الغضب، ذلك الشعور الذي يأخذ الإنسان بعيدًا عن ذاته الحقيقية، يكاد يكون تلك الهاوية التي تغيب فيها آفاق المنطق والعقل. حينما ينهار هذا الجدار النفسي، يغمر الشخص في دوامة من العواطف والمشاعر المتناقضة، مما يحوله إلى كائن يفقد اتزانه وتوازنه، وكأنه يتحول من كائن عاقل إلى مجرد ردة فعل عمياء. في تلك اللحظة، يكون الغضب هو الكائن ذاته، يلتهمه من الداخل ويغلق أمامه الأفق، فيجعل من الإنسان كائنًا منحطًا لا يتوافق مع المعايير التي وضعها المجتمع.
لكن، ماذا لو كان الغضب ليس مجرد عدو للعقل؟ ماذا لو كان جزءًا من هذا الكائن البشري، جزءًا لا يتجزأ من تكوينه الفكري والروحي؟ ماذا لو كان هذا الشعور، في جوهره، هو ما يُحفز العقل ويُثير الفكر نحو آفاق جديدة؟ لعل الغضب يكون تلك الشرارة التي تشتعل في داخل الإنسان، ليمنحه لحظة من الصراحة مع ذاته، ليس باعتباره ضعفا أو خللاً، بل ربما كأداة لرفع الوعي والسمو النفسي. هل يمكن أن يكون الغضب هو أداة للتصعيد والعلو، إذا ما تمت ترويضه وتحويله إلى قوة إيجابية تقود نحو الفهم العميق للحقيقة؟
________________________________________
_لا... لا.. أرجوك الرحمة
_اغفر لي... لدي طفلين و زوجة مريضة
_لا أريد الموت.. أنا خائفة
_هذا مألم!
_ماما... ساعيديني
_أنا لم اعد أسمع شيئ، هل يوجد أحد هنا
_أمنياتي تحطمت لم يبقى لي سوى الموت
_انا... فهمت خطئي أقسم أنني لن اعيدها... لذا توقف...
_لدي أم مريضة، طاعنة في السن...الرحمة
_انها مجرد طفلة في عمر الخامسة يا سيدي...لا تعرف ما هو الموت حتى...اترجاك
_أين إنسانيتكم يا قوم!
_طفلي!!...طفلي..!!...سيموت...أرجوكم سعدوه...
_أبي لا يتحرك و لا يتنفس...أرجوكم أخبروني ما به
_أكره كل شيئ... الجميع خونة...
_أقتلني انا و لا تقتله هو
_سأموت قبلها...
انقطعت كل الأصوات اليائسة، الخانقة المليئة بالألم من كل مكان في صرخة متالمة واحدة، لها ترددات لاحقة، مثل سيمفونية متقنة.
«تتناثر الكلمات المتناثرة، تلك التي كانت تترنح بين الألم واليأس، تصبح خيوطًا متمزقة تنسل من بين أنامل الحياة. كيف انتهت كل تلك الأماني؟ وكيف أضحى الألم هو الوحيد الذي يعمق المسافة بين الإنسان ووجوده؟
في النهاية لم يكن الغضب هو فقط ذلك الانفعال البسيط الذي يتراكم في دواخلنا ويخرج عن السيطرة. بل هو، قوة هائلة تتجاوز حدود العاطفة، تصبح صراعًا داخليًا لا يمكن الهروب منه . إنه شعور يلتهم الإنسان من الداخل، فتنتقل نيرانه إلى من حوله، وتضيع كل محاولة للتهدئة. "الغضب الإيجابي"، الذي قد يثير الوعي ويدفع الإنسان نحو تحسين ذاته، يتلاشى في هذه الفوضى، ليحل مكانه "الألم الغاضب". هذا الألم الذي لا يرحم، الذي يعذب الأرواح ويجعلها تدور في دوامة لا نهائية، إذ يصبح الشكوى والصراخ غير مجديين. هذا الألم يغزو النفوس، يلتهمها، ليترك في أعقابه أثارًا أبدية من الفراغ والدمار.
" الغضب المضلم" يحول الناس لوحوش عبدة عن الشر يتسببون في ألم البقية بحجة الغضب في النهاية يتحول ذلك الألم "لألم غاضب"»