في زاوية صغيرة، بالكاد تُلاحظ، في أعماق قلب الإنسان، تكمن قساوة خفيفة، كظل شاحب لشيء أكبر . لكن مع الوقت، ومع كل خيبة وكل كذبة، تنمو تلك القساوة ، تتغذى على الأحلام المحطمة والأوهام الزائفة، لتصبح وحشًا جائعًا متملكا يلتهم صاحبه قبل أن يلتهم من حوله.
---
تظهر الحقيقة، غالبًا، من أعلى النقاط، كأنها تخشى الظهور وسط الفوضى. ومن موقعنا الحالي على سفح جبل بعيد، كنا شهودًا على مشهد أخّاذ. هناك، حيث تمتد أرض أنشلوس، جمالها لا يُقاوم، لكنه جمال يُخفي شيئًا معقدد . الوديان تنساب كالعرق على جبين الأرض الخصبة ، تتشابك مع الطبيعة كلوحة مُتقنة، فيما تقف الجبال مثل حُرّاس صامتين ، شهداء على مرور آلاف السنوات من التاريخ المكتوب بالدماء.
أنشلوس، تلك المملكة التي يُقال إنها نالت حظوة السماء، عاش سكانها بسلام لعقود. لكن الهدوء الذي يكسوها يشبه الهدوء الذي يسبق عاصفة تُدمر كل شيء في طريقها. بالنسبة لهؤلاء الناس "السعداء"، لا وجود لعالم خارج حدودهم. أنشلوس هي الحافة والبداية، الوجود والعدم.
" يعيشون في سعادة من صنع رغباتهم و إسهماتهم شيئ غير واقعي و غير ملموس"
لكن، إذا تجرأت ونظرت خلف الحافة، إلى ما وراء السُتُر التي أخفتها يد الزمن الباردة و القاسية ، سترى الحقيقة. هناك، خلف أسطورة أنشلوس، توجد مملكتان أخريان؛ سِنا في الشرق، وريسا في الغرب.
سِنا، حيث الذكاء هو السلاح الوحيد لك للنجاة ، وحيث لا يُعتمد إلا على العقول في فك الأسرار و فهم إيديولوجية الحياة. لم يكونوا بشرًا بالمعنى التقليدي، رغم تشابههم. قيل إنهم يستطيعون اكتساب المعرفة بمجرد النظر، عيونهم تخترق ما وراء الطبيعة
لكنهم دفعوا ثمنًا غاليًا مقابل ذلك: روحهم.
أما ريسا، فقد كانت نقيضهم التام؛ أمة تؤمن بالقوة والشرف، تُقاتل حتى النهاية دفاعًا عن أبسط مبادئها، منسجمة مع الطبيعة تستمد قوتها من الأرض نفسها.
لكن، لماذا لا تعرف أنشلوس عنهم؟ ولماذا لا يتجرأ أحد على الحديث عن هذه الممالك الثلاث وكأنها أجزاء متناثرة من سرٍّ عظيم؟
الإجابة تكمن في "النيون"، تلك الأختام الأسطورية. كانت النيون سحرًا هائلًا صنعه السنا، بناءً على طلب من حُكماء أنشلوس، لفصل كل أرض عن الأخرى. أُرسلت كل مملكة إلى بُعد موازٍ، ليعيش الجميع في عزلة، معتقدين أن عالمهم هو العالم الوحيد، لتكتمل" السعادة".
لكن، كما هو الحال مع كل شيء، فإن الجشع لا يترك شيئًا مكتملًا. النيون نفسها لم تكن مثالية. بدأت الشقوق تظهر مع مرور الوقت. صوت الطبيعة الأم همس في آذان أولئك الذين يعرفون كيف يصغون: "الأختام تضعف. قريبًا، سيعود كل شيء إلى ما كان عليه. وحين يحدث ذلك، لن يبقى مكان للسلام."
---
الآن، على سفح الجبل، حيث تهب الرياح كأنها تحمل أسرارًا قديمة، شعرتُ بشيء غريب. الهدوء كان كثيفًا، ثقيلًا، كأن الأرض تحبس أنفاسها استعدادًا لما هو قادم.
"إنه على وشك الاستيقاظ... قريبًا لن يكون هناك مجال لشيء لطيف كالسلام."
تمتمتُ بها كأنني أخشى أن تسمعني السماء فتستعجل في تحقيقه. لم تكن كلماتي إلا محاولة يائسة لتثبيت شجاعتي المتآكلة
هناك، على الصخرة، جلس رجل أشبه بالظل المتجسد. عباءته السوداء التفت حوله كأنها امتداد لجسده، تخفي كل ملامحه باستثناء فمه. كان مبتسمًا، ابتسامة بالكاد تُرى، لكنها تحمل وزنًا ثقيلًا، متجسدة في شكل إعلان عن حقيقة لا يمكن إنكارها، ساخرة و باردة .
جلسته كانت مُربكة. لم يكن يتحرك، لكنه لم يكن جامدًا؛ كان أشبه بكيان ينبض بالقوة، يفرض حضوره على الجبل بأكمله. الرياح نفسها بدت وكأنها تدور حوله بحذر، كأنها تخشى الاقتراب أكثر مما ينبغي.
"هل حقًا الأمر كذلك؟" قال، بصوت خافت لكنه اخترق أذني كخنجر. كان صوته أعمق مما توقعت، يحمل في طياته قِدمًا مرعبًا و عضيما. كأن كل كلمة تخرج منه تُلقي بثقلها على صدري، تُخبرني أنني صغيرو جدًا، ضعيف جدًا أمام ما يمثّله هذا الكيان .
شعرتُ بنظراته، رغم أن عينيه مخفيتان. لم تكن نظرة عادية؛ كانت شيئًا يتجاوز الفهم، كأن روحي نفسها تُسحب من داخلي لتقف أمامه عارية بلا حماية. كان حضوره يلتهم المساحة، يجبرك على الشعور بالعجز المطلق أمامه ، أنا مجرد ذرة تافهة في حضرة جبل من الغموض والرعب.
"سيكون الأمر مثيرًا من الآن..." أكمل، وتلك الابتسامة على شفتيه اتسعت قليلاً. لم تكن ابتسامة بشرية؛ كانت شيئًا أكثر برودة، أكثر رعبًا، كأن الفوضى نفسها تختبئ خلفها....شيئ ليس بشري.
الأرض اهتزت قليلاً، كأنها استجابت لكلماته. شعرتُ بالهواء يصبح أثقل لدرجة أن أنفاسي بدأت تخرج في شهقات قصيرة ،كان يحمل معه رائحة غريبة، مزيجًا من التراب والدماء القديمة.
"عندما يحدث ذلك... ما سيستيقض هل هو شيئ مرعب " سألته، بصوت بالكاد خرج من حلقي.
لم يرد على الفور، لكنه أمال رأسه قليلاً، كأنه يُقيّمني، يزن وجودي وكأنني شيء يُقرر ما إذا كان يستحق الإجابة أم لا.
"شيء لا يمكنك فهمه... شيء لا ينبغي أن تفهمه. " قال أخيرًا، بصوت أكثر انخفاضًا لكنه أكثر حدة، مع إبتسامة ساخرة "حين تنكسر القيود، حين تنتهي الأوهام، ستعرف... لكنك لن تبقى لتروي ذلك... ببساطة أنت لا تستحقين المعرفة "
كانت كلماته كالسوط تجلد أعماقي دائما . شعرتُ أن وجودي هنا لم يكن اختيارًا، بل دعوة غير مرئية، دعوة لمواجهة شيء أعظم مني، شيء لا يمكن مقاومته... كل شيئ من تخطيطه هو... كل شيئ ملكه ما هو ليس ملكه لن يستطيع الوجود... مخيف...
ارتجفتُ بقوة، لكنني تمالكتُ نفسي بصعوبة. لم يكن لي خيار آخر. إذا كان هناك شيء قادم، عليّ أن أكون مستعدة... مهما كان الثمن.
"خُذِ هذا. سيفيدك."
رمى لي سوارًا أبيض، نقوشه المتشابكة بدت كأنها تتنفس تحت الضوء الخافت، ترسم دوامات غامضة تتحرك ببطء وكأنها تسخر من جهلي. أمسكتُه، وشعرتُ بحرارة غريبة تتسلل إلى كفي. نبضٌ بطيء لكنه ثقيل، كأنه يختبرني. كنتُ أعرف ما هو. شيء كهذا ليس هدية؛ إنه مسؤولية.
"هل أنت متأكد؟" سألته بصوت بالكاد خرج من بين شفتيّ.
لم يُجب. لم يتحرك حتى. عيناه، المخفيتان تحت العباءة، بدتا كأنهما تثبتانني في مكاني، تُقيّمانني بلا رحمة.
"قلتُ: هل أنت متأكد؟" رفعتُ صوتي هذه المرة، محاولة يائسة لكسر ذلك الجدار الثقيل الذي يفصل بيننا.
فجأة، شعرتُ بالهواء يتغير من حولي. ثِقل رهيب سقط على صدري، كأن الجبل نفسه قرر الانحناء ليضغط عليّ. ركبتيّ خذلتاني، وسقطتُ على الأرض بلا مقاومة.
بدأتُ أسعل بشدة، شعرتُ بشيء حارق في حلقي. رفعتُ يدي إلى فمي، وإذا بالدماء الحمراء الداكنة تتساقط منها على الأرض. نظرتُ إليه، محاولة فهم ما يجري، لكن وجهه ظل ثابتًا بلا تعبير، كأنه يستمتع بصمته القاتل.
"ما... ما الذي فعلتَه بي؟" قلتُ بصوت متقطع، ألهث مع كل كلمة.
لم يكن هناك إجابة. فقط ذلك الثِقل الذي يزداد، يضغط على عظامي، ينهش روحي. شعرتُ كأنني على وشك الانهيار الكامل، كأن حياتي تتلاشى ببطء تحت هذا العبء غير المرئي.
ثم، بهدوء غريب، نطق أخيرًا:
"إن كنتِ لا تحتملين السؤال... كيف ستتحملين الإجابة؟"
نهض بثبات مُخيف، خطواته لا تحمل أثرًا لكنها تملأ الهواء بوقعها. مشى نحوي بثقة أشبه بفخامة الموت ذاته، ثم توقّف أمامي.
بهدوء غريب، مدّ يده نحوي. لم أستطع التحرك، لم أجرؤ حتى على التنفس. لمس خصلة من شعري، ورفَعها بلطف غريب يتناقض تمامًا مع الثِقل الذي أشعر به. كان هذا اللمس أشبه بتذكير مؤلم بعجزي.
"لمس... خصل شعري الصفراء، كانت مجرد شعر مستعار
"بما أنني أعطيته لك فأنا متأكد " قال بهدوء أشبه بالهمس. "الجميع يحاول التغابي حتى أنت"
ابتسامته اتسعت قليلاً، لكن في أعماقها كان هناك شيء مظلم، شيء أشعرني كأنني أواجه مرآة عارية لا أستطيع الهروب منها.
"و انا أكره هذا النوع انه غير ممتع، لا اريدك ان تجعليني احس ان هذا السوار أغلى من أن يصبح ملكك، أنت تعرفين ماذا يحدث عندما تحصل على أكثر من ما تستحقه"
لكن تلك الكلمات، برغم نغمتها اللطيفة، بدت كأنها خنجر مغروس في صدري. شعرتُ بارتجاف داخلي لا يمكنني السيطرة عليه، ثم همستُ، بالكاد أستطيع الحديث:
"أنا... أنا آسفة... على إكثاري الكلام."
ترك خصلة شعري برفق، ثم وقف وابتعد بخطوات هادئة لكنها ثقيلة بأثرها. حدّق في السوار الذي يلتفّ حول معصمي، ثم قال بصوت صداه يتردد في أعماقي:
"استمري في العمل الجاد، لأجل مصلحتك بالطبع."
اختفى بعدها كما ظهر، تاركًا إياي في مواجهة سوار ينبض بدقات الموت...