~يمكن لشعاع صغير، أن يخترق أعتى الظلمات. ~

"أنا سأصبح طبيباََ"

كلمات ساذجة نطق بها طفل صغير، دون أن يدرك معناها، ربما خدع ببريق ذلك الاسم، أو جذب بتلك الهالة المزيفة من الرحمة والانسانية، كما ينساق المرء لضوء القمر الجذاب يقضي سنيناََ وسنيناََ يقدس نوره ويمجد جماله الخلاب.

لكن، أكان سيعلم؟.

أنا لم أخدع بذاك البريق، ورغم ذلك وجدت نفسي هاهنا، أسير في أروقتها البيضاء، مكتسياََ ذاك الرداء، أتابع أساتذتي بعين ساهية.

أكان لذاك الطفل أن يدرك؟.

لو أن العالم يحترق، وألسنة النيران تستعر، فتشوي وجوهاََ وتغلي أخرى، في ذلك الجحيم شخص واحد فقط.

شخص قادر أن يسير فيها بحرية، أن يطفئ ذاك السعير، لا تحرقه النيران ولو أن لهيبه قد أصابها.

في عينا الشخص الذي يحترق، ذاك كان مناه، وموضع حسده، كان الأمل والألم.

أنت لم تذق ذاك الوَصَب.

أنت لم تلتهب بحميمها.

أنت بخير.

إذا لم؟ بأي حق تشتكي؟

أنت فقط.... كخازن النار.

ذلك هو الطبيب، ذلك هو.. أنا.

الطبيب ليس إلهاََ، ولن يكون.

هو غير قادر على أن يأت بالموت فيذبحه لينجي المرضى.

إنه فقط يتراقص على كفتي القدر، فلو شاء الاله أن يستعيد ماله أخذ، ولو شاء أجرى الشفاء على يديه.

إذا ألذلك أقف هاهنا عاجزاََ عن الدخول؟.

.........

وقف آشلان أمام الباب الزجاجي، وهو يراقب بيعيناه الخضراوين ما كتب عليه

"غرفة الطوارئ"

كان يبصر الباب وهو يفتح، وكأنها دعوة نحو الهاوية، بدأ يسير بخطى متثاقلة، وأنفاسه تتسرب بجفاء، وعيناه ترقبان الأرض باستياء.

إذا كانت المشفى أشبه بجحيم يتلظى، فغرفة الطوارئ كانت قعر ذلك الجحيم.

ذلك المكان المتناقض، حيث تبلغ قيمة الحياة ذروتها وأنت تبصر الأطباء والممرضات يتسارعون في انتشال الروح من ثنايا الموت.

لكنه في الوقت نفسه، يبدو وكأن الموت أقرب ما يكون، لتبدو وكأن الحياة باتت ضئيلة، ببرود يقف الطبيب وقد فارقت يداه جسد المريض، يرفع بصره نحو الساعة.

"وقت الوفاة هو.."

ذلك المكان، كان هو أكثر ما يمقت، حيث تتبدل الأقدار فيه لمح البصر.

لكن في الوقت نفسه كان يزيد من اعتزازه بمن يحب، أن يستمتع بتلك الصفحة قبل أن تقلبها أيادي القدر.

لذا رغبته الوحيدة و كل ما يريده هو أن يستمر ذلك الوقت، مع أخيه الصغير واللطيف، أن يمدد تلك اللحظات التي يشعر فيها بالسلام، وكأن العالم يتوقف ليسمح لهما بأن يكونا فقط، دون أي شيء آخر.

ذاك الذي يتراءى له بعبوسه كقطة سوداء غاضبة، وكلماته الحادة واللاسعة في عينيه أشبه بخربشاتها اللطيفة.

قد أحب برودة أخيه وكيف أنه يستطيع أن يرتدي ستاراََ من اللامبالاة رغم كل مافيه من دفئ.

برودة كذاك الصقيع على سطح البحار المتجمدة، ما إن تغوص في أعماقه، حتى يحتضنك دفؤه ويحيطك من كل جانب.

رغم ذلك كان يود لو أنه يفتح شقاََ صغيراََ، ليعبر الضوء منه فيغمره بالدفء، أن يخترق تلك الجدران العالية التي بناها لنفسه بحذر، واحداََ تلو الآخر.

لو أنه-

"هاه؟"

توقفت خطوات آش فجأة وقد انتشل من عميق أفكاره بلا مقدمات، كانت تلك المفارقة الغريبة، أن يظهر الشخص الذي تفكر به، وكأن الكون يستمع إلى همسات قلبك.

لكن، وبشكل غريب لم يكن آش سعيداََ.

كان هناك شيء في نظرة أخيه، شيء في صمته، لا، أيمكن تسمية ذلك بالصمت وتعابيره تنطق لتلك الدرجة؟.

كان من الغرابة بما يكفي أن تطأ قدماه المشفى التي اعتاد كرهها، لكنه الآن يتوسط أروقتها وعلامات الذعر على وجهه.

هو لم يعلم، لم يأبى أخاه المجيء، ورغم شدة إلحاحه، والآن، كان يتمنى لو أنه ظل يجهل.

كان ذلك أفضل من رؤية ما رأى.

بصفته طبيبًا، كان يعلم أن ما ينتاب أخاه الآن هو نوبة هلع تحاصره وتمزق كيانه.

تلك النظرة المذعورة، اليدان المرتعشتان، الأنفاس المتلاحقة التي لا تكاد تصل إلى الرئتين—كلها علامات يعرفها جيدًا، لكن رؤيتها على أخيه جعلتها تبدو أكثر إيلامًا.

لذا، سارع إليه، تاركًا كل ما في يديه، وكأن العالم توقف في تلك اللحظة.

اقترب منه بخطوات هادئة لكنها سريعة، محاولًا ألا يفاجئه أكثر مما هو عليه.

وضع يديه برفق على كتفيه، كأنه يريد أن يثبته في الواقع، أن يمنحه شيئًا ملموسًا يتشبث به وسط ذلك العاصف الذي يجتاحه من الداخل.

لكن الأخ لم يستجب على الفور.

عيناه كانتا واسعتين، مليئتين بالرعب، وكأنهما تنظران إلى شيء لا يراه آش.

بدأ يناديه برفق، لعله يستدرجه من تلك الأعماق، لكن في داخله، كان آشلان يشعر بالعجز.

كان يعلم أن نوبات الهلع هذه لا يمكن أن تُحل بكلمات بسيطة أو بأنفاس عميقة.

كانت جروحًا أعمق، جدرانًا أعلى، وأسوارًا أكثر سماكة.

ولم يكن يعرف كيف يخترقها.

"رايفين!"

"راي!"

...........

أوقف آش شريط ذكرياته ذاك محاولاََ نسيان تلك اللحظة، لا بل اختزانها في قلبه، عميقاََ حيث لن تنسى ولن تروى.

كان يريد أن يسأل لم؟

ما الذي أصابك بالذعر لتلك الدرجة؟

لماذا أبديت تلك التعابير؟

لكن حتى وإن سأل فما كان السائل بأعلم من المسؤول، حتى رايفين نفسه لم يكن يدرك سبب ذعره ذاك.

لذا بدلاََ عن الحديث قرر أن يدعمه، بلطف، كشمس تلامس القطب الجنوبي دون أن تذيب جليده، لكنها فقط تمنح نسمة الحياة.

بعد لحظات، بدأ آشلان يتلاعب بالزجاجة في يديه، وهو يسترق النظر نحو أخيه، ليلاحظ العرق البارد على رقبته وعيناه الخامدتان، فبدأ حديثه بابتسامة ناعمة، تزين شفتيه.

"أتعلم ذلك راي؟"

صوت آشلان الحاني جذب انتباه رايفين ليلتفت نحوه، رفع بصره بفضول، وأخفض الزجاجة في يديه.

"الأشياء المرة دوماََ ما تزيد حلاوة الأشياء"

أثناء حديثهما، تسلل شعاع من الضوء الذهبي عبر الأوراق الخضراء، ليلامس الزجاجة في يد رايفين.

ليخفض بصره نحوها، وكأنه يبحث عن إجابة في ذلك الضوء الهادئ.

"ما الذي تتحدث عنه؟"

ورغم سؤاله، كانت إجابة أخيه، فقط ابتسامة، لتتسع عيناه بعد لحظات في إدراك.

'آه هذا كان السبب إذاََ'

السبب الذي دفع آشلان لمنحه القهوة السوداء التي يكرهها أولاََ.

السبب الذي دفعه لسلبها واستبدالها بزجاجة الحليب.

كل ذلك فقط..

لأنه كان قلقاََ، خشي أن تسيطر عليه آلامه، فيعجز عن الاستمتاع بالمشروب الذي يحب.

عش كل لحظة بلحظة، فما إن يطوى يوم، لا يبقى من أثره إلا الذكريات

كان هذا شعار أخيه، الاعتزاز بكل لحظة، بكل شيء مهما كان صغيراََ.

استغرق رايفين في أفكاره يتأمل كلمات أخيه، كان في ذهنه الكثير مما يؤرقه، لكن الآن، هذه اللحظة الثمينة.

لحظة سعادة يذوق فيها حلو الحياة، رغم ما يمر به، ليستعيد بذلك شيئاََ من هدوئه المعتاد.

في المستقبل حين يعود لتلك اللحظة، سيتمنى لو أنها استمرت للأبد.

ليغلف الصمت المكان بأستاره، وكل منهما شارد الذهن، يحتسي شرابه بهدوء.

وبعد برهة، دون أن ينظر لأخيه، تحدث رايفين بصوته الهادئ العميق.

"ألن تسأل عن شيء"

أمال آشلان رأسه وتعبيره لا يزال ثابتاََ، ابتسامة حانية وأعين تحتضنه بدفئها، لكنها غلفت بلمحة من الفضول.

"عن ماذا؟"

أجاب رايفين بتردد وهو يشد قبضته على الزجاجة في يديه.

"عن سبب قدومي"

في الحقيقة، هو لم يرد البوح بما يضنيه، لكن إن كان ذلك لأخيه إن كان لآشلان فهو سيصارحه بذلك، سيخبره بكل شيء.

عن تلك الفراشة، اليد الحمراء، الكوابيس التي تطارده، عن ذاك الذعر الذي أحاط به.

لكن آش لم يفعل.

لم يسأل، هو فقط اكتفى بالابتسام، ابتسامة مطمئنة تخفي خلفها جبالاََ من القلق.

لحظة ثقيلة من الصمت قد مرت بهما، قبل أن يباشر آشلان بالحديث.

"إذا كنت ترغب بالحديث عن ذلك.."

"...."

"فأنا سأكون موجوداََ دوماََ للاستماع إليك"

"....."

"ربما لن أكون ذا نفع لكنني سأفعل"

حينها اتسعت عينا رايفين وظهر فيهما أثر بريق خافت أخفته عدسة نظاراته الدائرية.

تذكر كيف كان أخاه يقف إلى جانبه، تفاصيل صغيرة أظهر بها حبه.

حين ينهمك بدراسته فيجد على طاولته زجاجة حليب بالفروالة، أو حين يستغرق في نومه فيستيقظ وغطاء دافئ يلفه.

أو حين يصاب فيجده جاهزاََ بضمادات تعالجه، فقط مثل الآن تماماََ.

اتجهت عينا رايفين نحو الصندوق الصغير بجانب أخيه، صندوق أبيض يحمل آثر خدوش خفيفة.

وسط انشغاله وأثناء تعرضه للتوبيخ، وتذمر عمه الأرعن ذاك لساعات، إلا أنه لم يغفل الجروح التي غطت جسد رايفين.

عند تذكر ذلك لم يلبث رايفين إلا وباح بمشاعره، عاجزاََ عن كتمان استيائه.

"آه كلما تذكرت ذلك زاد غضبي"

إلا أنه لم يدرك ذلك، كانت أفكاره قد انبثقت نحو الخارج بغير وعي منه، لتتسع عينا آشلان بذهول، وهو يتساءل عن مقصد أخيه.

"ماذا قلت؟"

"هاه؟"

مرت لحظة من الصمت المحرج ورايفين يحاول التفكير بشيء لقوله، وبعد عناء قصير قرر فقط قول الحقيقة.

"أعني ذلك ال$#$&&#& كيف يجرأ على توبيخك؟ من يظن نفسه حتى؟ أيتفاخر بأنه طبيب؟"

"......"

أمام سيل الشتائم ذاك لم يستطع آشلان إلا أن يتسائل أين ذهب أخاه الصغير واللطيف ذلك الطفل البريء الذي ينادي القمر بالسيد.

لكن كان قد فات الآوان.

"أخي هل تسمعني؟"

صرخ رايفين وعيناه تشتعلان غضباََ، ذلك الفتى كان بارداََ في كل ما يخصه لكن عندما يتعلق بأخيه يشتعل كبركان متفجر.

"أجل أسمعك"

أجابه آش بسرعة محاولا تلافي لهيب النيران المتقدة من أخيه.

"أعني إنه فقط طبيب مختص في القولون ما شأنه بالطوارئ بحق؟، ألا يستطيع إلا أن يدفع بمعدته تلك في كل مكان؟ ."

". بفتتبواهاهاها"

وهكذا استمر تذمر رايفين لوقت طويل وآش اللطيف يضمد جراحه.

وفي لحظة استغراقه، وهو يرى جراحه تداوى، لاح في ذهنه أمر كان قد نسيه.

'ما الذي يفعله الآن؟، ذلك الأحمق'

...........

في مكان آخر بعيد قليلاََ لكنه قريب، في حديقة المدرسة، وتحت ظلال أحد أشجارها.

افترش كاي رداء صديقه مستنداََ لتلك الشجرة، وفي أحضانه قطة صغيرة، ذات لون بني فاتح.

كانت القطة مستلقية باسترخاء تام، وعينا كاي القرمزيتان تتأملانها بسعادة، شعور جميل، ولطيف، كما لو كان يطفو فوق الغيوم.

"همم، لما أشعر أنني نسيت شيئاََ ما؟"

للحظة واحدة، لحظة لم تدم طويلاََ، شعر كاي بشيء ينخزه، لكن وقبل أن يستغرق في تذكره.

"ميااااو"

"أوه أسف لابد أنك شعرت بالملل"

وهكذا أمضى موعداََ لطيفاََ مع تلك القطة.

..............

وقف آشلان ورايفين في لحظة صمت ثقيلة، كأن العالم توقف ليسمح لهما ببعض الوقت معًا.

الهواء كان مشحونًا بمشاعر غير مُعلنة، وكلمات لم تُقل بعد.

رايفين، الذي كان ينظر إلى أخيه بعينين تبدوان باردتين من الخارج لكنهما تحملان في أعماقهما شيئًا من الترقب، فتح فمه ليقول شيئًا... لكن قبل أن تخرج الكلمات، دوى صوت رنين حادٍّ اخترق صمت المكان.

كان صوت جهاز الاستدعاء الخاص بالأطباء، نبرته الحادة والمستعجلة لا تُخطئها الأذن.

صوت مألوف، لكنه هذه المرة بدا وكأنه يحمل طابعًا أكثر إلحاحًا من المعتاد.

تصلب آشلان في مكانه للحظة، عيناه الخضراوان تتسعان، ثم عبس بانزعاج.

"آه، تباََ! هل هذا الوقت المناسب؟!"

همس بصوت خافت، لكنه كان مليئًا بالإحباط.

لم يكن هناك وقت للتفكير، ولا حتى لإنهاء الكلمات التي كادت أن تخرج من فم رايفين.

بسرعة فائقة، انتفض آشلان من مكانه، وكأن زنبركًا قد دفع به إلى الأمام.

أمسك بصندوق الإسعافات الأولية الذي كان بجانبه، واندفع نحو المشفى دون أن يلتفت.

"سنتحدث لاحقاََ"

كانت هذه آخر كلمات آشلان قبل أن يختفي خلف الأبواب الزجاجية التي تؤدي إلى أروقة المشفى.

رايفين بقي في مكانه، عيناه تحدقان في الفراغ الذي خلفه أخوه.

كان وجهه باردًا، خاليًا من أي تعبير واضح، وكأنه لم يتأثر بانقطاع الحديث. بل ربما، في أعماقه، شعر بارتياح طفيف لأن الكلمات التي كان على وشك قولها قد أُلغيت.

لكن بينما كانت عيناه هائمتان في الفراغ، شعر فجأة بنقرَةٍ غريبة في جبينه. ألم خفيف، لكنه كان كافيًا لجعله يتفاجأ. رفع يده ببطء، ووضعها على جبينه، بينما رفع بصره نحو الأعلى.

وفجأة... رأى آشلان يعود.

نعم، آشلان كان قد عاد، لكن هذه المرة كان وجهه يعكس شيئًا مختلفًا. لم يكن ذلك الانزعاج الذي ظهر عليه قبل لحظات، بل كان هناك شيء من الحزن، أو ربما القلق، في عينيه.

"راي..."

وقف آشلان أمام أخيه رايفين، صوته هادئًا لكنه كان يحمل في طياته ثقلًا كبيرًا.

"أنا... آسف. كان يجب أن أعلم بذلك، ولكن..."

توقف للحظة، وكأن الكلمات علقت في حلقه. عيناه الخضراوان كانتا تنظران إلى أخيه بقلق، بينما رايفين لم ينبس ببنت شفة. كان جالساََ بصمت، عيناه الباردتان تحدقان في آشلان، وكأنهما تنتظران ما سيأتي بعد ذلك.

لكن بدلًا من أن يستمر آشلان في الكلام، شعر رايفين بيد أخيه وهي تلتقط يده بقوة لطيفة. أخفض رايفين بصره قليلاً، وهو يتأمل ما قد وضعه آشلان في كفه.

نقود....

كانت مجموعة من الأوراق النقدية، ليست كثيرة، لكنها كافية لتغطية بعض الاحتياجات. رايفين نظر إليها للحظة، ثم رفع عينيه ببطء ليبحث عن أخيه. لكن آشلان لم يكن هناك.

بدلاً من ذلك، رأى فقط ظل أخيه ورداءه الأبيض وهو يدفع الباب الزجاجي للمشفى بقوة، وكأنه يحاول أن يهرب من شيء ما. رايفين وقف مذهولاً، يده ما زالت مفتوحة، والنقود بداخلها.

لم ينطق بكلمة. لم يحرك ساكنًا. فقط حدق في الباب الزجاجي الذي اهتز قليلاً بعد أن دفعه آشلان.

رفع رايفين يده ببطء، وهو يحدق في النقود. كانت لا تزال دافئة من لمسة أخيه.

"لماذا...؟"

همس رايفين في نفسه، وهو يضم النقود في يده بقوة.

لكن لم يكن هناك إجابة. فقط صمت المشفى من حوله، وصوت خطوات آشلان التي كانت تبتعد تدريجيًا.

...........

بعد وقت قصير، كان رايفين قد ابتعد عن المشفى، عائدًا نحو منزله بخطوات بطيئة وثابتة.

كان غارقًا في أفكاره، يحدق في الأرض بينما يمشي، والنقود التي وضعها آشلان في يده ما زالت مضغوطة بين أصابعه.

لكن فجأة، بدا يسمع صوتًا غريبًا. صوت عشرات الأقدام تسير بسرعة، وصوت مألوف مزعج اخترق أذنيه.

"رااااااااااااااااااااااي!"

كان صوتًا مألوفًا... صوتًا كان يعرفه جيدًا.

بهدوء، التفت رايفين نحو مصدر الصوت، وعيناه الذهبيتان تتسعان بصدمة.

"ذ... ذلك..."

ما رآه جعله يتجمد في مكانه. كاي كان يندفع نحوه بسرعة، يجري بكل قوته، وعلى وجهه علامات الذعر. لكن المشهد الأكثر إثارة للدهشة كان ما يحدث خلفه. عشرات القطط كانت تلاحقه، وكأنها في سباق محموم.

"ذلك المجنوووون!"

صرخ رايفين بقوة، وهو يشاهد المشهد الغريب.

"راي! ساعدني! انقذني!"

صرخ كاي وهو يقترب أكثر فأكثر.

لكن رايفين لم يحرك ساكنًا. كان يعلم أن كاي دائمًا ما يجد طريقة لإثارة المشاكل، لكن هذه المرة، بدا أن الأمور خرجت عن السيطرة.

"كاي، ماذا تفعل بحق الجحيم؟!"

صرخ رايفين، وهو يشاهد صديقه يقترب.

"لا وقت للشرح! فقط... اهرب!"

رد كاي، وهو يحاول أن يحافظ على توازنه بينما القطط تلاحقه.

رايفين لم يرد. كان يشعر بأن عليه فعل شيء ما، لكنه في الوقت نفسه كان يعلم أن كاي هو من تسبب في هذه الفوضى.

وفجأة، حدث ما لم يتوقعه. القطة التي كان كاي يحملها قفزت من بين يديه، وسحبت قلادته بقوة، مما جعله يتوقف فجأة.

"آه!"

صرخ كاي، وهو يحاول أن يمسك بالقطة، لكنها كانت سريعة جدًا.

رايفين لم يتحرك. كان يشاهد المشهد بذهول.

"ذلك الغبي... لا يمكن." همس في نفسه.

وكما توقع، التفت كاي نحو الخلف في محاولة للحاق بالقطة، لكنها كانت قد ابتعدت بالفعل. رايفين عبث بشعره بانزعاج شديد، ثم اندفع نحو كاي.

في تلك الأثناء، كان كاي قد استعاد القطة، التي كانت تخدش وجهه وتقاوم بقوة، لكنه كان متمسكًا بها.

"أخيرًا! أمسكتك!"

قال كاي، وهو يحاول أن يهدئها.

لكن قبل أن يتمكن من فعل أي شيء، شعر فجأة وكأنه ارتفع في الهواء. نظر حوله بدهشة، ليجد أن رايفين قد حمله وهو يركض.

"ايها الأحمق اللعين! لما توقفت؟!"

صرخ رايفين، وهو يحمل كاي والقطة بكل قوته.

"راي! ما الذي تفعله؟!"

صرخ كاي، وهو يحاول أن يحافظ على توازنه.

"أنقذك، أيها المجنون!

" رد رايفين، وهو يركض بسرعة بينما القطط تلاحقهما.

كاي نظر إلى الوراء، ورأى القطط تقترب أكثر فأكثر.

"حسنًا... هذا ليس سيئًا كما كنت أتوقع!"

قال وهو يضحك.

وبينما كانا يجريان، بدأت القطط تقترب أكثر فأكثر. رايفين شعر بأن قلبه ينبض بسرعة، لكنه في الوقت نفسه كان يشعر بشيء من المتعة. شيء غريب، لكنه كان يشعره بالحياة.

"كاي، أنت... أنت حقًا ااااا!"

صرخ رايفين، وهو يحاول أن يبتسم رغم الموقف.

وفي النهاية، استطاعا أن يختبئا خلف سيارة متوقفة، بينما القطط تمر من أمامهما بسرعة. رايفين كان يحاول أن يلتقط أنفاسه، بينما كاي كان ما زال ممسكًا بالقطة البنية الصغيرة التي كانت تهدأ تدريجيًا في حضنه.

"أعتقد أننا نجونا..."

همس رايفين، وهو ينظر إلى كاي بعينين تعبران عن الإرهاق والفضول في الوقت نفسه.

كاي كان يجلس مستندًا إلى السيارة، وجهه يعبر عن براءة غريبة، وكأن ما حدث للتو لم يكن سوى لعبة ممتعة. رايفين نظر إليه، ثم سأل بلهجة مليئة بالاستياء:

"لما توقفت؟ كنت ستُفترس لو لم أكن هناك!"

رفع كاي نظره نحو رايفين، ثم ابتسم ابتسامة هادئة. ببطء، رفع القلادة الزجاجية الزرقاء التي كانت معلقة حول عنقه، وحدق بها بصمت. القلادة كانت تحمل نقشًا غريبًا، وكأنها تحمل سرًا ما.

رايفين حدق في القلادة للحظة، ثم همس في نفسه:

"آه، فهمت... بسبب هذه."

كانت القلادة تبدو كشيء ثمين، شيء قد يكون سببًا في كل هذا الجنون. لكن رايفين لم يكن متأكدًا.

مرت لحظة من الصمت، ثم سأل رايفين بصوت هادئ:

"لكن... لماذا كانت القطط تلاحقك؟"

كاي نظر إليه، ثم أدار وجهه بعيدًا، وكأنه لا يعلم الإجابة.

لكن رايفين لم يصدقه.

ثم، لاحظ رايفين شيئًا غريبًا. القطة البنية التي كان كاي يحملها بدأت تعبث بردائه، وكأنها تبحث عن شيء ما.

ببطء، أخرجت القطة نبتة خضراء صغيرة من جيب رداء كاي. النبتة كانت تطلق رائحة قوية، رائحة جذابة للقطط.

رايفين حدق في النبتة، ثم نظر إلى كاي بعينين مليئتين بالاتهام.

"هل هذه هي السبب؟! كنت تحمل نبتة تجذب القطط؟!"

كاي نظر إلى النبتة، ثم ابتسم ببراءة.

"أوه... هذه؟ نعم، لقد نسيت أنني وضعتها في جيبي."

"نسيت؟!"

صرخ رايفين، وهو يشعر بأن صبره قد نفد.

كاي أدار وجهه بعيدًا، وكأنه يحاول أن يتجنب نظرة رايفين الحادة.

"حسنًا... كنت أريد أن ألعب معها قليلاً."

"أنت... أنت !" صرخ رايفين، وهو يهز رأسه بانزعاج.

كاي نظر إليه، ثم ابتسم ببراءة.

"لكنها كانت ممتعة، أليس كذلك؟"

رايفين لم يرد. كان يشعر بأنه قد فقد القدرة على الكلام. بدلًا من ذلك، أخذ نفسًا عميقًا، ثم أغمض عينيه للحظة، محاولًا أن يهدئ من غضبه.

"كاي..."

قال رايفين بصوت هادئ، لكنه كان يحمل في طياته شيئًا من التعب.

"أنت تعلم أنك ستسبب لي نوبة قلبية يومًا ما، أليس كذلك؟"

كاي نظر إليه، ثم ابتسم،دون إجابة.

رايفين لم يستطع إلا أن يهز رأسه. كان يعلم أن كاي لن يتغير أبدًا، وأنه سيبقى دائمًا ذلك الصديق المجنون الذي يجلب الفوضى أينما ذهب.

..........

تلاشت الشمس تمامًا، تاركة خلفها سماءً مظلمة مرصعة بالنجوم. رايفين، الذي كان قد ودع صديقه كاي بعد يوم مليء بالأحداث المجنونة، عاد أخيرًا إلى منزله. كان يشعر بالإرهاق، جسده منهكٌ من كل ما حدث، وذهنه مليء بالأفكار التي تدور حول يومه الغريب.

فتح الباب بهدوء، ودخل إلى المنزل. الصمت كان يلف المكان، وكأن المنزل نفسه يستقبله ببرودة. أغمض الباب خلفه، ثم توقف للحظة، وهو يتأمل في يومه. كل شيء بدا وكأنه حدث بسرعة، من المشفى إلى المطاردة الجنونية مع كاي والقطط. حتى الآن، كان يشعر بأن اليوم كان كالحلم.

بخطوات بطيئة، توجه نحو غرفته. الغرفة كانت بسيطة، ليس فيها من الأثاث إلا القليل: سرير بغطاء رمادي، وخزانة صغيرة، وطاولة بجانب السرير عليها مصباح. لم يكن هناك شيء خاص أو طابع مميز، فقط غرفة عادية، كأنها تعكس شخصية رايفين الباردة والمنطقية.

ألقى بحقيبته ورداءه جانبًا، ثم أرخى جسده المنهك على السرير. شعر بأن كل عضلة في جسده تتنهد من التعب. أغمض عينيه، محاولًا أن يطرد كل الأفكار التي تدور في رأسه. كل ما كان يريده الآن هو النوم، نوم عميق ينسيه كل ما حدث.

لكن قبل أن يستسلم للنوم، توقف للحظة. عيناه كانتا مغلقتين، لكن ذهنه كان ما زال يعمل.

"غدًا..."

همس في نفسه، وهو يحاول أن يهدئ من روعه.

"غدًا سيكون يومًا آخر."

وبينما كان يفكر في ذلك، بدأ يشعر بأن النوم يقترب منه ببطء. تنفسه أصبح أعمق، وجسده بدأ يسترخي. أخيرًا، استسلم للنوم، وغط في سبات عميق.

---

2025/03/07 · 16 مشاهدة · 2989 كلمة
Hind
نادي الروايات - 2026