يتوقف النجم عن اللمعان عندما يتوقف قلب صاحبه. أمامي تقف تلك العيون... أشبه بجمرات لم تُضرم بعد. نيران تحترق ببطء، كما لو أنها تنتظر وقودًا لتحترق حتى النهاية.
هناك نوعان من الناس في هذا العالم: الواقفون خلف الأسوار، والصامتون أمام النار. أما أنا؟ أنا من أختار الوقوف على الحافة.
أنا "الوغد".
ذلك الذي يحمل راية الحماية لكن لا يعرف معنى الوفاء. ذلك الذي يدفع عربة الخير لكنه يتركها لتسقط عند أول عقبة.
أنا البطل الذي سعى نحو المثالية، ثم ضحك من نفسه عندما أدرك أنها مجرد سراب.
حتى الآن، وهو يموت أمامي... يقف بكل جسارته، وظهره لي.
هو يحميني من الخطر، وأنا، الوغد، أراقب بلا مبالاة وأتساءل عن جدوى كل هذا العبث.
"اهرب يا راي..."
صوته، كأنه يخاطب شيئًا بداخلي مات منذ زمن طويل.
"لا داعي لأن تضحي. لا أحد سيلومك."
لكنني لا أسمع كلماته... إنها تسقط في فراغ قلبي الخالي.
أردت أن أضحك.
لو كان الهرب خيارًا، لتركته منذ زمن. لكن، لا.
أنا لا أهرب، لأنني الوغد.
والوغد لا يعرف إلا البقاء وسط النار، مشاهدًا كيف يحترق كل شيء.
---
قبل ثلاث سنوات
مملكة أنشلوس، سنة 1099 – المدرسة
[منظور راي]
ها أنا أقف مرة أخرى في هذا المكان الذي يشعرني وكأنني ممثل على خشبة مسرح. المدرسة... مشهد مليء بالممثلين الثانويين الذين يلعبون أدوارًا لا تتغير أبدًا:
الفتاة المتعالية، الفتى العنيف، الأستاذ الساخر، والتلميذ الأحمق... أنا. لا فرق بيننا، كلنا نسير في نفس المسرحية البائسة، وكلما مررنا في المشهد ذاته، أصبح أكثر رتابة.
"راي، لما أنت شارد؟ انتبه للدرس!"
الأصوات تزعجني، لكنني لا أبالي. أرفع رأسي ببطء، كما لو أنني استعدت اللحظة التي سأكون فيها حاضرًا، رغم أنني في مكان آخر تمامًا. أستقيم في مكاني وأقول ببساطة، دون أن أشعر بحرف واحد من تلك الكلمات:
"آسف، لن أعيدها. هذه المرة سأكون أكثر حذرًا."
كذبة. أنا لا أهتم. أقولها لأنني أعلم أنها ستُنسى كما تُنسى ككل كلماتي.
من يهتم بما أقول أو أفعل؟ الحياة نفسها لا تلتفت إليّ.
خلفي، همسات السخرية ترتفع. لا أدري إذا كان هذا يخصني أو إذا كانت مجرد أصوات عابرة في يوم رتيب:
"يا له من غبي."
"كلما سمعت صوته أتوق لضربه."
"جاك، سدد لي معروف."
أدير وجهي لهم بابتسامة مرسومة بعناية. حتى الابتسامة ليست أكثر من تَفَاهة، مجرد تحايل وتشويه للواقع. لا أحد يهتم بما أقول أو كيف أبدو.
"آه، شكرًا على اهتمامكم. أعدكم بأداء أفضل في المشهد القادم."
ينتهي الفصل كالعادة، كأي فصل آخر...
مع نهايته، يبدأ المشهد الثاني مباشرة دون استراحة... الممثلون متحمسون ليصبحوا شخصيات رئيسية ذات يوم. يتجه نحوي فجأة، والمشهد ينتقل بسرعة إلى ذروة العنف. يشعرني جسده المندفع وكأنني مجرد خيال، لا أستطيع الهروب من مصيري.
"أمسكوه جيدًا! سألقنه درسًا."
أنا هنا، الشخصية المظلومة الذي يُسحق أمام تصفيق الجمهور. لا معنى لهذا المشهد. "إلى متى سأستمر في لعب هذا الدور؟"
... من يدري...
نسيت للحظة كيف يكون تعبير شخص في موقفي. إنه خطأ كبير بعض الشيء، جعلت وتيرة الضرب تتسارع أكثر فأكثر. لا ألم محدد، لكن هذا سيترك أثرًا...
كل ضربة تسقط عليّ تأخذ مني جزءًا، جزءًا صغيرًا من نفسي. شعرت بالضربة الأولى كالصاعقة، تُحطم استقامة جسدي وتُسقطني على الأرض. لكنني لا أستطيع التوقف. لا أستطيع الهروب. يديّ ترتجفان، وقلبي يضخ بسرعة وكأنني في سباق مع الوقت. لا أستطيع التفكير. فقط أتفاعل... مثل دمية في يد الآخرين.
أنظر لجاك ومن حوله. أحاول الارتجال، أحرّك عينيّ بخوف، أعض شفتَيّ برهبة، تبجيل زائد عن اللزوم. أرتجف خوفًا. أجثو على ركبتي... تبا، ملابسي كانت نظيفة، لكنني أصلحت السيناريو. جاك يستأنف ضربي بابتسامة أوسع، يريد سماع المزيد من الترجي. أقول دوري، وأصرخ بخوف.
"أرجوك... أرجوك سامحني. سأفعل كل ما تريده... أرجوك!"
كل كلمة تخرج من فمي تصبح أضعف من سابقتها، تتسرب إلى الفراغ ولا تجد آذانًا صاغية. هذا ليس الألم الجسدي فقط، بل هو الألم النفسي الذي يزداد بمرور الوقت.
ممل... أنا الأحمق في هذا الدور، لكنني اخترت هذا الدور. لأنني أنا كاتب هذه المسرحية والمتحكم فيها...
لكنها أمل من المتوقع، لا شيء يضيف إليها جديدًا. لا أحد يخرج عن نصه. ضربات جاك تصبح أكثر قوة، تتسارع بسرعة أكبر، بينما أعلم أنني لا أستطيع إيقافها. أصوات الجموع تتلاشى في أذني، أصبح الصوت الوحيد هو ضجيج قلبي، والآلام المتناثرة على جسدي.
---
في النهاية، أبقى مرميًا على الأرض، جسدي ممدد كأنني مغمى علي من شدة الضرب. الدماء تتناثر على ملابسي، ووجهي الذي كان في يومٍ ما يحمل علامات حياة، أصبح الآن مجرد قناع مهدم . لا أستطيع تحريك أطرافي، أشعر بدوخة . لو أردت يمكنني جعل اللعبة أكثر إثارة ، فأنا المتحكم في قواعدها، حتى لو كان العالم من حولي لا يدرك ذلك.
تنهد
أشعر بشيءٍ من اللامبالاة وأنا على الأرض. الألم؟ كان بإمكاني تحمله، لم يكن أكثر من مجرد عرض جانبي في لعبة مملة. شعور غير مرئي او واضح لأن الإحساس داخلي يلتهمه.، ببساطة، أنني اخترت هذا الدور. لقد اخترت أن أكون الضحية في هذا المشهد... أعتقد انه أفضل من المتنمر الرخيص.
إذا أردت، يمكنني أن أضربهم جميعًا، أن أوقف هذه المهزلة بكل سهولة، لكنني لا أحتاج لذلك الآن. هناك متعة في المراقبة، في إظهار أنهم في النهاية ليسوا أكثر من دمى في يدي. لا شيء يُشبعني أكثر من رؤية الوجوه المنقلبة، من رؤية كيف يظنون أنهم يسيطرون على اللعبة بينما أنا من أكتب قواعدها.
أحاول أن أرفع جسدي المتهدم. الألم الذي يشعر به جسدي ليس إلا ناتجًا عن تنفيذي لمشهد أعتقد أنني لا أستطيع الهروب منه، حتى لو أردت. أستطيع أن أقول إنني مجرد شخص عادي، ضعيف، مستسلم... هذا مريح أكثر..
أخيرًا، أتمكن من الوقوف. قدماي ترتجفان، لكنني أبتسم لنفسي. لا أحد يعلم. حتى عندما أصرخ من الداخل، تظل الحياة تدور كما أردت لها أن تدور.
أغادر، بخطواتٍ بطيئة كأنني على دراية أنني أؤدي دورًا آخر. لا شيء يهم الآن. لا شيء يتغير. هذا المشهد، مثل كل مشهد في حياتي، يعيد نفسه، وأنا من أختار كيف ينتهي.
في مكان آخر داخل عقلي، أرى نفسي أقف فوقهم جميعًا.
لكن هنا؟
أنا الضحية.
في النهاية، أنا مجرد ظل في عالم مليء بالظلال.
---
بمجرد أن أخطو داخل المنزل، تسقط الستائر. المسرح يختفي، والجمهور يصمت. في الداخل، لا توجد أضواء، لا صخب، فقط صمت يملأ الفراغ. كل شيء ميت. كل شيء ثابت. المنزل هنا، كما كان دائمًا، بسيطًا. يتكون من غرفتين: و مساحتين للمطبخ وأخرى للمعيشة. وكل شيء فيه تقريبًا مصنوع يدويًا من الخشب، بما في ذلك الأثاث الذي يعود ليد والدتي. أريكة جلدية تجلس عليها أمي لشرب الشاي، وكأنها تلك الزهور التي تجف في صمت، لا أمل منها ولا من وجودها. لا شيء يتغير.
"راي، عدت أخيرًا." صوتها الرقيق يعبر عن شيء غير مرئي، ربما فراغ غريب يملأ المكان، كأن الكلمات هي آخر ما تبقى في هذا المنزل. يتنهد صوتها ببطء، يشبه الحبل المشدود بين الحياة والفراغ، يراودني شعور لا أستطيع تحديده... أهو الأمل أم الحزن؟
"أنا بخير."
كذبة أخرى، لكنني أقولها لأنني أعلم أن الكلمات هي ما يجلب الراحة لها، ولو للحظة.
أمي... الإنسانة الوحيدة التي لا أحتاج معها إلى تمثيل. لكنها هي الأخرى تشعر وكأنها جزء من هذا العرض البارد، كما لو كانت تنتظر مني شيئًا لا أستطيع تقديمه.
"سأتناول الطعام وأذهب لأرتاح. اليوم كان شاقًا للغاية."
نظرت إليّ بسرعة، هي كانت مريضة جدا مؤخرا و حالتها متدهورة، وجهها شاحب قليلًا كأنها تحمل شيئًا ثقيلًا على صدرها، . لكنها لم تعلق. فقط قالت، "فهمت."
كانت صامته، لكنني شعرت بشيء ثقيل في عيونها... كان ذلك الحزن المكتوم الذي لا تريد إظهاره لي من خلال الكلمات .
جلست إلى الطاولة. لاحظت أنها لم تأكل شيئًا. كانت أطباق الطعام أمامها كما هي، كما لو أنها كانت تنتظرني. هل كانت تنتظرني؟ أم أنها تعتقد أنني سأهتم بما تشعر به؟ هي دائمًا هكذا، تصمت أكثر مما تتحدث. لا... غالبًا أنا من أحب التفكير أكثر من اللازم.
"لنتناول الطعام. يبدو لذيذًا جدًّا."
لكنها فجأة قطعت الصمت، يدها الناعمة تلمس كدماتي الرهيبة، لحظة كانت أشبه بصدمة كهربائية. كان لمسها هادئة و خفيفة فيها بعض المفاجأة بوجود الجروح.
"راي، هل ضربك أحد اليوم؟"
سؤالها كان شديد البساطة، لكنه حمل بين طياته قسوة وحزنًا يكاد يخنقني. هي تعرف الإجابة بالفعل. تسأل فقط لأنها لا تجد شيئًا آخر لتقوله.
إذا أخبرتها، لن يتغير شيء. هي ضعيفة، وأنا لا أريد أن أقلقها أو أرهقها أكثر مما هي عليه بالفعل. أرى أن وجهها إزداد شحوبًا، كما لو أن الضوء داخلها بدأ يتلاشى.
"من الأفضل ألا تتدخلي في ما لا يخصك..."
نظرت إليّ بصمت، ثم غادرت الطاولة دون أن تقول كلمة.
يا لغبائي، لقد فلتت مني الكلمات الخطأ!
أتبعتها إلى غرفتها. الخطوات على الأرضية الخشبية كانت ثقيلة، كأنها تؤدي إلى مكان مظلم بعيد، حيث لا أمل ولا خلاص، هذا ليس سجنا أو غرفة تعذيب بل غرفتها فحسب.
"أرجوكِ، سامحيني. لم أقصد أن أزعجك."
صوتي كان مكسورًا، ضعيفًا، بدا أنني أدافع عن نفسي أمام قاضٍ غاضب.
" افعل ما تشاء، أنا لا أتدخل في ما لا يخصني."
كانت نبرتها باردة، تهرج من شيء عميق داخلها. لكن في أعماق تلك الكلمات، كان هناك شيء آخر... حزن؟ أم فقط فراغ؟
ركعت أمامها، أمسك يدها بلطف، وأضغط بها على جبهتي المجروحة كأنني كنت أبحث عن شيء مفقود، شيء لا أستطيع وضع أصبعي عليه.
"أمي، لا تقولي ذلك. أنتِ كل شيء بالنسبة لي. إن لم تسامحيني، لن أسامح نفسي أبدًا."
كانت يدها باردة، لكنني شعرت بحرارة غريبة تنتقل إليّ من لمسها. هناك شيء في تلك اللحظة لم أستطع تفسيره.
حدقت بي للحظة، ثم ابتسمت برفق...
"أنا لست غاضبة. فقط... أريدك أن تكون بخير، ولتكون بخير عليك أن تخبرني بكل شيء، ولا تستخف بي كأنني غير موجودة، هل تفضل أن أكون فعلاً غير موجودة؟"
كان السؤال يثقل كاهلي. لماذا؟ لماذا هذا؟ لماذا لا أستطيع أن أكون كما تتوقع؟
شعرت بضغط على صدري. كل شيء في داخلي يتجمد. كنت أخشى أن أقول شيئًا خاطئًا، أن أؤذيها أكثر.
فقط ابتسمت، رغم أن كل شيء كان يكاد ينهار من داخلي.
ارفع رأسي. إبتسامة مشرقة، عيون تلمع بسعادة جاهلة بما حولها و صوت هادئ... إنه أنا "المزيف" الذي ترغب به.
"نعم، إنه كذلك."
وبينما أرفع رأسي محاربًا الضغط الذي يخنقني، شعرت بشيء غريب، شيء يشبه الراحة الهشة التي لا تدوم طويلًا.
"راي، أنت لا يمكنك العيش بدوني. لن تستطيع فعل شيء، لأنني أنا محل الثقة الوحيدة حاليًا. أفهمت؟"
كانت كلماتها هادئة، لكن الصوت الذي خيم في أرجاء الغرفة كان أشبه بهمسة تؤثر في الجدران نفسها.
هززت رأسي وأومأت، وابتسامة باهتة على شفتيّ.
"نعم، إنه كذلك."
كنت مخطأ فأنا سريع النسيان، نيست أن هناك مشاهد إضافية تتبعني حتى داخل مساحتي الآمنة
---
أجلس في غرفتي، أنظر إلى صورة قديمة لأبي وأمي معًا وأنا الطفل الصغير الذي يحمله والده بكل حب وهو يضحك بكل أنانية. في الصورة، كانت أمي لا تزال في عزها، امرأة ذات شعر بني طويل وعيون بنية، وبشرتها البيضاء كانت تشع جمالًا خاصًا، تبتسم في عفوية ونعومة. أما أبي، فكان يظهر بشعره الأشقر، وعضلاته البارزة تحت قميصه الضيق، مع بشرته البيضاء، وكان يبتسم بلطف نحو الطفل الذي في يديه، وأنا. كانت ابتسامته تثير في داخلي شيئًا غريبًا، شيء يشبه الوهم. أما أنا في الصورة، فأنا طفل صغير ذو شعر أسود وعيون بنية وبشرة بيضاء، طفل ما زال محتفظًا ببراءته وابتسامته النابعة من صميمه، لم يتغير بعد.
طفل لم يتساءل بعد و يشكك في والده ويسأل مثل هذه الأسئلة.
هل كان هو أيضًا مجرد ممثل، يحاول إقناع نفسه بما لا يؤمن به؟
"هل كان حبًا حقيقيًا حمله أبي تجاه أمي؟
الإجابة لا تهمني حقا، ما يهمني أن ما اعرفه و ما عشته و ما تذوقته و ما أحسست به... هي الحقيقة
كاذب كان او نبيل مضحي...
مهما كانت حقيقة الأمور فأنا سأنهي أمره، بالذات ذلك الشخص انا أريد قتله إذا أتيحة لي الفرصة.
اريد الإنتقام لما هو ملكي، الشيئ الوحيد الذي أستطيع التصريح بصوت عالي بأنه لي، "أمي" .
إنها ليست دمية مثل البقية، إنها مختلفة، صحيحيح انها تمشي على حسب سيناريو محدد أحيانا... صحيح أنها لا تفهمني لكنها تصرح اغلبية الوقت بتهور بأنها اكثر شخص يفهمني، إلا أنها تعتبر كنزي الثمين.
و والدي المفترض، أذاها بشدة...
تجرأ على جعل كنزي لا يلمع.... اذا أقل ما سأقوم به كسره.
الإنسان الوحيد في العالم الذي أحبني دون قيد أو شرط في المقابل أن ذلك الدرع الذي يحميها للنهاية، ليس حبا تماما بل أشبه بتمثيل لتعريف الحب.
"ميرة شيريان" أو "امي" إنها تحبني حقا، انا إبنها الوحيد كل ما تبقي لها و الفرحة الوحيدة في هذا العالم، الفرحة؟ هذا ليس دائم ابسط خطأ قد يجعلني تعاستها... حينها ستتخلى عني، ذلك لن يحصل... إطلاقا... إذا حدث انا سأموت.
والدتي هي المرساة التي يقيدني بهذا العالم في اللخظة التي تنبذني او يحدث لها شيئ، لن يكون هناك سبب واحد للسير علي نفس الأرض مع دمى...
مزعج...
مجرد سراب في عالم مليء بالخراب الداخلي.
---