---

وسط ضجيج السوق، كان الهواء مكتظًا بروائح متداخلة-رائحة الخبز الطازج الممزوجة بالزيت الساخن وعطر التوابل المتطاير من الأكشاك التي تبيع كل شيء من الزعفران إلى الفلفل الأسود. الأصوات في السوق كانت تتداخل بشكل مستمر، نداءات الباعة العالية، وضحكات الأطفال التي تختلط بصراخهم، وأصوات عجلات العربات التي تخدش الأرضية الحجرية.

الناس كانوا يتحركون بلا توقف: رجال بعمائمهم، ونساء يحملن سلالًا ممتلئة بالفواكه والخضروات بعضهم يتحدث و البعض الآخر تجرين للعودة للبيوتهم قبل عودة أزواجهن.، وأطفال يركضون بين الأرجل دون مبالاة. العربات الممتلئة بالبضائع تمر ببطء، تترك أثرًا من الغبار الرمادي في الهواء.

على الجانبين، امتلأت الأكشاك بالألوان الزاهية-فاكهة لامعة بجانب اللحوم المعلقة، والسجادات المزخرفة التي ترفرف بفعل نسيم خفيف. أما الأزقة الجانبية، فقد كانت ضيقة ومظلمة، مليئة بالسرية و الظلم و الخبث.

في هذا المشهد المزدحم، برز رجل طويل القامة، يتحرك بخطوات ثابتة وهادئة على عكس الفوضى من حوله. كان يرتدي عباءة سوداء طويلة، وغطاء رأس يخفي ملامحه تمامًا، تاركًا انطباعًا غريبًا ومهيبًا في آنٍ واحد. بدا كأنه شبح يسير بين الحشود، لا يرى أحدًا ولا يراه أحد.

في لحظة عابرة، اندفع فتى صغير بين الحشود، واصطدم بالرجل. لم يكن الصبي أكبر من ثمانية أعوام، بشعره البني غير المرتب الذي يحيط بوجه نحيل، وثيابه الرثة التي بالكاد تغطي جسده الهزيل. الثوب الرمادي الذي كان من المفترض أن يكون أبيض كان مليئًا بالثقوب، بينما سرواله الباهت لم يكن في حال أفضل.

رفع الفتى رأسه بعد الاصطدام، وعيناه الخضراوان اللامعتان التقتا بظل الرجل. انعكست أشعة الشمس على بشرته السمراء، لكنه بدا خائفًا أكثر من أي شيء آخر.

"آسف... لم أكن منتبهًا..." قال الفتى بصوت مرتجف وهو ينحني قليلًا، كأنه يتوقع عقابًا فوريًا.

الرجل الغامض لم يتحرك للحظة، ثم رفع يده ببطء. شعر الفتى بالخوف وانكمش مكانه، متوقعًا صفعة قوية. لكنه تفاجأ عندما شعر بيد دافئة تُربّت على رأسه بلطف.

"هل تأذيت؟" جاءت الكلمات هادئة، تحمل دفئًا لم يتوقعه نيرو أبدًا.

تردد الطفل للحظة قبل أن يجيب بصوت خافت: "أنا بخير..."

حاول أن يتراجع ويهرب، لكنه لم يستطع. الرجل أمسك بكتفه بخفة، لمسة هادئة لكنها كافية لتجميده مكانه.

"ما اسمك؟" "... نيرو." "ما عمرك؟" "... ثمانية."

ابتسم الرجل، ابتسامة بالكاد ظهرت تحت ظل غطائه، وقال بهدوء: "أنت صغير للغاية... على السرقة."

تجمد نيرو في مكانه، وبدأ جسده يرتعش. كيف عرف؟! ارتفعت يده تلقائيًا إلى جيبه، حيث أخفى المحفظة المسروقة. قبل أن يقول شيئًا، رفع الرجل يده قليلًا، واضعًا إصبعه على شفتيه بابتسامة ناعمة.

"إنه سر." قال الرجل بهدوء، كأنه يتحدث عن أمر تافه.

تلعثم نيرو بسرعة: "آسف... لم أقصد السرقة! لقد اصطدمت بك فقط، وانتهى الأمر... بأخذها!"

الرجل لم يرد بل ظل ينظر إليه، ثم قال بنبرة لطيفة ولكنها غامضة: "اعتذارك غير مقبول. ولكن بدلًا من ذلك... أرشدني في هذه المدينة. إنها زيارتي الأولى للعاصمة."

تفاجأ نيرو من هذا الطلب. في البداية كان يعتقد أن الرجل سيجره إلى الفرسان أو يطالبه بشيء مستحيل. لكنه الآن شعر بشيء غريب... شعور بالراحة، رغم المظهر الغريب للرجل.

"حسنًا... سأرشدك!" قالها الطفل بنبرة خجولة، محاولًا كبح توتره.

ربّت الرجل مرة أخرى على رأسه وقال بابتسامة خفيفة: "إذن أنا في عهدتك، يا نيرو."

بدأ الاثنان في السير بين الأزقة، وكان نيرو يتحدث عن معرفته بالسوق بينما كان الرجل يستمع بصمت. شيئًا فشيئًا، بدأت حدة توتره تنخفض تدريجيًا، وكأن شيئًا جديدًا يدخل في قلبه، شعور بالراحة لم يعرفه منذ فترة طويلة.

فجأة، مرت قطة صغيرة فجأة أمامهم، ففزع نيرو ورفع يده ليبعدها، وجهه يعكس غضبًا مفاجئًا. لكن الرجل قام بحركة سريعة، ورفع القطة برفق في يديه، وقال مبتسمًا: "هل جربت أن تلمسها؟"

نيرو، الذي لم يكن يثق بسهولة، حاول أن يلمس القطة بحذر. لكن القطة خدشته فجأة، مما جعله يتراجع في ألم. ضحك الرجل بصوت خفيف، وهو يربت على القطة بين يديه، قائلًا: "أنت تحتاج إلى المزيد من الصبر معها."

لحظة الضحك كانت غريبة على نيرو. لم يعتد على أن يكون هناك شخص يضحك بصدق، وبدون توتر. كان الرجل يبدو طبيعيًا جدًا في تصرفاته، وكان ذلك يريح نيرو بطريقة غير متوقعة. كان ذلك يذكره بشيء من الدفء المفقود في حياته.

في تلك اللحظة، لاحظ الرجل جرحًا بسيطًا في يد نيرو من الخدش. فابتسم وقال: "دعني أساعدك." ذهب إلى كشك قريب، ثم عاد بسرعة، حاملاً ضمادة صغيرة وقنينة ماء. غسل يد نيرو بلطف، ثم ضمدها بحرص.

"إنه لا شيء." قال الرجل، وهو ينظر إليه بتعبير هادئ. "لكن عليك أن تكون أكثر حذرًا في المرة القادمة."

بينما استأنفوا السير ، كان نيرو يشعر بشيء يزداد بداخل قلبه. كان هناك نوع من الأمان في وجود هذا الرجل، رغم غموضه او خطورته المحتملة ، وكان هذا هو الشيء الذي لم يجده في حياته منذ وفاة أمه. كانت يده التي ضمدت جرحه هي نفسها التي منحت له شعورًا بأن الحياة ما زالت قادرة على أن تقدم له لحظات من الدفء والراحة.

أثناء تواجد هذا الطفل مع الرجل، كانت أفكاره تتنقل بين الماضي والحاضر، وبين الشعور الجديد الذي بدأ يعيشه. كان دائمًا يعتني بإخوته بعد موت أمه و والده الذي لا يتذكر حتى ملامحه ، ورغم ذلك، كان يشعر دائمًا بأنه لا يستحق هذه العناية حتى لو كان يتوق إليها . كانت يد الرجل الدافئة تثير في قلبه شعورًا نادرًا، كأنه لأول مرة يحصل على نوع من الاهتمام الذي لم يشعر به منذ سنوات.

"هل كان لديك أب؟" سأل نيرو، وهو يحاول فهم هذا الرجل الذي لم يتوقع منه أي نوع من العناية.

نظر الرجل إليه للحظة، ابتسم بخفوت، قبل أن يجيب بصوت هادئ "كان لدي أب... لكنه لم يبق طويلاً."

في تلك اللحظة، شعر نيرو بأن بينه وبين هذا الرجل شيء مشترك، شيء لا يمكن أن يُلمس بالكلمات. فقد شعر وكأنهما يعيشان نفس الوجع، نفس الخسارة. "إذاً نحن جميعًا نواجه نفس الوجع... لكننا نستمر، أليس كذلك؟" فكر نيرو في نفسه، بينما كانت خطواتهم تسير بين أزقة السوق الضيقة.

بينما كانوا يسيرون معًا، كان نيرو يواصل التفكير في ماضيه، في تلك اللحظة التي أخبرته فيها أمه عن موت والده. لم يكن في الرابعة من عمره يفهم ما يعنيه الموت، لكنه تذكر كيف أخبرته والدته بذلك، كيف انكسر قلبها ولم تستطع إخفاء دموعها. كان ذلك اليوم هو بداية خسارته الحقيقية. أتذكر تلك اللحظة بشكل غامض، لكن الفراغ الذي تركه في حياته كان واضحًا.

"كان والدي قد مات في الحرب الأهلية. لا أذكر تفاصيل كثيرة عن تلك اللحظة، لأنني كنت في الرابعة من عمري. لكنني أذكر ذلك الشعور الغريب عندما أخبرتني أمي أنه لن يعود بعد الآن. لم أكن أفهم حينها ما يعنيه الموت، لكن ما بقي في ذاكرتي هو شعور الفراغ الكبير الذي تركه في حياتنا. كان الأب هو الحامي، الشخص الذي يمنح الأمان، وعندما اختفى، لم يعد هناك من يلجأ إليه.

أتذكر كيف كانت أمي تبكي أحيانًا، لكن حتي هي سرعان ما اختفت من الصورة و اختفى معها أصوات بكائها

لم يعلق الرجل الغريب على شيئ فعاد الصمت المحرج بينهما

في أحد الأزقة الجانبية حيث بدأ الضجيج يخفت تدريجيًا، سأل الرجل نيرو فجأة، بصوت بدا وكأنه يحمل في طياته أكثر من مجرد فضول:

"أين تسكن؟"

تردد نيرو لوهلة، عينيه تبحثان في الأرض كأنه يخاف من الإجابة.

"ليس بعيدًا... في أطراف السوق. مع أختيَّ."

"أختاك؟" استفسر الرجل بابتسامة خافتة، ونبرة بدت مهتمة بصدق و مريحة .

"نعم. هما كل ما تبقى لي."

توقف الرجل عن المشي للحظة، وكأنه يُقيّم كلمات نيرو. ثم استأنف بخطى أبطأ، نبرة صوته هادئة لكن غامضة:

"من الصعب أن تكون الأخ الأكبر... خاصة عندما تضطر لتحمل المسؤولية مبكرًا "

شعر نيرو بشيء في صدره يتحرك، وكأن الكلمات أصابت وترًا حساسًا بداخله. نظر إلى الرجل سريعًا، يحاول قراءة ملامحه المخفية تحت الغطاء الأسود. لكنه لم يجد سوى الهدوء، ذلك النوع من الهدوء الذي يعكس التجربة والمعاناة.

"كيف عرفت؟" قالها نيرو بصوت خافت، كأنه يخشى أن يكون قد كشف الكثير.

توقف الرجل مرة أخرى، ثم استدار لينظر إلى نيرو مباشرة قال بصوت لطيف لكنه حمل ضغط عبر الهواء. "لأني كنت في مكانك يومًا ما..... أو ربما لازلت "

في تلك اللحظة، شعر نيرو بشيء غريب. لم يكن هناك عطف أو شفقة في صوت الرجل، حتى بعد ما بدى كان الرجل حاول ان يقولها بتفهم، كان هناك شيئ بدون مشاعر في كلامه

"لكن... كيف تحملت؟" سأل نيرو بصوت منخفض، وكأن الكلمات كانت تخرج رغماً عنه.

ابتسم الرجل قليلاً وقال: "أتحمل؟... هاه... لم أفعل"

فتح فمه و تمتم بخفوت شديد"كل شيئ هو للقدر"

حجبت معضم ضوضاءالسوق، وبدأ الظلام يتسسلل عبر المباني"كيف هي حياتك مع أختيك؟"

تردد نيرو في الإجابة، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. "إنهما كل ما لدي. أحاول دائمًا أن أعتني بهما."

ابتسم الرجل بخفة، ابتسامة بدت أقرب إلى السخرية. "هذا جميل... لكن، أتعلم؟ ليس كل الإخوة الكبار يهتمون بإخوتهم الصغار. أحيانًا، يستغلونهم."

شعر نيرو بوخزة في صدره، وعاد به التفكير إلى الأيام التي كان يُجبر فيها على القيام بكل الأعمال الشاقة لأجل أختيه، حين كان يضطر لتجاهل تعبه وجوعه حتى يطمئن أنهما بخير. كانت أحد اخوتيه أكبر منه بسنتين تحاول قدر الإمكان ان تعتني به هو و اخته الأصغر،و تأخذ مكان والدتهما. لكنه سرعان ما تخلص من تلك الأفكار، وهز رأسه نافيًا

"أنا لست كذلك. أريد فقط أن أحميهما."

"الأخ الأصغر... مثير للاهتمام."

قالها بنبرة هادئة لكنها حملت شيئًا مريبًا، كأنما يخفي خلف كلماته سرًا. كانت ابتسامته خافتة، لكنها حملت معنى غامضًا، كما لو كان يتحدث عن شيء أكبر من مجرد إخوة.

شعر نيرو بقشعريرة تسري في جسده، لكنه لم يفهم ما يقصد الرجل تمامًا. حاول أن يتكلم، أن يسأل عن معنى كلماته، لكنه لم يجد الجرأة.

ثم أكمل بخطى واثقة، تاركًا نيرو خلفه للحظات قبل أن يتبعه

"مهلا انتظر أنا من أرشدك و ليس العكس! "

---

بينما كانا يمشيان في الأزقة الضيقة، كان نيرو يحاول أن يفهم الرجل الغريب أكثر. كانت الكلمات التي قالها حول الإخوة تتردد في ذهنه بشكل مستمر، وكأنها تثير تساؤلات أكثر مما تعطي إجابات، لقد شعر بالفضول و هو يأكله.

"أنت تبدو وكأنك تعرف الكثير عن علاقات الأخوة" قال نيرو فجأة، وهو ينظر إلى الرجل بشك، كأنما يحاول فك رموز حديثه.

ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه. كان وجهه ظلًّا، غامضًا، لكنه لم يبدو متفاجئًا بالسؤال.

"يمكنك قول ذلك." قال الرجل بهدوء، بدون تغيير ليبقى غامضًا كما كان. "لكنني لا أعتقد أنني بحاجة لغذية فضولك "

نيرو شعر بشيء غريب يتسرب إلى قلبه. كانت الكلمات تحمل في طياتها أكثر مما أظهره الصوت الهادئ. شيئ مخيف للغاية كان من الأفضل ألا يتدخل فيه.

"

"كل شيء له تاريخه، يا نيرو." قال الرجل أخيرًا، صوته منخفض ومتأمل. "ولكل علاقة أثمانها، و كل شيئ تحت سيطرة القدر"

نيرو شعر بشيء ثقيل في صدره. "لكن... لماذا تخبرني بذلك؟" سأل.

وقف الرجل فجأة وأدار رأسه إليه، متوقفًا في منتصف الطريق بين حشود السوق. "لأنك ستحتاج لهذه الدرجة من المعرفة قريبا ." ثم أضاف بصوت خافت، "لكن ليس عليك أن تملك كل الإجابات الآن."

بينما كانا يتجولان في السوق، توقف الرجل فجأة أمام أحد الأكشاك التي تبيع الفواكه والخضروات. أشار إلى السلة المملوءة بالتفاح الأحمر اللامع وقال للبائع: "كم هذه؟"

أجاب البائع بحماسة: "إنها الأفضل في السوق اليوم، إنها طازجة جدًا. خمسة قطع بخمسة إنتيل "

ابتسم الرجل وقال وهو يدفع المال بسخاء "سأخذها كلها." ثم أضاف بحركة مفاجئة، "وأريد أيضًا هذه السلال من التمر، وبعض اللحم الطازج، وكذلك الخبز."

لم يتوقف الرجل عند هذا الحد، بل استمر في شراء كميات ليست سهلة من الطعام دون تعبير محدد ، من الأطعمة المملحة وصولا للفواكه النادرة. نيرو كان ينظر إليه بدهشة، عينيه تتسعان في استغراب من هذا التصرف الغريب. لم يكن يعلم لماذا يشتري كل هذا الطعام، وما الهدف من ذلك.

"لماذا تشتري كل هذا؟" سأل نيرو أخيرًا، بينما كان الرجل يلتقط المزيد من الطعام من الأكشاك المختلفة. "أنت لا تبدو وكأنك ستأكله كله بنفسك."

أجاب الرجل بابتسامة خفيفة، ثم نظر إلى نيرو بنظرة غامضة، وكأنه يريد أن يكشف له شيئًا ولكنه لا يستطيع. "أريد زيارة أختيك و لا يمكنتي الذهاب بيد فارغة، نت تحدثت عنهما كثيرًا و اثرت فضولي بشان هتين الطفلتين ، وأيضا ستكون مناسبة مناسبة ل أشكرهما على مساعدتك لي في إرشادي في هذه المدينة."

"أنا ممتن لك " قال الرجل، وهو يضع يده على كتف نيرو بلطف

نيرو كان يشعر بالارتباك، لم يكن متأكدًا من كيف يجب أن يتصرف. الرجل كان غريبًا، ومظهره أكثر غرابة، وكل هذه التصرفات تجعله أكثر شكًا في نواياه.

"لكن... لا أعتقد أننا بحاجة إلى كل هذا." قال نيرو بحذر، وهو يشير إلى الطعام الذي حمله الرجل. "أختاي لا تحبان الكثير من الطعام."

ابتسم الرجل ابتسامة غير واضحة، ثم أكمل: "أنت لا تعلم يا نيرو، ولكن الطعام هو مجرد رمز. ما يهم هو أنك ستكتشف شيئًا جديدًا. سترى، "

قال بخفوت بعدها و بضغط

"صدقني اذا شبعا ستشبع أيضا"

بينما كان نيرو ينظر إلى الطعام الذي بدأ يتراكم في سلة الرجل، بدأ يساوره شعور غريب. ربما لم يكن هذا الرجل عاديًا كما يبدو. ربما كانت هناك نية خفية وراء تصرفاته، او ربمر ببساطة كان فاعل خير، لكنه لم يستطع أن يتجاهل شعوره الغريب بالراحة الذي كان يشعر به في وجوده.

"حسنًا..." قال نيرو أخيرًا، وهو يبتسم بخجل. "سأخذك إلى البيت."

"أنا في انتظار ذلك." أجاب الرجل، وتابع السير بجانب نيرو، يحمل كل الطعام الذي اشتراه.

وصل نيرو إلى منزله ، الذي كان يشبه أكثر زنزانة من منزل، كان عبارة عن غرفة صغيرة محشورة بين جدران بالية و قاتمة . الجدران كانت تفتقر للدهان، وكأنها امتصت الحزن الذي مر بها على مر السنوات. الضوء الخافت الذي تسلل عبر النافذة الصغيرة لم يكن سوى انعكاس رمادي يعكس العزلة الكاملة عن العالم التي كان يعيش فيها هو أختيه .

الطريق المؤدي للمنزل كان يضيق مع كل خطوة، وكأن الزمان نفسه قد تجمد في هذا المكان. الأشجار المحيطة كانت أشبه بظلال قاتمة، وكأنها لا تزال تحاول التذكر. كل شيء هنا كان يغرق في نوع من الجمود، في حالة من الانتظار الأبدي، كما لو أن الحياة توقفت ولم يعد هناك أي مكان للمضي قدمًا.

وتوقف قليلاً أمام الباب، نظر إلى الجدران المتهالكة التي كانت تروي قصصًا لا تنتهي من الوحدة والألم. عيون نيرو لم تتنبه إلا للتفاصيل الصغيرة التي كادت تمر دون أن يلاحظها أحد: الزجاج المتصدع في النافذة، الحواف المكسورة للأثاث، وصوت الرياح الذي يعزف لحنًا حزينًا على السقف المهدم. وفي داخل نفسه، كان يتساءل: كيف يمكن للإنسان العيش هنا ؟ أين الإنسانية و التعاطف؟

كان يسأل نفسه هذا في كل مرة، قبل ان يدخل لهذا السجن.

في اللحظة التي دخل فيها نيرو مع الرجل إلى المنزل، كان الأجواء هادئة ولكن مشحونة بشيء من التوتر الخفيف. المنزل كان أقل من بسيط. لكنه ينبض بدفء عجيب عكس واجهته . دخلوا معًا ليجدوا مشهدًا يعكس الراحة والطمأنينة.

---

رونا، الأصغر سنًا التي لا تتجاوز السبع سنوات، كانت جالسة على الأرض في الزاوية. شعرها بنفس لون أخيها الأكبر، وكانت تلعب بحذر، عينيها الخضروتين البراقتين لم تنطفئ نورهما قط، راقبتا الرجل بنظرات محيرة، وكأنها تحاول فهم ما يحدث. أما رونيا، الأخت الأكبر من نيرو بسنتين، فكانت تقف بجانب الموقد، بشعر بني قصير وعيون خضراء، تحرك يديها بسرعة وهي تحاول طهو الحساء بكل ما أمكنها من مكونات محدودة. كان فستانها الممزق يروي قصة تحدٍ لظروف الحياة القاسية، لكنها كانت مصممة على تقديم العشاء بأفضل ما يمكن.

عندما لاحظوا وصول الرجل، بدأ التوتر يتسلل إلى الغرفة، وتبادلوا النظرات بحذر. كانت النظرات مشوبة بشيء من الشك والخوف، وكأنهم لا يعرفون كيف يتعاملون مع هذا الغريب. رمقت رونيا نيرو بنظرة تطالب بأي تفسير منه، لكنها لم تلقَ جوابًا. الرجل الذي دخل فجأة لم ينتظر نيرو ليفسر له شيئًا، بل تقدم بسرعة، وأعطى لكل منهم ما اشتراه لهم.

عندما قدم لهم الطعام الذي أحضره، خفف ذلك التوتر تمامًا. ابتسم الرجل ابتسامة دافئة، وهي الشيء الوحيد الظاهر من وجهه المخفي، مما جعل عيون رونا ورونيا تشرق وتصبح أكثر ارتياحًا. في تلك اللحظة، يبدو أن أي شيء من الشكوك التي كانت تشغل عقولهم قد تلاشت.

رونيا، التي كانت دومًا الأكثر تحفظًا في عائلتهم، تراجعت قليلًا ثم قالت بابتسامة خجولة: "هل ترغب في البقاء للعشاء؟" كانت نبرة صوتها مليئة بالأمل، على الرغم من محاولتها إخفاء أي شعور بالقلق. أومأ الرجل بلطف، وبدون تردد، بدأت رونيا في تحضير العشاء الحقيقي والمتكامل، كما لو أنها نسيت كل شيء من حولها. جلس الرجل الغريب على كرسي قريب، يراقبها بهدوء، وعيناه تلمعان قليلاً في الضوء الخافت.

في تلك اللحظة، اقتربت رونا بسرعة، وجلسَت على حضن الرجل بكل براءة، تتسمر هناك، تلعب مع يديه الصغيرة وتضحك بصوت عذب. كان حبها الصافي يفيض تجاهه، دون تردد أو حذر. بدا أن هذه الطفلة البريئة قد حددت هذا الرجل كشخص جيد دون تفكير. لم يكن هنالك مجال للشك في عينيها، وكأنها لم تعرف في حياتها سوى الحب والتسامح.

نيرو، الذي كان يراقب المشهد، شعر بشيء مختلف في داخله؛ شعور دفء يملأ قلبه ويغمره بشيء من الأمان الذي لم يشعر به منذ وقت طويل. كان هذا الجو البسيط، العائلي، طبيعيًا بالنسبة له، كما لو أن الحياة عادت لمسارها الصحيح، المسار الذي يجب أن يكون عليه الأمر. شعور بالسلام دخل قلبه فجأة، كما لو أن كل ما مر به من معاناة قد توقف في تلك اللحظة، ليترك مكانه للإحساس بالراحة.

بينما كانت شقيقتاه تتفاعلان مع الرجل بتلقائية، أدرك نيرو كم كان هذا الجو الدافئ هو ما يفتقده. كان هذا الشعور الذي لم يختبره منذ سنوات طويلة، وكأن اللحظة التي يراها الآن هي اللحظة الوحيدة التي يمكن أن تنقذه من وحدته الداخلية. ابتسم بحنية وقال: "اسميهما، الصغرى اسمها رونا، والكبيرة اسمها رونيا."

---

نظر الرجل إلى الطفلة الصغيرة التي كانت تكفي براءتها لإضاءة ظلام العالم. أخرج من جيبه حلوى وقدّمها لها بابتسامة دافئة. مدت رونا يدها وأخذتها بسعادة.

"قولي شكرًا للسيد يا رونا"، قالت رونيا بنبرة الأخت الكبرى الحازمة.

ضحكت الطفلة قليلًا وقالت ببراءة: "شكرًا لك! سأظل ممتنة لك للأبد." ثم، في حركة عفوية، عانقته بشدة، وكأنها تنجذب لدفء لم تعرفه من قبل. لم يعترض الرجل بل ربت على رأسها بلطف.

قال بنبرة لطيفة: "المرة القادمة سأحضر حلوى كافية للجميع."

ردّت رونيا بسرعة، وقد احمرّت وجنتاها: "لا عليك، سيدي. ما أعطيته لرونا أكثر من كافٍ."

من داخل المطبخ، رفع نيرو صوته قائلًا: "رونيا على حق. ما قدمته لنا حتى الآن أكثر من كافٍ."

لكن الرجل نظر إليهم بحنان وقال: "كلكم أطفال هنا، وليس رونا فقط. كلكم تستحقون أشياء صغيرة كهذه لتضميد آلامكم."

ساد الصمت في المكان. كانت الكلمات قد تركت أثرها في نفوسهم المثقلة بالتجارب. قطعه الرجل عندما انتبه إلى رونا، التي كانت قد نامت في حضنه، تشد عباءته بيديها الصغيرتين وكأنها تخشى أن يرحل.

بينما نامت رونا بسلام على عباءة الرجل، لم تستطع رونيا أن تُبعد نظرتها عنها. كانت تعلم أن أختها الصغيرة لم تنعم أبدًا بنوم هادئ كهذا من قبل. ربما كان هذا أول مرة ترى فيها رونا تشعر بالأمان الكامل.

لكن في أعماق قلبها، لم تستطع رونيا تجاهل الشكوك. لماذا هذا الرجل لطيف إلى هذا الحد؟ ماذا يريد منهم؟

اقترب نيرو من الطاولة، واضعًا يديه على سطحها وكأنه يحاول أن يثبت نفسه أمام هذا الغريب. قال بصوت منخفض لكنه حذر:

"لماذا تفعل كل هذا؟ لا أحد يُقدم شيئًا بدون مقابل!."

رفع الرجل نظره إلى نيرو بابتسامة هادئة " لا أحد يقدم لأحد شيئ أكثر من ما يستحقه، و إذا حدث فسيتم دفع الثمن بطرق أخرى "

تجمد نيرو للحظة. لم يتوقع هذه الإجابة. لم يكن يعرف ماذا يقول.

رونيا، التي كانت تراقب المشهد بصمت، شعرت بشيء من الإرتباك

"أنا لا أريد منكم شيئًا" تابع الرجل وهو ينظر إلى رونا النائمة. "هذا ما تستحقونه فحسب"

كان في صوته صدق جعل الحذر يتلاشى قليلًا من قلوبهم. ولكن بالنسبة لنيرو، كان هناك دائمًا صوت صغير في عقله يهمس: "لا تثق تمامًا، لا أحد يعطي بلا سبب."

جلس الرجل بهدوء، وربت على كتف رونيا بلطف وهو يقول: "الأخت الكبرى تحمل عبئًا كبيرًا، أليس كذلك؟ لكنك تقومين بعمل رائع. لا تدعي أحدًا يخبرك عكس ذلك."

للحظة، شعرت رونيا بأن كلمات الرجل كانت موجهة مباشرة إلى روحها، كما لو أنه رأى كل ما تخفيه خلف وجهها الحازم.

"شكراً... سيدي،" همست بخجل، وهي تنظر إلى الأرض.

كانت ليلة طويلة، مليئة بالمشاعر المختلطة. وبينما كان الرجل يستعد للمغادرة بعد ان تناولو العشاء من اعداد رونيا ، و أطعم الرجل رونا بنفسه.

التفت إلى نيرو ورونيا قائلاً:

"إن احتجتم أي شيء، سأكون هنا لبعض الوقت. فقط اعتبروني... صديقًا، سأزوركم من حين لآخر عندما يكون لدي وقت "

غادر الرجل تاركًا وراءه إحساسًا غريبًا في المكان. لم يكن الأطفال متأكدين مما إذا كانوا قد وجدوا أخيرًا حليفًا أم أنهم وقعوا في شباك شخص قد يحمل نوايا مجهولة.

نظر نيرو إلى رونيا وقال بصوت منخفض:

"لا أريدك أن تثقي به كثيرًا."

"وأنت؟" سألت رونيا، وهي تحاول قراءة عينيه.

"سأراقب. لا أريد أن نُفاجأ مرة أخرى."

عاد الصمت إلى المكان، ولم يبق سوى صوت أنفاس رونا وهي نائمة بسلام ثانية بعد العشاء... سلام لم يكن لديهم جميعًا ترف تجربته

---

بعد أن غادر الرجل، ظل صوته يتردد في ذهنهم. "فقط اعتبروني صديقًا..."

ولكن هل يستطيعون فعل ذلك حقًا؟

نظر نيرو إلى رونيا التي كانت تجلس بالقرب من المدفأة، تداعب شعر رونا النائمة، وقال: "لا أريدك أن تثقي به كثيرًا."

رفعت رونيا نظرها إليه بتعب: "وأنت؟ ماذا ستفعل؟"

"سأراقب. لا أريد أن نُفاجأ مرة أخرى."

مرّ الوقت ببطء، وعاد الصمت يلفّ المكان. خارج النافذة، كان القمر يسطع خافتًا، وكأنه يراقبهم من بعيد.

أما رونا، فقد نامت بسلام عميق، لا تعرف أن الأخوين كانا يحملان على كاهليهما عبئًا أكبر مما يمكن لطفلين أن يتحملاه.

مرّت الأيام ببطء شديد، وجرى الزمن كأنه يسير على قدمين ثقيلتين، كل يوم يشبه سابقه بنفس الروتين الرتيب. لكن الشيء الوحيد الذي كسر هذا الجمود هو زيارات الرجل الغريب.

كان دائمًا يرتدي عباءة تغطي جسده بالكامل، مما جعل حضوره غامضًا ومهيبًا في آن واحد. لم يعرف نيرو أو شقيقتاه شيئًا عنه، لا اسمه ولا ماضيه، لكنه ظل يظهر من حين لآخر، يحمل معه أشياءً تجعل الحياة أسهل. ألعاب لرونا، ملابس دافئة لرونيا، حلوى وطعامًا يكفي لإشباع بطونهم الجائعة، وحتى النقود أحيانًا عندما لم يكن يحمل شيئًا معه.

مع مرور الوقت، اختفت التساؤلات التي كانت تثير قلق نيرو ورونيا في البداية. تحول هذا اللطف الغريب إلى شيء مألوف، بل وحتى مريح. أصبحوا يقبلون ما يقدمه الرجل باعتباره "خيرًا مجانيًا" أو "هدية من السماء". كانت رونا أكثرهم تعلقًا به، تراها تنتظر قدومه بفارغ الصبر وكأنها تنتظر معجزة. بالنسبة لها، كان هذا الرجل أشبه بملاك مرسل ليعوضها عن فقدان والديها.

أما رونيا ونيرو، فقد تقبلا وجوده بفتور أكثر. ربما لأنهما أكبر سنًا، أو لأنهما علّما نفسيهما ألا يثقا تمامًا في أي شيء يبدو جيدًا جدًا ليكون حقيقيًا. ومع ذلك، مع مرور الأشهر، بدأ حذرهما يخف تدريجيًا، وبدآ يريان في الرجل شخصية ودودة، شخصًا يحاول مساعدتهم من دون أن يطلب شيئًا في المقابل.

لم تكن زياراته مقتصرة على تقديم الهدايا فقط، بل كان يقدم نصائح ثمينة بين الحين والآخر. نصائح تشبه كلمات حكيم كبير ينقل معرفته لصغار يخطون أولى خطواتهم في الحياة.

مع مرور الأيام، أصبحت زيارته جزءًا من روتينهم. ورغم أنه لم يبدُ عليه التعب أو الضجر من تحمل أعبائهم طوال هذه السنة، فإن نيرو، الذي لم يستطع إسكات شكوكه تمامًا، ظل يتساءل في أعماقه: "لماذا؟ لماذا يفعل هذا؟ وماذا يريد منا حقًا؟"

في يوم مشمس وجميل، كان نيرو يسير بخطوات هادئة في السوق، حيث اعتاد أن يأتي لجلب الحاجيات القليلة التي تحتاجها أسرته. كان المكان مزدحمًا بالباعة، وأصواتهم تعلو وهم ينادون على بضائعهم، مختلطة بروائح الخبز الطازج والتوابل. كانت هذه الأصوات والروائح مألوفة، لكنها لم تشغل ذهنه.

مرّ عام كامل منذ لقائه بذلك الرجل الغريب، ومنذ ذلك الحين، أصبح نيرو يشعر بشيء غريب بداخله. رغم محاولته أن يتصرف بعقلانية، إلا أنه في أعماقه كان ينتظر مجيء هذا الرجل دائمًا، تمامًا كما تفعل رونا.

فجأة، وعلى بعد خطوات قليلة، لمح نيرو الرجل ذاته. لم يتغير منه شيء؛ العباءة التي تغطيه، تلك الهالة الغامضة حوله، وحتى ابتسامته الهادئة. كان الرجل يقف وكأنه ينتظره.

اقترب منه الرجل بخطوات واثقة، وقال بابتسامة لطيفة وصوت مرح فيه لمسة من الغموض:

"صباح الخير، نيرو. بما أنك هنا، فقد وفرت علي عناء البحث عنك."

تسارعت دقات قلب نيرو دون أن يعرف السبب. شعر بمزيج غريب من القلق والسعادة. حاول أن يُبقي تعابيره طبيعية وهو يجيب بابتسامة صغيرة:

"هل هناك شيء تريد مني مساعدتك فيه؟"

هزّ الرجل رأسه وقال بلطف:

"لا، يا نيرو. اليوم، أريد أن أقدم لك هدية تستحقها. إنها لك وحدك، وليست لرونا أو رونيا. هدية لنيرو فقط."

احمرّت وجنتا نيرو خجلًا، وشعر بدفء يحيط قلبه. كان ذلك الشعور الذي أصبح مألوفًا له مع هذا الرجل. قال بخجل:

"لا تتعب نفسك... أنا لا أحتاج شيئًا."

ابتسم الرجل بتلك الطريقة التي تجعل كلماته تحمل وزنًا أكبر مما تبدو عليه:

"أنت تستحقها حقًا، وهي ليست هدية كبيرة كما تعتقد."

رغم التردد الذي شعر به، تبع نيرو الرجل بخطوات ثابتة، وكأن جزءًا منه أراد معرفة المزيد. دخلا زقاقًا ضيقًا ومظلمًا، بدا كأنه منفصل تمامًا عن السوق المزدحم خلفهما. كان الهواء في الزقاق أكثر برودة، والجدران متقاربة كأنها تضيق عليهما. كلما تعمقا، بدا أن الأصوات الخارجية تتلاشى، ولم يبق سوى صدى خطواتهما.

توقف الرجل في منتصف الزقاق المظلم، ملتفتًا إلى نيرو بابتسامة غريبة لم يستطع الطفل تفسيرها. وضع يده داخل عباءته، وأخرج حزمة صغيرة ملفوفة بعناية في قطعة قماش داكنة.

"هذه هي هديتك، يا نيرو." قال الرجل بهدوء، ومد الحزمة إليه.

تردد نيرو للحظة قبل أن يمد يديه ويأخذ الحزمة. كانت ثقيلة بعض الشيء، لكن ثقلها لم يكن عاديًا؛ كان هناك شعور خفي يجثم على صدره، وكأن الحزمة تخبئ شيئًا غير طبيعي.

"افتحها هنا، أمامي. أريد أن أرى تعبيرك عندما ترى ما بداخلها... "

حدق نيرو في وجه الرجل. كانت عيناه لا تزالان دافئتين بشكل مضلل، لكن نبرته حملت شيئًا مرعبًا جعل قلب نيرو ينبض بسرعة.

"لماذا...؟" سأل نيرو بتردد، وعيناه تنتقلان بين الحزمة والرجل.

"تعرف سأكون اسعد إذا رأيت تعبيرك و مشاعرك تجاه الهدية الخاصة "

بيدين مرتجفتين، بدأ نيرو بفك القماش الداكن الذي كان يغلف الحزمة. كل طبقة كشفها جعلت قلبه ينبض بعنف، ويده تتباطأ أكثر. عندما أزال الطبقة الأخيرة، تجمد جسده بالكامل، وفتح عينيه على اتساعهما.

الفتاة اللطيفة و البريئة، التي تستمع لكلام إخوتها الأكبر و تحاول قد الإمكان أن تكون مثلهما...

الأخت الكبرى التي تكافح ضد العالم كله لأجل إخوتها الأصغر في سن تحتاج هي فيه للرعاية...

كل ذلك تدمر الآن

كانت الحزمة تحتوي على رأسَي شقيقتيه، رونا ورونيا. كانت عيناهما مغلقتين بسلام زائف، وعلى وجهيهما ابتسامة طفولية بريئة، وكأنهما نائمتان. كانت الدماء تجف على حواف الجروح حول الرقبة، لكنها لم تفقد مظهرهما النقي.

"رونا... رونيا...؟" تمتم نيرو بصوت مختنق، غير قادر على تصديق ما يراه أمامه. سقط على ركبتيه، والحزمة لا تزال بين يديه، وكأنها ثقيلة بما يكفي لسحقه.

ابتسم الرجل، متكئًا على جدار الزقاق وقال بصوت هادئ، يحمل في طياته سخرية قاتلة:

"هدية خاصة لك، كما وعدتك. لا تقلق، لقد قمت بتضميد آلامهما قبل أن يذهبا."

رفع نيرو نظره إلى الرجل، ودموعه تنهمر بلا توقف. وجهه كان خليطًا من الغضب، الألم، والخوف. صرخ بصوت مختنق:

"لماذا؟! لماذا فعلت هذا؟! أنت... كنت تساعدنا...!"

اقترب الرجل منه ببطء، وانحنى قليلاً ليكون على مستوى عينيه. مد يده وربت على رأس نيرو بلطف مشوه:

"لأنك بحاجة إلى أن تفهم، نيرو. لا شيء مجاني. الحلوى، الملابس، الطعام... كل ذلك كان له ثمن، أنا اخبرتك كل شخص يحصل على ما يستحقه و في اللحظة التي يتجاوز فيها الأمر ذلك يجبان يدف الثمن ."

انفجر نيرو في البكاء، ورمى الحزمة بعيدًا وكأنها ستختفي إذا لم يكن يمسكها. لكنه لم يستطع الهرب من حقيقة ما رآه، لأن رؤوس شقيقتيه كانت هناك، تنظر إليه من الفراغ، تذكّره بأنه فشل في حمايتهما.

نظر نيرو إليه بغضب يشتعل خلف دموعه، لكن جسده كان مشلولًا من الصدمة. لم يكن يعرف ماذا يفعل، كيف يتصرف، أو حتى إذا كان قادرًا على التنفس بشكل طبيعي.

لا يسمع شيئ، لا يحس بشيئ، انه مجرد "ألم" ، لا يعرف إن كان ألم الخيانة او الضعف او الصدمة، او الفقدان.

تحركت عيناه برعب، شحب وجهه، ارتجفت شفاهه و هو يحاول التنفس، هو لم يعد قادر على الوقوف او اي شيئ لكن هناك طاقة اخرى شديدة لا تنتمي لهذا العالم قيدته بسلاسل غير مرأية.

"لا مجال للهرب، لا مجال للإختباء ، لا مجال لفرصة أخرى"

كان الرجل يجر نيرو بقوة، وكأن يديه كانت حبالًا غير مرئية تشده للأمام. لم يستطع نيرو أن يحرر نفسه أو حتى أن يصرخ. كانت هناك قوة غامضة تحيط به، قوة لم يكن يدرك مصدرها، ولكنها كانت ثقيلة قلبه ، تجعله يشعر وكأن جسده مغلف بشيء غير مرئي، يمنعه من الحركة. كانت ساقاه تتعثران على الأرض، وكلما حاول أن يراوغ أو يوقف نفسه، كان يشعر بشيء غير مرئي يدفعه للأمام بقرب الرجل إجبارا.

في قلبه، بدأ الصراع الداخلي يشتعل؛ كان يحاول الهروب، لكن جسده كان لا شيئ أمام قوة مجهولة . وهو يتابع خطوات الرجل الهادئة التي تردد في أذنه مثل صدى لشيء لا يمكن إيقافه. لا يستطيع التنفس بعمق ولا حتى أن يوقف تقدمهم. كلما اقتربا أكثر، زادت ضغوطه، وكأن القوة تزداد سكونًا في داخله.

بقيت رأسي أختيه مرميتين على الأرض الباردة المتحجرة... بسلام.

"لا تقلق انا واثق ان الكلاب ستأكلهما، الخير جيد أحيانا"

نزل وطئ هذه الكلمات كجبل من الجليد على الطفل ذو ثمان سنوات.

أخيرًا، دخلوا إلى مكان مظلم، جدرانه كانت مظللة بظلال لا يمكن تحديدها، تزداد كثافة كلما تعمقوا فيه. كان القبو ضيقًا، مليئًا بالأدوات القديمة التي تنبعث منها رائحة حديد صدئ. كان هناك منشار مغطى ببقع حمراء داكنة، فأس مهمل وقريبًا منها سكاكين حادة مثل أشواك شبحية تتناثر على الأرض.

لكن أسوأ شيء كان هو القدر الضخم الذي يمرر بخارًا كثيفًا. كان يغلي بقوة، محدثًا صوتًا يرن في الأذن، وكأن قلب المكان ينبض. لكن ما لفت انتباه نيرو أكثر هو المكونات التي بدا أنها مألوفة، ثم اكتشف، كان هناك توابل ناذرة ، و مسحوق أبيض لم أره قبلا ، وجزء من لحوم تبدو مائلة

عينيه لم تلبثا أن زادت في اتساعها حين شعر بشيء يحترق في قلبه؛ في تلك اللحظة، رائحة الطعام اللذيذ و الدافئ بدأت تخنقه. وعيناه تراقب بعنف التفاصيل المتناثرة في القبو، قبل أن يرفع الرجل يده ويشير إلى القدر. ابتسم ابتسامة غريبة، تشبه الابتسامة التي تسبق العاصفة.

"أنت تعرف ماذا يجب أن يكون هنا، نيرو. كل شيء في هذا المكان متعلق بك،لقد صنع لأجلك ."

كانت كلمات الرجل تتسرب إلى عقله مثل طيف، وتستقر في فكره، غير قادرة على تركه. تجنب نيرو النظر إلى القدر، لكنه شعر بشيء يعصر قلبه، يشده بشدة نحو تلك اللحظة المخيفة.

ثم، فجأة، تحول انتباهه إلى جانب آخر من القبو، حيث كانت هناك أدوات أخرى على الطاولة، كأنها تنتظر تحركه. المشهد أمامه أصبح أكثر ضبابية، وكلما حاول أن يركز على ما يحدث، كانت قوة الرجل تزيده ضعفًا. وبالرغم من تعبه العقلي والجسدي، كان لا يستطيع الهروب، ولا حتى مقاومة الواقع البشع الذي كان يواجهه.

بينما كان نيرو يقف هناك، مشلولًا من الحركة، كان الرجل يقف خلفه، خطواته متمهلة ولكنه حازم، وكأن الوقت يمر ببطء في تلك اللحظات. نظرات نيرو كانت لا تزال مسلطة على القدر الذي يغلي، وجو القبو المظلم يزيد من شدة قلقه، بينما كانت الحرارة المنبعثة من القدر تثير في صدره شعورًا بالاختناق. قلبه كان ينبض بسرعة، وعقله يتسارع في محاولات فاشلة لفهم ما يحدث.

وفجأة، دون أن يعلن عن تحركه او يصدر أي إشارة ، اقترب الرجل من نيرو، ممسكًا بملعقة طويلة. يده كانت ثابتة، عينيه تحت الغطاء حادة مثل السكاكين المنتشرة حوله. ببطء، رفع الملعقة إلى فم نيرو، الصغير الذي بدأ يشعر بحملها فوق شفتيه كما لو أن انهاية العالم قد حلت.

"لن تخرج من هنا حتى تتذوق كل شيئ، لقد أعددتها خصيصا لك،ليست باردة و ليست ساخنة،انها مثالية لك ." قال الرجل بصوت هادئ و شبه لطيف ، لكن الكلمات كانت تتسرب إلى قلبه كما لو كانت سكينًا باردًا يخترق قلبه. "لا داعي للمقاومة، فأنت تعرف أن هذا ما تريده...انت تريد الدفئ و طعام لذيذ و ها أنا أقدمه لك لذا من فضلك اقبل مساعدتي ."

نيرو، الذي كانت عينيه تحدقان في الرجل بغضب و رعب يعانق روحه الصغيرة ، حاول أن يتراجع، لكن جسده لم يكن قادرًا على تحريك نفسه. كان يحاول أن يصرخ، أن يرفض، لكن صوته كان محبوسًا في صدره. كيف يمكنه مقاومة هذا؟ كيف يمكنه الهروب من شيء كان يتسلل إلى أعماق روحه، دون أن يراه أحد؟

الرجل كان يبتسم بخفة،تلك الإبتسامة التي دائما تكون الشيئ الوحيد الظاهر منه وكأنه يعلم كل شيء عن الإنسان المدعو نيرو، عن خوفه، عن ضعفه، وعن قلة خياراته.... و عن عجزه "كنت تنتظر هذه اللحظة، أليس كذلك؟" قال الرجل بابتسامة باردة، وهو يدفع الملعقة أكثر إلى فم نيرو، الذي شعر بنكهة الحساء المرة تنزلق عبر شفتيه.

بينما كانت الملعقة تلامس لسانه، شعر نيرو بشيء غريب، كل ذرة في جسده كانت تقاوم، ترفض هذا الفعل القسري، لكن شيئ في داخله أعجب بالمذاق اللطيف و الناعم بينما معدته تقلبت و قاومت بشدة كان يراوده شعور بالذنب، كأنما في داخل هذا الحساء كان جزء من ماضيه الضائع، جزء من ألمه الذي لم يتوقف. وفجأة، اجتاحه شعور بالتحول في صدره، كأن هذا السائل المسموم كان يدخل جسده ليجلب معه كل ما فقده، كل من فقدهم.

"كل هذا من أجلك." قال الرجل بصوت هادئ، محاولًا تهدئة روع نيرو. "أنت الذي كنت تبحث عن الحلول في الأماكن الخطأ. هذا هو الطريق الوحيد لكي تجد السلام... لتجد مكانك"

قال بلطف بعدها و هو يضحك بخفة و إريحية

"اذا كيف هو مذاق رونا و رونيا؟ ... لقد كنت حائر بين خلطهما معا او طبخ كل واحدة منهما على حدا في النهاية مزجتهما، لكن لا بأس لقد تركت القليل من الغير المطبوخ... سأطبخ لك الكثير"

نيرو شعر وكأن قلبه قد توقف عن الخفقان، كل شيء كان ينقلب ضد عقله. كيف يمكن أن يثق بكلمات هذا الرجل؟ كيف له أن يقبل حقيقة أنه مجبر على أن يطعم نفسه بهذا، أو أن يكون جزءًا من هذا العذاب الأبدي؟ لكن، في داخل نفسه، كان يعلم أنه لا يستطيع الهروب من هذا الظلام، من هذا المجهول الذي أحاط به.

المذاق الحامض في فمه كان يشبه ألمه الخاص، وكان يشعر بأطرافه تزداد خدرًا، كأن كل شيء في حياته قد تحول إلى صورة باهتة، كما لو أن الجزء الذي يشير للنعرفة المتمثلة في انه طفل ذو ثمان سنوات قد بدأت تتآكل....

كان نيرو في حالة من الصدمة العميقة، كأنما قلبه قد تمزق في لحظة. لم يستطع تحمل ما يحدث. فجأة، وبكل ما تبقى له من قوة، انقض على رأسه، موجهًا ضربة قوية إلى الأرض. كان يصرخ من الداخل، في محاولة يائسة لتهشيم عقله، لتمزيق كل ما يجعله يعيش هذه اللحظة المروعة. رأسه ارتطم بالأرض، تلطخت الأرض بدمائه وبدأ الدم ينزف من جبهته الصغيرة، ولكنه استمر في الضرب، كأنما يبحث عن طريقة للهروب من هذا الكابوس.

لكن فجأة، توقف يد دافئة أذيته لنفسه "المبررة" ضرباته، بلطف، ولكن بثبات، وضغطت برفق على جبهته. كان الرجل قد اقترب منه دون أن يظهر أي علامة على الانزعاج، بل بوجهه الهادئ المريب. "لا تفعل ذلك، نيرو." قال الرجل بصوت هادئ، ولكن الكلمات كانت تلوح في أذنه وكأنها قيدٌ ثقيل. "الفرار لن يفيدك هنا، ولن يكون هناك مكان آمن حتى لو هربت من هذا،"

نيرو كان يلهث، وجهه مليء بالدم، وعينيه مليئتين بالغضب. كان يشعر بأن هذا الظلام يبتلعه، وأنه ليس هناك من يعترف بما يشعر به، أو يفهمه. كل شيئ مجرد ظلام، لكن الرجل لم ينزع يده عنه، بل بقي يمسكه برفق، مشيرًا إليه بأن يهدأ.

"أنت لا تريد أن تفعل هذا...لا تريدو أن أسكب الحساء هباء" أضاف الرجل بابتسامة خفيفة، بينما كانت يده لا تزال دافئة على جبهة نيرو، وكأنها تقول له: "لن تخرج من هذا إلا إذا كنت مستعدًا، لكنك لن تجد الراحة في الهروب."

نيرو، الذي كان يرفض ما يحدث بشدة، حاول أن يبتعد عن الملعقة التي كانت تقترب منه مجددًا. لكن الرجل لم يتوقف، بل كان يجبره على تناول الحساء بإصرار أكبر. الملعقة، التي كانت تلامس شفتيه المضمومتين، بدأت تغرز فيها شيئًا ثقيلًا في فمه، فاندفعت النكهة القوية والمرة إلى لسانه ثانية لكن الآن كانت أكثر تركيز مع قطعة من اللحم المالح لكن اللذيذ و المختلف عن بقية اللحوم، حتى انه كان هناك عضم متداخل معه... ربما كان اصبع الخنصر... الخاص برونيا او حتى رونا الأمر غير محدد.

"لا يمكنك الهروب من هذه النكهات، نيرو." قال الرجل وهو يضحك قليلاً، وكأن الأمر كان مجرد مزحة. "لكن لا تقلق، أنت لست وحدك في هذا. فقط تناول الحساء، وستجد الإجابة في كل ملعقة."... " اترى ذلك المصحوق الأبيض؟... انه مكون جديد من صنعي، انه مصحوق العضام ، حتى لو كانت الكمية كثيرة فالمنتوج قليل لكن الطعام يصبح جيد بفضله.. خاصة اذا كان من نفس لحمك و دمك.. "

كانت الملعقة تلامس شفتيه، وكان نيرو يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يرفض. اللعاب الذي يخالطه الحساء كان ينساب من فمه بشكل غير إرادي، محاولًا رفض ما يحدث، لكنه كان مجبرًا على التجرع. كانت النكهة كالحرق يختفي الألم و يبقى الندب ، كأنها تلتهم حواسه وتغزو كل جزء منه. كان قلبه يزداد قسوة، وكان يشعر بأن هناك شيئًا ثقيلًا يتسرب إلى جسده، مثل سم بطيء.

"أنت تحاول الهروب، لكن هذا لا يفيدك." قال الرجل، وهو يربت على رأسه بلطف، بينما كانت عينيه تتأملان نيرو، وكأنهما تتفحصان كل نقطة من ضعفٍ فيه. "كلما قاومت، كلما أصبحت أكثر جزءًا من هذا الكابوس، ولكنك لن تجد النجاة إلا إذا اقتنعت بأنك جزء منه."

نيرو، الذي بدأ يشعر بكل قسوة هذه الكلمات، كان عقله لا يزال يعمل بشكل مفرط في محاولة لإيجاد مخرج، لكنه لم يقدر على التوقف عن تناول الحساء. اللعاب ينساب من فمه كدليل على مقاومته، ولكنه شعر في نفس الوقت بشيء غريب، كأن النكهة القاسية تتغلغل في قلبه، تكسر حاجزًا داخليًا لم يكن يعرف بوجوده.

"أتمنى أن تستمتع، نيرو." قال الرجل بابتسامة خفيفة، وهو يشاهد نيرو يكاد يبتلع ما تبقى من الحساء. "فالطعام له طعمه الخاص في كل لحظة. أليس كذلك؟"

بعد تلك الحادثة، أصبح نيرو محاصرًا في هذا المكان المظلم، عاجزًا عن الهروب أو المقاومة.

الأيام تمر ببطء، ومرارة الفقدان والتعذيب تتغلغل في أعماقه بشكل مستمر. كان محبوسًا في هذا القبو الغريب الذي تحول إلى سجنه، مع تلك الأدوات التي تثير في نفسه رعبًا مستمرًا. كان يعتقد أن الأمور قد تصل إلى حد الانهيار، لكنه اكتشف أن الكابوس كان أكبر مما تصوّر عقله ذو الثمان سنوات.

كل يوم، كان الرجل يأتي حاملاً أطعمة مختلفة، يضعها أمام نيرو بطريقة روتينية. كان الطعام دائمًا مختلفًا، أحيانًا أطباق مليئة باللحوم التي لا يعرف من أين أُحضرت، وأحيانًا أطباق تحتوي على مكونات لم يرها من قبل، غريبة الطعم واللون. في بعض الأيام، كانت الأطباق تحتوي على طعام يبدو مألوفًا، لكنه كان مشحونًا بنكهات غريبة تثير مشاعره وتجعله كارها لذاته. كان يشعر بأن الطعام، بصرف النظر عن شكله، كان نوعًا من العقاب النفسي، نوعًا من الوسيلة لتقوية قبضة الرجل حول عنقه .

كان يأتي في بعض الأيام، حاملاً طبقًا مليئًا بحساء يشبه الحساء الذي أجبره على تناوله لأول مرة. لكن هذه هذه المرة بقطعة مختلفة من اللحم، كان الرجل يتحدث بنبرة هادئة، يحاول أن يخفف من أثر التوتر الذي يسكن قلب نيرو.

"هذه الوجبة معدة من رونا الأخت الكبرى اللطيفة و الحنونة " قال الرجل، وهو يضع الطبق أمام نيرو. "لن يكون الأمر سهلًا عليك، لكنك ستتعلم التكيف. مثلما كنت تتكيف مع الطعام من قبل، لا فرق بين طعام تعده رونا و بين طعام معد من رونا لا يوجد شيء صعب إذا نظرت إليه بالشكل الصحيح."

بينما كان نيرو ينظر إلى الطعام الذي أمامه، كانت رائحة اللحم تملأ المكان، وتشعره بشيء من الغثيان. كان يعلم أن هذه الوجبة لا تشبه أي شيء تناوله من قبل، لكن تلك النكهات القوية لا يمكنه الهروب منها. كان يرفض تناولها، لكن الرجل، وكعادته، كان يظل يراقب بهدوء، مع ابتسامة صغيرة على شفتيه، كأنه ينتظر اللحظة التي سيستسلم فيها نيرو.

وفي يوم آخر، كان الرجل يأتي حاملاً طعامًا مختلفًا، يبدو أنه تم تحضيره خصيصًا له كبقية الأطباق المميزة . كان طبقًا مختلفًا تمامًا، وأصبح أكثر غرابة من الأطباق السابقة. كان يحتوي على مكونات غريبة من الخضار والبهارات التي لا يستطيع نيرو حتى تفسيرها. بينما كانت رائحة الطعام تملأ الأنفاس في المكان المغلق، شعر نيرو بشيء من الضعف. في تلك اللحظة، تذكر رونيا أخته الصغيرة الجميلة اللتي كانت جزءًا من حياته.

"هذا الطعام معد خصيصًا لتتذكر رونيا بشكل جيد، لقد كانت بريئة للغاية لذلك حاولت قدر الإمكان الحفاظ على براءتها من خلال طبخي ." قال الرجل بلطف، وهو يضعه أمامه. "ليس كل طعام يمكنك تحضيره بسهولة، نيرو. لكن رونيا تستحق هذا. تستحق ان اتعب نفسي لأطبخ هذا، لازلت أتذكر كيف كانت تنام في حضني بسلام،انها لطيفة للغاية.. عندما تأكل الطعام جيدًا و تتذوق الحياة في كل قضمة ستشعر بذلك "

كان نيرو يراقب الطعام ، كان يشعر بشيء غريب يختلط في صدره. كان الرجل يوجه له كلمات لاذعة، وكأن الطعام جزء من لعبة خطيرة. ومع مرور الأيام، أصبح نيرو يعرف أن الطعام لم يعد مجرد وجبة، بل أداة من أدوات السيطرة عليه. كان جسده يضعف، ويشعر بحاجته للطعام، ولكنه كان يعارضه بشكل غير واعٍ، في محاولة للهروب من تلك القبضة التي كانت تزداد قوة.

ومع مرور الأيام، ومع كل وجبة جديدة، أصبح الطعام شيئًا أكبر من مجرد شيء يأكله. كان جزءًا من تجربة مؤلمة، وعقابًا مستمرًا يوجهه الرجل تجاهه. ومع ذلك، بدا أن الرجل يوجهه بطريقة غريبة، وكأن كل طبق يحمل رسالة لم يفهمها نيرو بعد.

"في النهاية، نيرو، الحياة تدور حول التكيف مع ما هو أمامك." قال الرجل بابتسامة متسعة. "وأنت هنا لتتعلم كيف تكون جزءًا من هذه الدائرة.

مع مرور الأيام، بدأ نيرو يشعر بشيء غريب ينمو في قلبه، شيء كان يرفضه في البداية، لكنه بدأ الآن يواجهه بلا مقاومة. كان في البداية يقاوم الطعام بكل ما أوتي من قوة، يرفض أن يُجبر على تناوله، لكن مع كل وجبة جديدة، كان يزداد شعورًا بالضعف، وكان اليأس يتسلل إلى قلبه شيئًا فشيئًا.

في تلك اللحظة، وبينما كان الرجل يضع أمامه الطبق الجديد المليء بالطعام الذي لا يستطيع نيرو تفسيره، شعر بشيء غريب. كان العرق يتصبب من جبينه، وقلبه ينبض بسرعة، وكان جسده يرفض الاستسلام، لكن شيئًا ما في أعماقه بدأ ينهار. كان يعلم أن مقاومته لن تغير شيئًا. كانت تلك الوجبات جزءًا من لعبته المستمرة.

"كل... كل هذا... كان لك... وليس لي." همس نيرو بصوت منخفض، وهو ينظر إلى الطبق أمامه. كانت الدموا تملأ عينيه، لكنه لم يكن يستطيع أن يوقف هذا الرجل لا إنساني. كانت دموعه تنساب على خديه البريئتين ، مثل نهر غاضب. "لم أعد أستطيع... أريد أن أرحل..."

لكن الرجل، الذي لم يظهر أي نوع من الغضب، نظر إليه بلطف وقال: "كل شيء له دوره في هذه الحياة، نيرو. و أنت عليك إكمال دورك ."

نزلت دمعة أخرى من عينيه، وهو لا يستطيع أن يمنع نفسه. ثم، بهدوء شديد، بدأ يرفع الملعقة إلى فمه، وكأن جسده يسير دون إرادته. كانت اليد التي كانت ترتجف وتتحرك ببطء، كانت تعكس مقاومته الداخلية التي كانت تتآكل بمرور الوقت.

الطعام كان غريبًا جدًا، نكهته غريبة وغير مألوفة مثل بقية الأيام . كان يشعر بأن كل قضمة تؤلم روحه أكثر من جسده. اللحم في فمه كان مطهوًا جيدا و على مهل ، وكان مزيج النكهات والروائح يؤلمه أكثر مما يمكنه تحمله. كان يبلع الطعام كأنما يبلع مرارة الحياة نفسها، كأنما يبتلع كل الوجع الذي يشعر به... انه يتذوق الموت نفسه.

"ماذا حدث لي؟" فكر نيرو بين دموعه. "لماذا لا أستطيع أن أهرب من هذا؟"..." فقط لو لم أقبل تلك الطيبة... أنا كنت سأستمر في العيش كما كنت..."

كانت دموعه تتساقط على الطعام، وعيناه مليئتان بالمرارة. ومع كل قضمة، كانت عينيه تتسعان، وكأنما كان يشعر بثقل كل ما مر به، كل لحظة من الخوف والعجز، وكل لحظة من الألم الذي مر به منذ أن جاء إلى هذا المكان...بل حتى الذكريات الجيدة مع "رونيا و رونا" أصبحت مخيفة و حادة كالفأس، حتى صوته أصبح متقطّعًا و أجشا بسبب البكاء، لكنه استمر في الأكل بلا مقاومة.

"أنت الآن جزء من هذا، نيرو." قال الرجل، وهو يراقب نيرو بعينيه التي لم تفارقهما لحظة. "كل جزء منك، سيصبح أكثر قوة بمرور الوقت."

كانت الكلمات كأنها تثقل قلبه، لكن نيرو استمر في تناول الطعام، وهو يزداد شعورًا بالضياع. كانت دموعه تسيل، ولكنها لم تكن فقط دموع حزن، بل دموع فقدان الذات. كان يتخيل نفسه يعود إلى حياته القديمة، حيث كان في أمان، حيث كان يظن أن كل شيء ممكن. لكن الآن، أصبح كل شيء غريبًا، وكل شيء مؤلم.

وفي تلك اللحظة، وهو يواصل تناول الطعام وهو يبكي، شعر بشيء غريب في قلبه: استسلام. استسلام لم يكن يريد أن يشعر به، لكنه كان يغلفه شيئًا فشيئًا، كما لو أن جسده بدأ يتقبل واقعه. كان يعتقد أنه لم يعد هناك مجال للهروب، وأنه لا يستطيع الهروب من قبضته.

ومع مرور الوقت، أصبح البكاء في عينيه أقل، لكن الشعور بالمرارة لم يختفِ. كلما تناول الطعام، كان يشعر وكأن شيء ما ينهار بداخله، لكن شيئًا آخر كان ينهض في أعماقه. ربما كان يظل يتساءل: هل هذا هو مصيره؟ هل هذا هو الطريق الوحيد الذي يمكنه السير فيه الآن؟

"أحسنت ايها الطفل، اه نسيت إخبارك بخبر... في الواقع آخر لحم تناولته كان اليوم"

بينما كان نيرو يرفع الملعقة بيد مرتجفة، ودموعه تتساقط على الطعام، شعر بشيء غريب في قلبه. كان عقله ما زال يحارب، لكنه بدأ يشعر وكأن قوته الداخلية تتآكل ببطء، كما لو أن الجدران التي بناها حول نفسه تبدأ في الانهيار شيئًا فشيئًا. لم يكن يريد أن يأكل، لكنه لم يعد يمتلك القوة لمقاومة الأمر. في تلك اللحظة، شعر بشيء ثقيل في الجو، كما لو أن الوضع على وشك أن يتغير بشكل لا رجعة فيه.

ثم، بينما هو يرفع الملعقة إلى فمه، جاء صوت الرجل الهادئ، لكن عبارته كانت مختلفة هذه المرة.

"أحسنت أيها الطفل." قال الرجل بصوت هادئ، وقد بدت على وجهه لمحة من الرضا. "أنت بدأت تفهم."

نيرو توقف عن تناول الطعام للحظة، وألقى نظرة عميقة على الرجل، الذي ابتسم ابتسامة غريبة قبل أن يضيف بهدوء: "آه، نسيت أن أخبرك بخبر... في الواقع، آخر لحم تناولته كان اليوم."

توقف كل شيء في ذهن نيرو للحظة. فمه جفّ، وارتجف جسده كما لو أنه تلقى ضربة في قلبه. كان الطعام في فمه يختلط بحمض المعدة، ورائحته أصبحت أكثر حدة من أي وقت مضى. شعور غريب من الصدمة اجتاحه، وعينيه بدأت تغلقان بسبب الدموع التي لا يمكنه منعها.

"ماذا؟" همس في نفسه، بينما كان يتساقط الطعام من فمه دون أن يلاحظ. "آخر لحم؟ هل يعني ذلك..."

ثم استمر الرجل في حديثه، وهو يراقب نيرو بعينين لا تحملان أي شفقة، بل نوعًا من الرضا البارد.

"نعم، آخر لحم كان اليوم. ومعه، انتهى كل شيء. أظن أن هذا هو المكان الذي تبدأ فيه النهاية، نيرو. الطعام الذي كنت ترفضه طوال هذه الأيام كان مجرد بداية. ولكن عندما أكلت اليوم... أنت بذلك قد دخلت في مرحلة جديدة. مرحلة لا عودة منها."

شعر نيرو بدموعه تتساقط بشكل أسرع، كان يبلع ببطء، لكن كل قضمة كانت تؤلمه أكثر من السابقة. كان كل شيء يتداخل في رأسه: الخوف، والذنب، والحزن، والغضب. كان يظن أنه على الأقل يمكنه الهروب من كل شيء، لكن الآن كان يدرك أن الأمل أصبح أكثر بعدًا. كانت ابتسامة الرجل تشي بشيء مظلم، وشيء لا يمكنه تفسيره.

"أنت الآن في المراحل الأخيرة." قال الرجل، وهو يضع يده على كتف نيرو بطريقة شبه حانية. "هذا هو الختام الذي كنت أنتظره. لكن استمتع به، نيرو. لأن هذا هو ما سيجعلك تدرك كل شيء."..." لو لم تستسلم كنت ستظل إنسانا مؤسف لك "

بعد أن أخبره الرجل بكل ما كان يحمله من نوايا، تحول المشهد فجأة. في لحظة لا يمكن لنيرو أن يفسرها، شعر بشيء غير مريح في الأجواء. كان الرجل يراقبه بتلك النظرة التي حملت شيئًا من الدفئ المزعوم شيء كان غريبًا عليه، كأن كل ما فعله في الأيام الماضية لم يعد يهمه. كان كما لو أنه قد أكمل مهمته، وكانت تلك المهمة قد أُنجِزَت.... مهمة تجريده من شيئ ما.

ثم، وفي اللحظة التي توقف فيها نيرو عن الأكل، نظر الرجل إليه بعيون مشبعة بالغموض، وابتسم ابتسامة باردة، كأنه يودع شيئًا و ليس شخصا.

"أنت هنا الآن، نيرو. في مكانك، في حالتك. حان الوقت لي أن أذهب." قال الرجل بهدوء، وصوته لم يحمل أدنى نبرة من الشفقة. بل كان يحمل شيئًا آخر... شيئًا من الفتور التام.

نيرو، الذي كان يغرق في مشاعره المشتتة، لم يفهم تمامًا. "ماذا؟ إلى أين تذهب؟... إلى أين تظن نفسك ستذهب بعد كل هذا؟ " همس وهو يرفع رأسه ببطء، لكن الرجل لم يلتفت إليه. كان قد بدأ في التحرك نحو الباب المظلم الذي أدى إلى الخارج.

"لا تكثر الأسئلة." رد الرجل، وفي صوته كان هناك إغلاق نهائي لكل شيء. "لقد أكملت ما يجب أن أفعله. أنت هنا وحدك الآن، نيرو."

كانت كلماته أخف من رياح الليل، لكن وقعها كان ثقيلًا على قلب نيرو. تركه الرجل هناك، في نفس القبو المظلم، وسط أدوات الموت، وأواني الطعام التي تذكره بشقيقتيه التي تم التلاعب بهما و به. تركه مع آلامه ودموعه التي لا يستطيع أن يوقفها، و حتى لو توقفت ستبقى أثارها للأبد. ومع ذكرى آخر لحم تناوله والذي سيتردد في ذهنه لوقت طويل.

لم يكن هناك أي شيء في كلمات الرجل التي تنبئ بنية العودة. لم يكن هناك أي تعبير في وجهه يشير إلى أن الأمر كان مجرد خدعة. كل شيء بدا حقيقيًا في تلك اللحظة. ترك نيرو في الظلام، وحيدًا، وأدرك أخيرًا أن الرجل لم يكن مجرد شخص عابر في حياته، بل كان هو الزلزال الذي هدم كل شيء في قلبه.

مع اختفاء خطوات الرجل، شعر نيرو وكأن الزمن توقف فجأة. أصبح الهواء أكثر كثافة، والظلال التي كانت تخترق القبو أصبحت أكثر إثقالًا. كان المكان يعج بالأصوات الصامتة، التي كانت تتردد في ذهنه كأصداء داخل رأسه. حتى الأدوات الحادة، والسكاكين التي كانت تدور في ذهنه، أصبحت تتناغم مع الصمت القاتل الذي ملأ المكان.

2025/01/09 · 43 مشاهدة · 7752 كلمة
Natali__999
نادي الروايات - 2026