت الأصوات فجأة، وكأن أحداََ قد فتح باباََ كان مغلقاََ.
"أسرع فلتحضر جهاز الإنعاش هيا"
اخترق أذنيه صوت رجل حازم وحاد يقطع الصمت الذي يلفه.
وبدأت الأصوات تتزايد، وتتداخل، أصوات من كل اتجاه.
"أيها الطبيب ضغط دمه مرتفع"
فجأة وبعد أن كان في سكون تام بدأت الأصوات تخترق عقله.
اجتاحته وكأنه قد ألقي من عالم الفراغ إلى عالم الفوضى والألم.
لم تستطع عيناه أن تبصرا بوضوح في البداية، كان كل شيء ضبابياََ وكأنه ينظر عبر زجاج مغطىََ بالبخار.
لكن تلك الأصوات كانت واضحة، مؤلمة، وكأنها تخترق رأسه كإبر حادة.
"واااااه واااه إنه مؤلم"
"رجاء أيها الطبيب ساعدنا ابني إنه بتألم"
بعد لحظات، بدأت الرؤية تتحسن قليلًا، لكن ما رآه لم يكن مريحًا. أضواء ساطعة تلمع فوقه، أشخاص يرتدون ملابس بيضاء يتحركون بسرعة، وجدران بيضاء باردة تحيط به من كل جانب. رائحة مطهرات قوية اخترقت أنفه، رائحة كان قد اعتادها، لكنها الآن كانت حادة وكأنها تحرق رئتيه.
فجأة، أدرك....
هذا مكان ما... مكان خطير.
هذا ليس مكان الفراشة.
هذا ليس مكانه.
بدأ يشعر بأن الهواء من حوله يقل، وكأن الجدران تقترب منه وتضغط على صدره.
حاول أن يأخذ نفسًا عميقًا، لكن رئتيه لم تستجيبا. كان الهواء الذي يستنشقه ساخنًا وثقيلًا، وكأنه يحاول أن يملأ كيسًا مثقوبًا.
كل نفس كان يأخذه يبدو أقصر من الذي قبله، وكأنه يلهث في مكان مغلق بلا نوافذ.
"لا أستطيع التنفس... لا أستطيع التنفس..."
همس لنفسه، لكن صوته بدا بعيدًا، وكأنه يأتي من شخص آخر.
بدأ يشعر بالدوار، وكأن الأرض تدور من تحته. الأضواء الساطعة فوقه كانت تتراقص في عينيه، تتحول إلى بقع ضبابية تزيد من شعوره بالغثيان. ثم جاء الألم.
ألم حاد في صدره، كأن شيئًا ثقيلًا يجلس عليه. بدأت عضلات صدره تتشنج، وكأنها تحاول أن تمنعه من التنفس.
حاول أن يضع يده على قلبه، لكن أصابعه كانت ترتعش بشدة، وكأنها لا تنتمي إليه.
'ما هذا؟ لم يحدث هذا لي؟ '
سؤال دار في رأسه، لكنه لم يكن هناك إجابة. كل ما كان يعرفه هو أن الألم يزداد، وكأنه ينتشر في كل جزء من جسده.
بدأ يشعر بوخزات في ذراعيه وساقيه، كأن دبابيس صغيرة تخترق جلده.
ثم جاءت الموجة الثانية من الخوف.
بدأ يشعر بأنه يفقد السيطرة على جسده.
قدماه كانتا ترتجفان، وكأنهما على وشك أن تخرجا من تحت جسمه.
حاول أن يمسك بشيء، أي شيء، لكن يديه كانتا ترتعشان بقوة، وكأنهما لا تستجيبان لأوامره.
و فجأة، وسط هذه الفوضى، شعر بشيء آخر.
شيء لزج... رطب... دافئ . شيء ينزلق ببطء على خده، كأنه إصبع خفي يلامس جلده بحنان غريب.
توقف قلبه للحظة، وكأن الزمن قد تجمد.
حاول أن يرفع يده ليمسح ما يشعر به، لكن جسده كان لا يزال مشلولًا، عاجزًا عن الحركة.
ثم، ببطء، خفض بصره.
كانت يدًا.
يد حمراء، لامعة، وكأنها مغطاة بطبقة سميكة من الدماء التي لم تجف بعد.
الدماء كانت تتدفق منها ببطء، تتساقط قطرة قطرة على صدره، تاركة بقعًا داكنة على ملابسه.
الأصابع كانت طويلة ونحيلة، تتحرك بخفة، كأنها ترسم أشكالًا غير مرئية على وجنتيه.
"ما هذا؟" همس في داخله، لكن صوته كان غائبًا، مختفيًا في الضجيج الذي يحيط به.
اليد كانت تتحرك الآن ببطء، تتلاعب بجلده، تلامس شفتيه، ثم تنزلق إلى ذقنه.
كان بإمكانه أن يشعر بحرارة الدماء، وكأنها تحترق على جلده.
ثم، ببطء، بدأت اليد تتحرك نحو عينيه.
الأصابع كانت تقترب، وكأنها تريد أن تلمس عينيه، أن تغلقها، أن تأخذ منه آخر ما تبقى من بصره.
حاول أن يغلق عينيه، لكنه لم يستطع.
كان يشعر بأنه محاصر، وكأن هذه اليد تسيطر عليه تمامًا.
'لا، لا، لا...'
همس في داخله، لكن اليد كانت تقترب أكثر فأكثر.
كان بإمكانه أن يرى تفاصيلها الآن: الخطوط الدقيقة على الجلد، الأظافر الطويلة المدببة، الدماء التي كانت تتساقط منها ببطء.
ثم، فجأة، توقفت اليد.
كانت على بعد سنتيمترات من عينيه، وكأنها تنتظر شيئًا ما.
ثم، ببطء، بدأت الأصابع تنثني، وكأنها تريد أن تخدش عينيه.
حاول أن يصرخ، لكن صوته كان غائبًا، مختفيًا في الضجيج الذي يحيط به.
وبينما لا تزال معلقة في الهواء، على بعد سنتيمترات من عينيه، وكأنها تنتظر اللحظة المناسبة لتخترقها.
فجأة، وكأن شيئًا ما قد تغير.
لم تعد الأصوات المرتفعة تخترق رأسه، ولم تعد الأضواء الساطعة تؤلم عينيه.
كان هناك صوت جديد، صوت ناعم ودافئ، كأشعة الشمس التي تخترق الغيوم في منتصف شتاء بارد.
"رايفين."
الصوت كان واضحًا، قويًا، وكأنه يأتي من مكان قريب.
كان صوتًا يعرفه، صوتًا يذكره بشيء ما، شيء جميل.
بمجرد سماع ذلك الصوت، وكأن يدا قد انتشلته من أعماق البحار المظلمة، بدأ يشعر بأن جسده يعود إليه.
فتح عينيه الذهبيتين ببطء، وكأنه يستيقظ من حلم طويل.
كل شيء حوله بدا واضحًا الآن، الأضواء لم تعد تؤلمه، والأصوات لم تعد تخنقه.
ثم رأى وجهًا أمامه، وجه شاب وسيم الملامح، بشرته فاتحة، و تعابير القلق مرسومة على وجهه، لكنها لم تكن تعابير مخيفة، بل كانت تعابير حانية، مليئة بالحب والاهتمام.
"رايفين، أأنت بخير؟"
صوت الشاب كان ناعمًا، كأنه يهمس له بأغنية مهدئة.
ترنح رايفين لوهلة، وكأنه يحاول أن يعود إلى الواقع تمامًا.
ثم، بصوت أجش خافت، أجاب:
"أجل."
شعور غريب اجتاحه، وكأن كل ما فيه من سأم وتعب قد تلاشى في تلك اللحظة.
كان يشعر بالدفء، وكأنه قد عاد إلى مكان آمن، مكان يعرفه جيدًا.
نظر إلى الشاب الذي كان ينظر إليه بقلق، وشعر بأن شيئًا ما قد اكتمل.
لكن شيء واحد، شيء واحد لم يفارقه.
شعور الغثيان الذي انتابه كان لا يزال يتلوى في معدته، وكأن أحشائه تود لو تخرج من مكانها.
كان بإمكانه أن يشعر بحموضة تتصاعد في حلقه، وكأن شيئًا ما يضغط على معدته من الداخل.
ورغم ذلك، تماسك.
ارتدى وجهه الخالي من التعبير كعادته، وكأنه يرتدي قناعًا يحجب كل ما بداخله.
ثم نظر إلى عيني أخيه، عينان كالزمرد، وكأنهما غابة خضراء مورقة، تخترق أوراق أشجاره أشعة الشمس الدافئة.
كانت عيناه تلمعان بضوء لطيف، كأنهما تحتضنانه دون أن تلمساه، وصوته ناعم يخفي في محياه قلقه البالغ.
"رايفين، هل أنت بخير؟"
رايفين لم يجب على الفور.
كان يشعر بأن كلماته عالقة في حلقه، وكأنه لا يستطيع أن يخرجها.
لكنه أخيرًا، وبصوت أجش خافت، قال:
"أجل، أنا بخير."
لكن حتى وهو يقول ذلك، ورغم شعوره بأن شيئًا ما قد تغير، إلا أنه لازال في نفسه شيء لا يدركه، شيء من الغموض والخوف يقبع في أعماقه.
كانت عيناه الذهبيتان تنظران إلى أخيه، لكنهما كانتا تحملان في طياتهما شيئًا من الحيرة، وكأنهما تبحثان عن إجابة لا يعرفها.
وبعد لحظات، وقد استعاد سكونه، سأله:
"أخي."
"أجل؟"
ليجيب أخضر العينين بلهفة، وكأنه مستعد لمنحه الدنيا وما فيها.
و عيناه تتسعان قليلًا، وكأنهما تلتقطان كل تفصيلة في وجه أخيه الصغير.
يداه كانتا ممدودتين قليلًا إلى الأمام، وكأنهما تريدان أن تمسكا به، أن تطمئنا عليه.
لكن ذلك الاشمئزاز لم يفارق رايفين.
حاول أن يبتسم، لكن شفتيه ارتعشتا قليلًا قبل أن ترتسم عليهما ابتسامة ناعمة، غير مكتملة، وكأنها تحمل في طياتها شيئًا من الألم.
"الحمام."
قالها بصوت خافت، وكأنه يخشى أن يسمعه أحد.
"تريد الذهاب للحمام؟.. إنه هناك، لحظة، تعال معي."
كان الأخ متوترًا، قلقه على أخيه الصغير يظهر في كل حركة من حركاته.
كان يتفقد جسده يمنة ويسرة، وكأنه يبحث عن أي علامة تدل على أن شيئًا ما ليس على ما يرام.
يداه كانتا تلامسان كتفيه برفق، ثم تنزلقان إلى ذراعيه، وكأنهما تريدان أن تتأكدا من أنه لا يزال قادرًا على الوقوف.
قبل أن يخترق لحظتهم تلك صوت مزعج يناديه:
"آشلان، ألن تفعل ما طلبته منك؟"
كان ذلك رئيسه، رجل أصلع الرأس، مربوع القامة، بشوارب من ضخامتها يستطيع الصقر أن يحط عليها بسلاسة.
كان واقفًا بيدين على خصره، وكأنه يعلن عن سلطته.
عيناه الضيقتان كانتا تحدقان في آشلان ببرود، وكأنهما تنتظران إجابة فورية.
شفتاه كانتا مطبقتين في خط مستقيم، وكأنهما تعبران عن عدم الرضا.
آشلان التفت نحوه بسرعة، وكأنه قد تذكر فجأة أنه ليس وحيدًا.
كان بإمكانه أن يشعر بثقل نظرة رئيسه عليه، تلك النظرة الحادة التي تخترق ظهره كسهم بارد، تذكره بواجباته التي لا تنتهي.
وسط صراعه الداخلي، كان آشلان يقف كأنه محاصر بين نارين، وعيناه كانتا تلتفتان بسرعة بين رئيسه وأخيه، وكأنهما تحاولان أن تجدا مخرجًا من هذا المأزق.
في حين أن رايفين الذي كان يراقب أخاه باهتمام رغم إرهاقه، لاحظ كل هذه التفاصيل.
رأى كيف أن عيني آشلان كانتا تتسعان قليلًا، وكأنهما تبحثان عن شيء ما في الفراغ.
رأى كيف أن شفتيه كانتا ترتعشان قليلًا قبل أن يهمس بكلمات غير واضحة.
ورأى كيف أن يديه كانتا تضغطان على كتفيه، وكأنهما تحاولان أن تمنعاه من الانهيار.
لقد بدا آشلان له مثل جرو صغير قلق، متوتر لا يعلم ما يصنع.
لذا، وبصوت هادئ، كأنه يحاول أن يهدئ من روع أخيه، قال:
"إنه هناك، أليس كذلك؟"
"ما- أه، أجل."
أومأ آشلان برأسه، لكن حركته كانت متسرعة، وكأنه يحاول أن يخفي تردده.
كان بإمكانه أن يشعر بنظرة أخيه عليه، نظرة كانت تحمل في طياتها شيئًا من الحنان والقلق.
"يمكنك الذهاب."
قالها رايفين بنبرة هادئة مطمئناََ أخاه.
"أنا..."
بدأ رايفين، لكنه توقف للحظة، وكأنه يحاول أن يجمع أفكاره.
ثم أضاف، بصوت أكثر حزمًا هذه المرة:
" لست طفلاً."
كانت كلماته تحمل شيئًا من التحدي، لكنها كانت أيضًا تحمل شيئًا من الضعف، كأنه يحاول أن يقنع نفسه أكثر مما يحاول أن يقنع أخاه.
آشلان نظر إلى أخيه للحظة، وكأنه يحاول أن يتأكد مما إن كان بإمكانه تركه حقاََ.
ثم، بعد أن تأكد من أن رايفين سيذهب إلى الحمام دون مشاكل، أومأ برأسه ببطء.
"حسنًا... أنا هنا إذا احتجتني."
كانت كلماته تحمل شيئًا من التوسل، وكأنه يطلب من أخيه أن يعود سريعًا.
رايفين لم يقل شيئًا، فقط أدار ظهره وبدأ يمشي نحو الحمام.
خطواته كانت بطيئة، وكأنه يحاول أن يخفي شيئًا ما.
كان بإمكان آشلان أن يرى كيف أن كتفيه كانتا منحنيين قليلًا، وكأنه يحمل ثقلًا غير مرئي.
بينما كان رايفين يبتعد، التفت آشلان نحو مديره،وكأنه يحاول أن يجمع أفكاره المبعثرة.
كان الرجل الأصلع واقفًا ويداه لا تزالان على خصره، عيناه الضيقتان تحدقان فيه ببرود، وشارباه الكثيفان يتحركان قليلًا مع كل كلمة يقولها، وكأنها فراشات غاضبة تحاول الطيران بعيدًا عن وجهه.
"هل كنت تنوي جعلي أنتظر طيلة النهار؟، أتستخف بي؟ "
كان صوته كان حادًا، وكأنه يقطع الهواء بينهما.
"أجل، سيدي."
أجاب آشلان دون وعي منه، وعقله لا يزال عالقًا في صورة أخيه المذعور.
كانت عيناه تحدقان في الفراغ، وكأنهما تبحثان عن شيء ما في الهواء.
فمه كان مفتوحًا قليلًا، وكأنه على وشك أن يقول شيئًا آخر، لكنه لم يفعل.
"ماذا قلت؟"
صوت المدير ارتفع فجأة، وكأنه صفارة إنذار في منتصف الليل.
ارتعش شارباه بعنف، وكأنهما على وشك الانفصال عن وجهه، وعيناه الضيقتان اتسعتا بشكل مبالغ فيه.
وجهه احمرّ كطماطم ناضجة أكثر من اللازم، وكأنه على وشك أن ينفجر من الغضب.
"لا، قصدت لا يا سيدي، أعتذر."
أجاب آشلان بسرعة، وهو يحاول أن يخفي ابتسامة صغيرة كانت تهدد بالظهور على وجهه.
يداه كانتا تتحركان بشكل عشوائي، وكأنهما تحاولان أن تجدا مكانًا مناسبًا لتستقرا فيه.
لكن المدير لم يكن في مزاج للاستماع إلى الأعذار.
أشار بيده للغرفة الطوارئ بحزم، وصرخ فيه: "إذا كنت ستكون بهذا التراخي، فلا تعمل طبيبا إذا! كيف بحق السماء يمكنك علاج المرضى؟ هل ستجعلهم ينتظرون حتى يتحولوا إلى أحافير؟!"
"أعتذر يا سيدي."
أجاب آشلان بصوت خافت، وعيناه لا تزالان تلاحقان ظل أخيه.
في تلك اللحظة وأمام عينا أخيه كان كل شيء يتلاشى، ولم يكن كلام مديره ذاك عدا هراء يدخل أذناََ ويخرج من الأخرى.
" ما الذي تحدق به! "
" لا شيء سيدي"
صاح مديره مرة أخرى بصوت جهور يستدعي انتباهه، لكن عينا آش كانتا مثبتتان في مكان واحد، صورة أخيه التي انعكست على تلك المرآ- الصلعة اللامعة.
'من الجيد أنه أصلع'
في الواقع كان ذلك الشخص... مهووساََ بأخيه، عقله لا يفكر إلا به.
'علي شراء وجبة لذيذة لرايفين، ذلك الطفل إنه لا يأكل جيداََ'
'آه آمل ألا يطول هذا'
........
إن كان هناك ما يمكن أن يفوق المشفى سوءًا، فهو مرحاضها.
رغم أن المشفى كانت نظيفة بشكل لافت، إلا أن المرحاض كان مكانًا مختلفًا تمامًا.
الهواء الثقيل كان مشبعًا برائحة المطهرات القوية التي تحاول أن تخفي رائحة الدماء والقيء، لكنها تفشل في ذلك.
الأضواء الفلورية الساطعة كانت تنعكس على الجدران البيضاء النظيفة، لكنها لم تستطع أن تخفي البقع الصغيرة التي تلوح هنا وهناك، آثار معارك خفية خاضها المرضى مع أجسادهم.
وقف رايفين أمام المرآة النظيفة، لكن انعكاسه بدا مشوهًا في عينيه.
خلع نظاراته الدائرية ببطء، لتبرز عيناه الذهبيتان بوضوح، لكن النور الذي كان يلمع فيهما ذات يوم قد تلاشى، تاركًا خلفه نظرة فارغة، كأنها نافذة على فراغ لا نهاية له.
بشرته كانت شاحبة، تكاد تكون شفافة، وكأن الحياة قد تسربت منها قطرة قطرة.
جسده كان ساخناََ، رغم العرق البارد الذي يتصبب منه، وكأنه يحمل ثلجًا في داخله.
(معلش كنت كاتبة بارداََ أنا البردانة)
نقر على لسانه بانزعاج، وهو يطالع حاله في المرآة. ثم راح يمسح الدماء التي تلطخ فمه بظهر يده المرتعشة.
الدماء... من أين أتت؟
لم يتذكر شيئًا مما حدث:
كيف انفصل عن كاي، وكيف وصل إلى هنا؟ وحتى ما الذي فعله في الداخل.
كل ما يعرفه هو أنه سارع خلف الفراشة، ثم سارع إلى المرحاض، ثم سارع للتخلص من غثيانه واشمئزازه.
لكن هذه الدماء... كانت تذكره بشيء ما، شيء لا يستطيع أن يمسكه.
بدأ يعبث بشعره الأسود الذي تبلل بعرقه، وبات فوضويا أكثر مما كان.
كان بإمكانه أن يشعر بأن شيئًا ما ليس على ما يرام، لكنه لم يستطع أن يحدد ما هو.
لم يكن يعلم سبب ذلك الكره الدفين للمشفى: أكان بسبب الماضي أم شيء آخر؟
فجأة، انتابه ألم حاد في رأسه، وكأن سكينًا قد اخترق جمجمته.
كان بإمكانه أن يشعر بأن الألم ينتشر في رأسه، وكأنه يحاول أن يخبره بشيء ما.
لكنه لم يستطع أن يفهم، كل ما كان يشعر به هو الألم، وكأنه يحاول أن يدفعه إلى حافة الهاوية.
......