3 - حليب بالفراولة

~إذا كنت مدوراََ ومليئاََ بالثقوب فأنت كالقمر~

تردد صوت صرير خافت في الأرجاء، يحمل معه همسات مؤلمة، وكأن اللحظة قد تجمدت في فراغ الزمن حين أغلق الباب ببطء.

توقف في الممر مغلقاََ عينيه، مستسلماََ لأمواج أفكاره المتلاطمة، قبل أن يستند بجسده المرتعش إلى الحائط البارد، محاولة لتثبيت نفسه في عالم بدا غير مستقر.

وكل محوله يضغط على عقله وكأن الحياة تشتبك معه في صراع غير متكافئ.

لكن، سرعان ما استعاد شيئاََ من هدوئه، ووجه بصره نحو الممر الأبيض الناصع، الذي كانت تثير إشراقته الغثيان في نفسه.

ذلك التناقض الصارخ بين شفافيته ونقاءه، وبين آلام المرضى ودمائهم الحمراء التي اختبئت خلف جدرانه.

كل زاوية في ذلك الممر كانت تفوح منها همسات الوجع وصرخات الاستغاثة لكن في تلك اللحظة لم يكن أي من هذا ذا أهمية له.

إذ كانت صورة أخيه المرتبك والقلق كجرو صغير تتشبث بأفكاره، وكيف اتسعت عيناه الخضراوان وتشبثت يداه الحانيتان به.

لذا وقبل رحيله كان لابد أن يطمأنه ويخفف من قلقه، ولربما كان يرغب بشيء من دفئه يذيب قلبه المتجمد.

وبينما كانت أفكاره تتدفق، لاحت في ذهنه صورة لجرو آخر كان قد فارق.

كاي الذي ترك وحيداََ في المدرسة، بعد أن مد يده لإمساك رايفين، فكان الفراغ هو من الستقبلها.

بدأ يتنهد بعمق ويعبث بشعره الفوضوي بانزعاج، وخصلات شعره السوداء المتناثرة تعكس حاله المضطرب.

فجأة، تردد له صوت كاي المزعج والصاخب، وبدا له وكأنه يستمع إلى تذمره وهو يوبخه.

"أيها الأحمق!"

"ماذا؟ ظهرت الفراشة فتبعتها؟ أتعتقد أنك طفل صغير؟ هل ستتبعني إن منحتك الحلوى؟"

سرعان ما هز رايفين رأسه مبعداََ تلك الصورة عن ذهنه، وكأنه يحاول التخلص من ذبابة مزعجة.

بحق ألديه انفصام بالشخصية أم ماذا؟ إما أن يقلق أو يغضب فليختر أحدهما.

ثم، وفي خضم تلك الفوضى تلاشى الضجيج فجأة، وخرج صوته متسائلاً، خافتاً في البداية ثم ارتفع قليلاً مع تكرار السؤال:

"أين..... أنا؟"

وقف في مكانه، ثابتاً كتمثال، ثم بدأ يلتفت يمنة ويسرة بحركات متسرعة، وكأنه يحاول الإمساك بشيء غير مرئي.

عيناه تتجولان في كل اتجاه، تبحثان عن علامة، أي شيء يمكن أن يدله على الطريق الصحيح.

شعره الأسود المتطاير تحت نسمة الهواء البارد لامس جبينه، بينما كانت يداه ترتجفان قليلاً، محكمة القبضة على الورقة التي يحملها.

أخفض بصره نحو الورقة في يديه، تلك الخريطة التي وضعها آشلان في جيبه قبل أن ينطلق، لترشده في طريقه.

رغم عجلته، كانت الخريطة واضحة وبسيطة، وكأنها رسمت لطفل صغير.

الخطوط المستقيمة، والأسهم الملونة، والأماكن المحددة بدقة، كلها كانت تبدو سهلة للوهلة الأولى.

ولكن في عيني رايفين، بدت تلك الخطوط وكأنها خيوط متشابكة، معقدة، لا يمكن فكها.

في النهاية، وبعد عناد شديد، استسلم لواقعه.

تنهد بعمق، وكأنه يطلق كل الهواء المكبوت في صدره.

"أنا تائه"

همس لنفسه، وصوته يكاد يختفي في الفراغ من حوله. أخذ نفساً عميقاً آخر، محاولاً استجماع أفكاره. صور الممرات، والأماكن التي مر بها، تتعاقب في ذهنه كفيلم سريع، لكنها كانت مشوشة، غير واضحة، لا في الواقع لم يمكنه أن يتذكرها لم يأت لهذا المكان بإرادته.

"ربما لو..."،

بدأ يفكر بصوت عالٍ، ثم حاول قلب الورقة عله يجد الطريق من الجهة الأخرى، لكن بلا فائدة.

الورقة كانت فارغة من الخلف، وكأنها تضحك عليه.

"آه، سحقاً! لم هذه المشفى كبيرة بلا داع؟"

صرخ في نفسه، لكنه توقف فجأة. لا، في الواقع، كانت المشفى صغيرة، أصغر من غيرها.

لكن رايفين كان سيئاً بالاتجاهات، لذا ورغم الخريطة التي وضعها أخوه بكل عناية، إلا أنه قد تاه.

ثم، وأثناء سيره بخطوات متسارعة، لمح شيئاً من بعيد. شيئاً مقيتاً يثير اشمئزازه.

على مسافة منه، كان هناك رجلان يقفان في الزاوية، ظلالهما ممتدة على الأرض تحت ضوء مصباح خافت. كانا يبدوان وكأنهما يحاصران شخصاً آخر يتوسطهما.

دفع الأول إصبعه بقوة نحو الشخص الذي في الوسط، وصوته يرتفع حتى اخترق أذني رايفين، مما زاد من صداعه الذي كان يعانيه بالفعل.

"ألا يمكنك أن تركز بحق؟ لما ارتكبت مثل ذلك الخطأ؟"

كانت كلمات الرجل حادة، وكأنها سكاكين تخترق الهواء الثقيل.

وضع رايفين يديه على أذنيه، محاولاً حماية نفسه من ذلك الصوت الذي بدا وكأنه يضخم الألم في رأسه.

لذا، كان على وشك تجاوزهما، متظاهراً بعدم الملاحظة، قبل أن يخترق أذنه صوت آخر، لطيف ومألوف هذه المرة.

"ههه، أنا أسف ولكن را-"

توقفت خطوات رايفين فجأة، وكأن الأرض قد التصقت بقدميه.

أزال يديه عن أذنيه ببطء، وبدأ يستمع بتركيز.

التفت نحوهما بتردد، وراح يتفحص المشهد بدقة.

شعره الأسود المتطاير تحت ضوء المصباح الخافت جعله يبدو شبحياً بعض الشيء.

ثم رأى ما جعله يتجمد في مكانه: شعر بني كلون البندق، وعينان خضراوان لامعتان كالزمرد.

"ألن تنصت لي، آشلان!"

"آش؟!"

صوت رايفين ارتفع فجأة، ممتزجاً بالدهشة والارتياح. كان ذلك الشخص الذي يقف في الوسط، المحاصر بين الرجلين، هو أخوه آشلان.

.............

التفت الرجلان نحو رايفين، وأعينهما تتفحصه بفضولٍ مخلوطٍ بالحذر، بينما تملص منهما آشلان بسرعةٍ خاطفة، وكأنه يخشى أن يضيع أخوه مرة أخرى.

سارع إلى رايفين، خطواته سريعة ومضطربة، وبدأ يتفقد كل شبر منه بقلقٍ واضح، وكأنه يخشى أن يكون قد أصابه مكروه.

"رايفين، أأنت بخير؟ لم وجهك ازداد شحوباً؟"

صوته كان ناعماً، لكنه يحمل في طياته ذبذباتٍ من القلق الذي لا يمكن إخفاؤه.

"أخي..."

لكن، رغم نداء رايفين الهادئ، إلا أن آشلان لم ينتبه له تماماً.

تابع كلماته بسرعة، وكأنه يحاول أن يقول كل ما في جعبته قبل أن يضطر لتركه مرة أخرى:

"أوه، ماذا عن الطعام؟ هل أكلت؟ أهناك شيء ترغب بتناوله؟ إذا كنت متعباً، فلم لا ترتاح قليلاً؟"

كلماته كانت تتدفق بلا توقف، وصوته يرتفع قليلاً مع كل سؤال.

ابتسامته الحانية، التي حاول أن يرسمها على وجهه، بدت متوترة بعض الشيء، وكأنها تحاول أن تخفي ما يختلج في داخله.

"أخي!"

"آه... أسف... هل بالغت؟"

أخفض آشلان رأسه في حزن، وكأنه يشعر بأنه قد أزعج رايفين. عيناه الخضراوان، التي كانتا تتألقان بلطفٍ ودفء، بدتا الآن وكأنهما تلمعان بلمسة من الأسى.

كما لو أنه جروٌ مبللٌ تحت المطر، صغيرٌ وحزين، وكأنه يخشى أن يكون قد أفرط في الاهتمام.

صوته خفت إلى همسة، وكأنه يعتذر عن قلقه الزائد، لكنه في الحقيقة لم يكن قادراً على إيقاف ذلك الشعور الذي يملأ قلبه.

رايفين، الذي كان يشاهد كل هذا باندهاشٍ خفيف، لم يستطع إلا أن يشعر بمدى لطافة أخيه وقلقه الشديد عليه.

كان آشلان دائماً هكذا، كتلةٌ من الحنان والاهتمام، لكن اليوم بدا وكأن قلقه قد تضاعف.

لذا، ما كان من رايفين الذي رآه إلا أن يتنهد بعمق، ويجيب بنبرة هادئة، لكنها مطمئنة:

"نعم، أنا بخير. وبشرتي شاحبة لأنني لم أنم، ولا لم أكل بعد، ولست متعباً."

رغم برودته المعتادة، إلا أن رايفين قد أجاب على جميع أسئلة أخيه واحداً تلو الآخر، بهدوءٍ يبدو وكأنه يحاول أن يهدئ من روع آشلان.

كان يعلم جيداً أن أخاه يبالغ في الاهتمام به، لكنه أيضاً يعرف أن هذا الاهتمام ينبع من الحب والقلق الحقيقي.

آشلان نظر إليه بابتسامة صغيرة، وكأنه شعر بالارتياح قليلاً.

"حسناً، إذا كنت جائعاً، فأنا أعرف مكاناً جيداً بالقرب من المشفى يمكننا أن نحصل منه على بعض الطعام، مارأيك؟"

تردد رايفين للحظات، وهو يشعر بثقل الهواء الرطب في الممر، ورائحة المعقمات التي تملأ أنفه.

لم يكن يرغب في البقاء في هذا المكان ولو لثانية أخرى، لكن رؤية تلك الابتسامة الدافئة على وجه آش كانت تردعه، فأومأ برأسه بهدوء، موافقاً.

لتتسع ابتسامة آش بشكل أكثر سطوعاً، وكأن أشعة الشمس اخترقت الغيمة الرمادية التي تحيط بهما.

تقدم خطوة نحو رايفين، وكأنه يريد أن يقترب أكثر، وتحدث بحماس مبالغ فيه:

"إذاً، ماذا تريد؟ أخاك الأكبر سيحضره لك. فقط اطلب أي شيء!"

لكن

"لا-"

قبل أن يكمل كلماته، قاطعه صوت نزق مزعج اخترق أذنه مثل صفارة إنذار.

"أوه، انظروا من لدينا هنا! أليس هذا رايفين؟"

بدأ أحد الرجلين السابقين يقترب ببطء، خطواته ثقيلة وكأنها تتردد كزلزال على الأرض.

كان يظهر على وجهه ابتسامة عريضة، لكنها لم تكن تخلو من سخرية تافهة.

"يبدو أنك قد كبرت حقاً."

نطق بنبرة استهزاء وهو يغمز بعينيه، ليتسرب شيء من الغضب إلى داخل رايفين.

إلا أنه كان ماهراً في إخفائه، فلم يظهر سوى تصلب طفيف في كتفيه.

'ذلك الوغد، أيعتقد أنني طفل لا يستطيع الاعتناء بنفسه؟'

ورغم ذلك، تخلص بسرعة من غضبه هذا.

رفع بصره ببطء، محدقاً في الرجل الذي يقف أمامه.

بدأ يضيق عينيه أكثر فأكثر، ليس لأنه يهتم بكلام الرجل التافه، بل لأنه عجز عن تذكره.

بينما كان رايفين يحدق به، لاحظ قطرات عرق تتساقط من جبين الرجل، تلمع تحت الضوء الباهت في الغرفة.

كان الرجل يتنفس بسرعة، وكأنه يحاول أن يخفي توتره خلف ابتسامته الواسعة.

"رايفين؟... هل... نسيتني مرة أخرى؟"

صوت الرجل ارتجف قليلاً، وكأنه يحاول أن يثبت لنفسه أنه لا يزال موجوداً في ذاكرة رايفين.

همم؟ مرة أخرى؟...

تلك الكلمة أعادت لراي ذكرى من طفولته، حين كان يجلس في الحديقة وأتى رجل... لا، هل يمكن تسمية هذا الشيء رجلاً؟... لوهلة، فزع رايفين وتراجع للخلف ظناً منه أن الكرة التي كان يلعب بها غدت أكبر حجماً وتحادثه.

ها؟ هل هذا غير منطقي؟

إذاً، هل من المنطقي أن يكون هناك إنسان بهذا الشكل؟ كيف يخلو جسده من الأبعاد هكذا؟

أنا واثق من أنه سيكون بخير حتى لو سقط من مبنى مرتفع أو ارتطمت به شاحنة.

أعني، لديه صمام أمان مثالي.

"رايفين!"

أعاد الصوت الحاد المزعج رايفين من غفلته، وقد تذكره. زوج عمته التي توفيت، والذي... ها؟ ما كان ذلك مرة أخرى؟... حسناً، لا يهم.

ابتسم رايفين بتكلف، وهو يمد يده لمصافحته، بينما خلايا جسده بأكملها تصارع رفضاً لذلك.

"كيف لي أن أنسى زوج عمتي؟ أعني، هل يمكن للمرء نسيان القمر وهو يسطع بشدة في الظلام؟"

"قمر؟... هاهاهاهاها! أنت معسول اللسان حقاً."

بدأت علامات الاشمئزاز للحظة تغمر وجه رايفين، لولا أنه تمالكها.

إلا أن رؤية معدته وهي تهتز تجعل الأمر صعباً حتى على رايفين.

والأدهى أن الرجل لم يدرك حتى أنه تم إهانته.

'ذلك المغفل، أيحسب أن القمر شديد الجمال؟ إنه مجرد كرة مستديرة مليئة بالحفر والفجوات، كعقله اللعين ذاك.'

في الخلف، وقف آش مُنكفئًا على نفسه، ظهره العريض موجّهًا نحو صاحبيه، بينما كانت كتفاه ترتجفان برقة تحت ثقل الضحكة التي تكاد تنفجر من صدره.

حاول جاهدًا كتمها، واضعًا كفّيه على فمه، لكن أطراف أصابعه كانت ترتعش، وظهره يرتفع وينخفض مع كل شهقة مكبوتة.

القمر ذلك السرّ الصغير الذي جمع بينهما منذ زمن بعيد.

ذلك السر الذي بدأ في يوم مشابه، حين كانا طفلين صغيرين، بريئين، لم تُلوّث قلوبهما بعد بثقل الحياة وخيباتها.

لكن رايفين... هل كان حقًا لم يفسد بعد؟ كانت عيناه، اللتان التقتا مع آش للحظة خاطفة، تحملان بريقًا غامضًا، كأنهما تخبئان شيئًا ما.

ربما كان لا يزال يحتفظ بجزء من تلك البراءة القديمة، أو ربما كان قد تعلم فقط كيف يخفي الفساد خلف ابتسامة هادئة.

.........

في زاوية هادئة من المكتبة المنزلية، حيث تتراصف الكتب بانتظام على الرفوف الخشبية العتيقة، كان الضوء الخافت يتسلل عبر النافذة الواسعة التي تطل على السماء الليلية.

على أريكة مريحة قرب النافذة، جلس الطفلان متقابلين، كل منهما غارق في عالمه الخاص.

رايفين، الأصغر سنًا، كان يمسك بكتاب بين يديه الصغيرتين، بينما كانت عيناه الذهبيتان الواسعتان ترفعان نحو أخيه الأكبر، آشلان، بفضول طفولي.

"رايفين، أتعلم هذا؟"

سأل آشلان بصوت هادئ، بينما كانت عيناه الخضراوان تتأملان السماء من خلال النافذة.

"ماذا؟"

رد رايفين ببراءة، و يداه الصغيرتان تلمسان صفحات الكتاب بتردد، وكأنه يحاول استيعاب كل كلمة تقفز أمام عينيه.

بينما رفع آشلان إصبعه نحو السماء، مشيرًا إلى القمر الذي كان يبرز بوضوح في الظلام الداكن.

"أترى ذلك القمر؟"

رايفين أومأ برأسه بلطف، بينما كانت عيناه تتأملان القمر بفضول.

وفجأة..

"سحقًا له!"

قال آشلان بصوت حادّ، بينما كانت عيناه تتأملان القمر بتركيز، وكأنه يحاول اختراق سطحه الفضيّ بحدّة نظره.

يداه كانتا مضمومتين بقوة على حافة النافذة الخشبية، وكأنه يحاول كبح مشاعر مختلطة من الإحباط والغضب.

"ماذا؟"

رد رايفين، بينما كانت عيناه الذهبيتان الواسعتان تتسعان أكثر من المعتاد، وكأنهما تلتقطان كل تفصيلة في تعبيرات أخيه.

كان يجلس على الأريكة، وكتابه الصغير ما زال مفتوحًا على حضنه، لكن انتباهه كان بالكامل موجّهًا نحو آشلان.

أصابعه الصغيرة توقفت عن تقليب الصفحات، وبدا وكأنه يتجمد في مكانه من الدهشة.

كان يشعر بشيء من الحيرة، وكأن عالمه الصغير قد بدأ يهتزّ لأول مرة.

فجأة، انفجر رايفين في البكاء، بينما كانت دموعه تنهمر بغزارة على خدّيه الورديّين.

يداه الصغيرتان رفعتا إلى عينيه، يحاولان كبح الدموع، لكن دون جدوى.

عند رؤية الدموع تنهمر من عيني أخيه الصغير، شعر آشلان بالارتباك.

"راي؟؟ ما الأمر؟ لماذا تبكي؟"

سأل، بينما كانت يداه تتحركان بسرعة، وكأنه يحاول أن يجد طريقة لتهدئة أخيه.

اقترب من رايفين بخطوات سريعة، وجلس بجانبه على الأريكة، بينما كانت عيناه تبحثان عن أيّ علامة تفهمه سبب هذا البكاء المفاجئ.

"لأ.. ن!"

قال رايفين، بينما كان يكفكف دموعه بكمّ قميصه الصغير.

كان صوته منخفضًا ومتقطعًا، مما دفع آشلان للاقتراب أكثر.

"أخي يشتم السيد قمر"

انفجر رايفين في البكاء مرة أخرى، بينما كانت كلماته تخرج بصعوبة بسبب دموعه.

"السيد قمر؟"

كرّر آشلان الكلمات بدهشة، بينما كانت زاوية شفتيه ترتفع قليلًا في ابتسامة مكتومة.

كان يشعر بالارتباك من رد فعل أخيه الصغير، لكنه في الوقت نفسه لم يستطع مقاومة مدى براءة رايفين في تعبيره.

"هل أنت جاد الآن؟"

سأل آشلان، بينما كانت عيناه تتوسلان إلى رايفين أن يتوقف عن البكاء.

رايفين أومأ برأسه بسرعة، بينما كانت دموعه ما زالت تتدفق.

ليجيبه آش و يداه تلامس كتف أخيه بلطف.

"أجل رايفين محق"

"...."

"ليس كونه مليئًا بالثقوب يعني أنه سيء بالضرورة! لذا، كما تعلم، فإن القمر أي—"

"السيد قمر!"

قاطعه رايفين بجدية، بينما كان يمسح دموعه بكمّ قميصه. وجهه الصغير كان يعبس، وكأنه يطلب من أخيه أن يحترم القمر ويسميه باللقب الذي يستحقه.

"نعم، أعني السيد قمر..."

قال آشلان بسرعة، بينما كان يحاول أن يجد طريقة لإقناع أخيه.

"إنه جميل، كما تعلم... الجبن الذي تحبه، أليس مليئًا بالثقوب أيضًا؟"

رايفين أمال رأسه قليلًا، بينما كانت عيناه الذهبيتان تتأملان أخاه بفضول.

بدا وكأنه يفكر بجدية في كلمات آشلان.

وراح يتذكر قطعة الجبن التي يحبها، كيف كانت شهية ولذيذة رغم الثقوب العديدة التي تملأها.

بعد لحظة من الصمت، أومأ برأسه بقوة، وكأنه اقتنع بالتشبيه، ليقول مع ابتسامة صغيرة تزين وجهه.

"الأمر نفسه للسيد قمر! "

وهكذا مرت عاصفة ذلك اليوم بسلام، لكن الهدوء لم يدم طويلًا.

بعد بضعة أيام، اقتحم رايفين غرفة أخيه بسرعة، ملقياً إعلانًا صغيراََ قبل أن يهم بالخروج.

"القمر... إنه ليس جميلًا"

"ما-"

"إنه #$&&##$!"

قال رايفين بصوت عالٍ، بينما كانت عيناه تلمعان بغضب غير مألوف.

آشلان وقف مذهولًا مرة أخرى، بينما كانت عيناه تتسعان من الدهشة.

"ماذا؟!"

قال بصوت مرتفع، بينما كان يحاول أن يفهم ما حدث.

كان هذا أول مرة يسمع فيها أخاه الصغير يشتم، ولم يكن يعلم من أين تعلم هذه الكلمات.

"رايفين، من علمك هذا؟!"

لكن رايفين كان قد خرج بالفعل من الغرفة، تاركًا آشلان في حيرة من أمره، غير قادراََ على فهم سبب هذا التحول المفاجئ في موقف أخيه من القمر.

"ماذا حدث له؟"

كل ما كان يعرفه هو أن القمر، الذي كان يومًا ما "السيد قمر" الجميل، أصبح فجأة موضوعًا للغضب والشتائم في عيون رايفين.

............

في حديقة المشفى الهادئة، حيث كانت أشعة الشمس الدافئة تتسلل عبر أوراق الأشجار الكثيفة.

وعلى أحد الكراسي الخشبية، تحت ظل شجرة كبيرة، كان رايفين جالسًا بثبات، عيناه تحدقان في الفراغ.

كان يشعر وكأن عقله غارق في بحر من الأفكار المشتتة، كأنه يحاول أن يتذكر شيئًا ما، لكن الذاكرة كانت تفلت منه كالرمل بين الأصابع.

يداه كانتا مضمومتين على حضنه، وأصابعه تلعب بلا وعي بحافة قميصه.

كان كل شيء حوله يبدو ضبابيًا، وكأنه يعيش في حلم غريب.

ثم فجأة، شعر بشيء بارد يلسع خده.

رفع رأسه ببطء، ليجد أخاه آشلان واقفًا أمامه، مبتسمًا تلك الابتسامة المشرقة التي كانت دائمًا قادرة على إضاءة أي يوم مظلم.

في يده، كان آشلان يحمل عبوة باردة، قطرات الماء تتساقط منها ببطء، مما يدل على برودتها المنعشة.

"لقد أحضرت لك مشروبك المفضل، أنت تحبه أليس كذلك؟"

قال آشلان بابتسامة عريضة تملأ وجهه، بينما كان يمدّ يديه نحو أخيه الصغير، يحمل في إحداهما عبوة قهوة سوداء باردة، وفي الأخرى مشروب الحليب بالفراولة الذي كان يلمع بلونه الوردي الفاتح تحت أشعة الشمس.

رايفين نظر إلى العبوة الباردة التي قدمها له أخوه، ثم ترنحت نظراته بينها وبين مشروب الحليب بالفراولة الذي كان آشلان يمسكه بيده الأخرى.

كان آشلان قد ألقى بنفسه بجانبه على الكرسي، وكأنه يريد أن يكون قريبًا منه في هذه اللحظة.

راح يتأملها وعيناه تتبعان القطرات التي تسيل على سطحها، وهو يشعر بالبرودة تنتشر بين أصابعه.

القهوة السوداء... كانت مرّة، وهو يعلم ذلك جيدًا.

بدأ يشربها في صمت، بينما كانت المرارة تتسلل إلى جوفه، تاركة طعمًا لاذعًا على لسانه.

في الواقع، لم يكن هذا المشروب هو ما يفضله.

كان يكره الأشياء المرة، ويحب الحلويات.

لكنه تظاهر بذلك، لأنه أراد أن يبدو ناضجًا، مسؤولًا، وكأنه يشبه شخصًا ما في ذهنه.

ثم، وعلى حين غرة، اختفت العبوة من يديه.

اتسعت عينا رايفين الذهبيتان بذهول، بينما كان يحدق في زجاجة الحليب بالفراولة التي باتت الآن في يديه.

التفت بسرعة نحو أخيه، الذي كان يجلس بجانبه بابتسامة عريضة.

"لماذا؟"

سأل رايفين بصوت خافت، بينما كانت عيناه تبحثان عن إجابة في وجه أخيه.

لكن آشلان لم يقل شيئًا.

فقط ابتسم، ثم رفع عبوة القهوة السوداء إلى فمه وشربها دفعة واحدة.

"كواااه! هذا مرّ! من في رأسه عقل يشرب هذا بحق؟!"

قال آشلان بصوت مرتفع، بينما كان يخرج القهوة من حلقه بسرعة، وكأنه لا يستطيع تحمل طعمها.

رايفين لم يفهم سبب تصرف أخيه ذاك، لكنه قرر ألا يسأل أكثر.

بدلًا من ذلك، رفع زجاجة الحليب بالفراولة إلى شفتيه، وشرب منها ببطء.

كان المشروب باردًا ومنعشًا، وأكثر حلاوة من أي وقت مضى.

لم يسع رايفين إلا أن يندهش بذلك، بينما كانت ابتسامة صغيرة تظهر على وجهه.

"كنت أعلم أن هذا ما تفضله..."

قال آشلان، بينما كان يلعب بعبوة القهوة الفارغة في يده.

"بالطبع، من في رأسه عقل سيحب هذا المشروب المرّ؟"

"أبي."

أجاب رايفين بهدوء، بينما كانت عيناه تتجهان نحو الأرض، وهو يتذكر والده، الذي لا ينفك عن شرب القهوة السوداء بلا سكر، وكيف كان يجلس في صمت، يرشفها ببطء بينما ينظر إلى النافذة.

آشلان وقف صامتًا للحظة، بينما كانت كلمات أخيه تتردد في أذنيه.

"أبي..." كرّر الكلمة بصوت خافت، لتصيبه لحظة من الإدراك.

لكن سرعان ما انفجر آشلان ضاحكًا، وكأنه يحاول أن يخفف من حدة الموقف.

"لا تخبر أبي!"

وبعد لحظات قال ببرود، بينما كانت عيناه تلمعان بمرح.

حينها، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي رايفين.

كانت ابتسامة نادرة، لا يظهرها إلا عندما يكون بالقرب من أخيه.

اختبأت تلك الابتسامة خلف تعابير وجهه المتهكمة، لكنها كانت كافية لأن تجعل آشلان يشعر بالراحة.

لقد كان قلقًا عليه منذ أن رآه في تلك الحالة، لكن الآن، بدا وكأن بعضًا من الضباب قد اختفى.

"لن أخبره"

همس رايفين، بينما كانت عيناه ترفعان نحو أخيه.

وبينما كان الأخوان يجلسان معًا تحت ظل الشجرة، بدا وكأن العالم من حولهما قد توقف ليسمح لهما بهذه اللحظة الهادئة.

النسيم العليل كان يلاطف وجوههما، بينما كانت أصوات الطيور تخلق موسيقى خلفية هادئة.

رايفين، الذي كان يشعر بالضياع، بدأ يجد بعض الراحة في وجود أخيه بجانبه.

........

2025/02/28 · 20 مشاهدة · 2923 كلمة
Hind
نادي الروايات - 2026