"منظور المؤلف"
---
في زمن قديم، وفي قلب إمبراطورية عتيقة تغلي تحت وطأة الزمن، تقع مملكة أنشلوس، حيث تعانق التاريخ القاسي مع أساطير الموت. عام 1099، كانت المملكة قد وصلت إلى ذروة ازدهارها، لكن هذا الازدهار لم يكن سوى قناع يخفي تحت طبقات من الظلال الأسرار القاتلة. الحياة هنا تسير بإيقاع هادئ، لكن لا شيء يمر بلا دماء. الأسواق تعج بالباعة، والعربات تخترق الطرقات الرئيسية كأنها تشق الليل، ولكن في كل خطوة يظل هناك طيف من الخوف يرافق كل من يمر بالقرب من الحصون المهيبة.
صوت صهيل الخيول، يعلو مع مرور دوريات الفرسان الذين يرتدون زيًا أسود وذهبيًا، يزينه رمز عائلة فيرمادوس: درع محاط بسلسلة مغلقة، يحمل سيفًا طويلًا في وسطه، وتتوّج قمة الدرع بمفتاح حديدي وعين حادة، تراقب الجميع بترقب قاتل. هذا ليس مجرد رمز. هذا هو توقيع الموت، هو الفروسية الحقيقية، القوة التي لا تعرف الرحمة، القوة التي تحكم أنشلوس بقبضة حديدية.
ومع هذا المنظر الذي يبدو هادئًا، إلا أن مملكة أنشلوس ليست كما تبدو. هي ليست مجرد مدينة من الحجر والخشب. هي كائن حي يتنفس الصراع والدماء. إنها واحدة من أعظم الممالك الثلاث التي تهيمن على العلم، ولكن العلم هنا ليس مجرد طموح بل هو ساحة قتال. التنافس ليس على المال أو القوة، بل على المعرفة المدمرة. لأنك إن كنت لا تملك العلم، فإنك لا تملك الحياة. في أنشلوس، العلم هو السلاح الأشد فتكًا، وأي خطأ فيه يعني نهاية قد تكون أكثر دموية من أي معركة.
نظام أنشلوس لا يرحم. لا مكان هنا للضعفاء أو الجهلاء. شهادة دراسية واحدة هي مفتاحك الوحيد للبقاء، والبدونها تصبح مجرد جثة تسير على الأرض، لا وزن لها ولا قيمة. أما الذين يتصدرون القمة، فليسوا فقط الأغنياء، بل هم أولئك الذين يملكون أقوى العقول. هؤلاء، حيثما حلوا، تركوا خلفهم جثثًا متراكمة وأسرارًا دامية. ولا أحد يجرؤ على السؤال عن الثمن الذي دفعوه للوصول إلى هذه القوة.
لكن في هذا المكان، هناك شيئًا أكثر خطرًا من أي حرب، أكثر قاتلية من أي معركة. مرض غامض، لا يسبر أغواره سوى الموتى، يُدعى "Ep1". هذا الفيروس يهاجم أولئك الذين يفرطون في استخدام عقولهم، يضعف منطقهم ويشوه أفكارهم، ليجعلهم يحلمون بكوابيس مرعبة. وبدلاً من أن يفقدوا قوتهم العقلية فحسب، يبدأ جسدهم في التفكك، ينقض عليهم الألم كالمخالب، ينزف الدم من أعينهم كما لو أنهم يعانون من عذاب أبدي.
العلم هنا ليس نورًا كما يظنون. هو سيف ذو حدين. من يسلك هذا الطريق، يدرك أن أمامه خيارين: إما أن يُحطم الجميع ويصبح صاحب السلطة التي لا تقاوم، أو يسقط في هاوية من العذاب لا قاع لها، حيث يشرب السم ويعيش في صراع دائم مع الظلال. الموت هنا ليس النهاية، بل هو بداية لمعركة لا تنتهي، وعقاب لا يرحم.
لكن السؤال الذي يهمس في أذن كل من يغامر هنا: هل يستحق كل هذا؟ هل يستحق أن تضع عقلك في مرجل النار فقط لتقف في قمة عرش العلم والسلطة؟
أنشلوس، بمجدها القديم وأسطورتها الحديثة، تظل لغزًا قاتلًا يحيط به الدخان والدماء. في قلب القلاع القديمة، حيث تنبض الحياة من خلال خطوط عقول الزعماء، تكمن الأسرار الأكثر دموية، تلك التي تكفل أن هناك دائمًا شخصًا سيخسر حياته من أجل أن يرفع شخص آخر إلى القمة. وعلى الطريق الذي يمر من أمام أسوارها، تسير الحياة، هادئة في ظاهرها، لكنها تمتلئ بالدماء التي سالت تحت أقدام الخيول، بين جدران الحصون، وبين صفحات الكتب المحرمة التي لا ينبغي لأحد أن يفتحها.
وفي الليل، حين يسود الصمت، يختبئ أولئك الذين يتحدون النظام في الظلال... لكن سرعان ما يلتهمهم ذلك الظلام و يكبلون بواسطته... هو ليس سواه "رمز الفروسية"
______________________________________
منظور راي :
---
جلس أمام مكتبه البسيط ينظر إلى الأوراق التي أمامه، من معارف وحقول معرفية مختلفة: التاريخ، العلوم الإنسانية... في مرحلة ما بدأ في العبوس.
"أنا لا أحصل على ما يكفيني من النوم فقط لأدرس تاريخ لفقه أحدهم عند شعوره بالملل."
سمع صوت أمه وهي قادمة فتوقف عن الشكوى لنفسه. انطلقت هي للسؤال مباشرة:
"هل كنت تدرس؟"
"نعم..."
"أرني ما أخبرتك بإنجازه."
حمل الدفتر الصغير المصنوع من الجلد البنيِِّ. لقد كان باردًا لأنه لم يمسسه ، لم يكن لديه متسع من الوقت ورفاهية إنجاز ما طلبته منه... بطريقة ما كانت يده التي تحمل الدفتر ترتعش بشدة دون إذنه. هو لا يريدها أن تتحرك بهذه الطريقة، لأنه ببساطة يبدو مثيرًا للشفقة.
"لماذا الكذب، ما الذي كنت تفعله طوال اليوم؟ أتعرف كم أعاني وأبذل من جهد يوميًا لأوفر مصاريف معيشتك؟ أتعرف مقدار الجهد الذي أبذله لإلباسك وإطعامك وتوفير لك كل ما تحتاجه لكي لا ينقصك شيء؟ كل هذا فقط لأحول لشخص ناجح "
ربما تساءل راي:
كيف آلت المحادثة إلى هذا المسار. كيف انتهى الأمر إلى هذا الحال؟ ما الجريمة التي ارتكبها ليسمع على هذا الكلام القاسي؟ لم يفهم ما قصدته ، ماذا أرادت منه؟ ماذا تريد منه؟ هل تكرهه؟ أم تحبه؟ هل خطأه يساوي ما يسمعه الآن؟
تنهدت والدته بغضب شديد ثم نظرت إليه بعينين لا تحملان أي عاطفة.
"رغم أنك فاشل بالفطرة وابن ذلك الرجل، فأنا دائمًا، دائمًا ما توقعت منك شيئًا ما، ولو بسيطًا... ذرة نجاح على الأقل."
لم يرد عليها. لم يرد إغضابها أكثر، فالغضب ليس جيدًا لصحتها المرهقة بالفعل. اكتفى بالنظر إليها بتعبير مسترخي وهادئ، ومريح بعض الشيء... المهم ألا تغضب أكثر من اللازم. إن قالت إن الخطأ هو خطؤه، فهو خطؤه بالتأكيد...
في لحظة غضب شديدة منها، شعر راي بشعور لا يوصف، شعور لم يحسه حتى بعدما تم لكمه أكثر من مرة بواسطة قبضة جاك الضخمة. ارتعدت يداه وكل عضو من جسده. بعد الإحساس بألم صفعة والدته، أجل، لم يكن عدوًا، ولم يكن أي شخص آخر، لم تكن سوى أمه.
تنهد بصوت منخفض وترك يداه على جانبه في قبضة متجنبًا لمس خده لكي لا يظهر كأنه شعر بألم ما، فيجعلها تشعر بالذنب الشديد بعدما تهدأ وتدرك خطأها، كما يحدث عادةً... إذا أدركته.
"أخفضت نظري وتجنبت عينيها. عدت للجلوس لإنهاء ما طلبته وأكثر. لا يجب أن تغضب. لا يجب أن أكون السبب في غضبها. أنا المخطئ، لذلك علي إصلاح أخطائي... أنا ابن ذلك الشخص، لذلك علي محاولة أن لا أكون مثله أبدًا." ردد داخليًا بينه وبين نفسه مع ابتسامة على وجهه: "لا تجعلها تراه فيك أبدًا... لا تجعلها تراه فيك أبدًا... لا تجعلها تراه فيك أبدًا..." استمر في ترديد هذه الكلمات الثقيلة وهو يدرس. استمر الوضع من دقائق إلى ساعات... في لحظة ما بدأ أنفه بالنزيف ولطخ الورق الأصفر باللون القرمزي...
بعد سبع ساعات، وصلت الكلمات الثقيلة إلى حدها الأخير. وجد نفسه يصرخ بها بدلًا من همسها: "لا تجعلها تراه فيك!!!!"
رمى كل شيء أرضًا ومزق كل ما كان ينجزه طوال السبع ساعات الماضية. لقد مزق مجهوده الخاص بكلتا يديه، كان يصرخ لنفسه وللكتب اللعينة ولأي شيء أعطته له والدته.
"آسف... آسف لأنني دائمًا أنسى... دائمًا أنسى من أكون وما أنا عليه... أنسى أنني لا شيء غير درع لك، لا أكثر ولا أقل... آسف لأنني نسيت دوري كدمية." ارتعشت يديه وتشوهت ملامحه ودوى بؤبؤه. "إذ لم أنفذ سبب وجودي على أكمل وجه، فستتخلى عني بدون أي تردد... ستتركني مثل الآخرين. هذا طبيعي، ليس وكأنك لم تدرك ذلك يا راي، صحيح؟ لقد عرفته منذ وقت طويل لكنك تجاهلته ببلاهة."
"كلا... لا يمكن أن يحدث هذا... إذا كرهتني... أنا..." نظر إلى يده المرتجفة... "كيف سأعيش بعدها..."
تسابقت كل مشاعره لتعبر عن نفسها، ثم تليها أفكاره. لم يكن راي سوى متذبذب، لا يقف عند قرار واحد أو فكرة واحدة. قد يكون لازال صغيرًا في السن، لكنه أكبر من كثيرين ممن لا يفقهون شيئًا رغم أعمارهم. لكن تفوقت عليه ذاته، فجعلت منه بدلًا من شخص واحد يفكر، شخصين أو أكثر من يفكرون. هو لم يمانع، فكلما تعددت وجهات النظر استطاع رؤية الصورة بوضوح وشمولية أكبر.
ألم كبير غلف قلبه كأن يدًا مظلمة تعتصره. أمسك راي قلبه بشدة، لقد كاد الصراخ من الألم المهول الذي أصابه فجأة. في تلك اللحظة أصبح تنفسه أثقل مع كل ثانية تمر.
"إذا لم أعمل بجد، هي ستتركني... لا يجب أن تتركني... أنا وحيد... لا... وحدي لا."
جمع الأوراق التي لا تزال صالحة بعشوائية كبيرة، وسحب الكرسي ثم جلس يكمل ما كان يفعله كآلة. مهما حاول أن يقرأ أو يكتب، كان يرى الحروف تتداخل مع بعضها البعض. كلمات مجردة غطاها ضباب... عينيه لم تستطع إخفاء حقيقة المشاعر التي احتواها قلبه على الإطلاق.
لمس خده حيث صفعته ميرة وتمتم لنفسه: "مؤلم..." كأن الصفعة عاودت نفسها ألف مرة وتردد صوتها في أذنه مرة في كل ثانية تمر...
و عينيها المليئتين بالخذلان زادته ألمًا على ألم.
هبطت بعض الخصلات من شعره الأسود لتظل على عينيه وتمنعه من أي تجسس خارجي على مشاعره. استمرت يده بالكتابة والساعة تدق في توقيت متزامن مع قلبه المرمم مؤقتًا. استمر الأمر حتى شعر بقطرات ماء تدفئ يده ثم على دفتره ليخرج أخيرًا من ضياعه. التفت لتقابله المرآة الموضوعة هناك بسخرية من ذاته.
غطى وجهه بيده: "أنا ضعيف، أليس كذلك؟" أجابه صوت بسخرية باردة كما خالية من الألم، ربما؟... أو أنه تألم حتى لم يعد هناك فرق.
"على الأقل أنت تدرك ذلك. كم أنت مثير للشفقة."
غير متأثر بكلام الشخص الآخر، أجاب: "لا أعرف ماذا يحدث لي أحيانًا. أقصد، إنه مجرد شيء روتيني. إذاً لماذا قلبي يؤلمني وأشعر كأنه سيغادر صدري في أي لحظة؟"
أجابه الصوت بشفقة هذه المرة وبعض الحنان: "أنت تعرف ما يجدر بك فعله. توقف عن إيذاء نفسك من فضلك، توقف عن التوقع فالتوقع لا يجلب إلا الدمار. أنا حقًا لا أريد أن أراك هكذا في كل مرة."
ترك الكرسي وخارت قوته ثم جلس على الأرض وأسنَد رأسه على الحائط وهو يحاول إرجاع تنفسه للوضع الأصلي. ابتسم بسخرية من ذاته وعيناه تفكران في شيء بعيد.
"هل السعادة شيء كثير لأستحقه؟"
ضحك الشخص الآخر بلطف محبب لراي: "من انت لتسأل عن السعادة؟ السعادة لهم وليست لك."
وضع الشخص الآخر يده على خد راي ومسح دموعه ثم ربت على رأسه بلطف شديد لم يعهده من أحد حتى أمه.
"إذا بحثت عن السعادة ستظل تعيسًا للأبد. لا تبحث عن شيء، ابقَ كما أنت... لا تتطلع ولا ترغب. فالرغبات مدمرة."
هدأ راي تقريبًا واستعاد بعضًا من توازنه ونظر للشخص الآخر.
"أنا دائمًا سأكون سعيدًا بتواجدك إلى جانبي. أنت الشخص الوحيد الذي يفهمني ويقدرني كما أنا الآن."
جلس ذلك الشخص قرب راي وأمال رأس راي على كتفه.
"سأقدرك للأبد، سأرشدك للأبد، سأهتم بك للأبد... والأبد والكلمة يستحيل أن تسع الأبدية."
ضحك راي أخيرًا، مبتسمًا ابتسامة جميلة:
"على الأقل أنا لست مجنونًا، على الأقل أنا لست وحدي في هذا... على الأقل هناك شخص واحد في هذا العالم بأسره يفهم ما أعنيه... أبدا انا لن اموت وحيدا.
. صحيح؟"
بابتسامة هادئة لا تحمل أي توقع تجاه العالم أمسك الرجل يد راي
"انت تعرف ما عليك فعله"
شددت يد راي على السكين ثم انتهى الأمر
بطعنة وراء طعنة، تناثرت الدماء على كل كتبه بدون استثناء، العجيب أنه لم يحس بأي ألم رغم أن يده لم تعد قادرة على تحمل حدة السكين بعد الآن، استمر على هذا الحال حتى توقفت دموعه مرة واحدة. حينها شعر بالبرود وهو يحيط قلبه ليعيد جمعه من جديد ... لقد حصل على السلام.
ثم نظر للرجل الآخر أو بالأصح انعكاسه في المرآة... لم يكن الشخص الذي يفهمه سوى نفسه الجاحدة.
كان ينظر لانعكاس ملامحه الباردة الآن، استطاع لمح بعض اللمعان المتجمع في عينيه البنيتين الهادئتين لكن سرعان ما تَبددت، خفض تلك العينين ليكمل الكتابة، حتى بعد أن أصبح دفتره شديد الاحمرار بسبب دمه المتدفق.
رغم كل شيء استمر في متابعة الدراسة بالطريقة التي تتطلع إليها هي لا هو. إنها مجرد لعبة مؤلمة...
"هذا مؤلم".
مر أسبوع كامل وهو في نفس الروتين لا شيء جديد، ينتقل من دور لآخر، ربما التغيير الوحيد أنه لم يعد يتكلم كثيرًا مع والدته إن لم يعد يحادثها أساسًا. لقد أصبح هناك شيء كالصخرة الموضوعة فوق لسانه كلما أراد قول شيء تتبخر الكلمات...
لكن اليوم، هو الثلاثاء، اليوم الذي يطبخ لها هو بنفسه لم يكن اليوم الذي يستطيع تجاهلها.
وقفت خلفه و وضعت يد لطيفة على كتفه
"راي، أنا لا أراك مؤخرًا... هل تتجاهلني؟"
أومأ برأسه مشيرًا لأنها مخطئة.
"لماذا لا تتكلم معي؟"
فتح فمه قليلاً وحاول التكلم قدر الإمكان، ناشد صوته لكي يخرج لكن لم يحدث ذلك فأغلق فمه ثانية.
من الواضح أن أمه لم يعجبها الأمر فعبست بشدة.
"تكلم!"
لم يجب أيضًا، استمر في تقطيع الخضار بهدوء وهو يتوق لحافة السكين.
"قلت تكلم!"
بدأ صبرها ينفذ فأمسكت بكلا كتفيه وهزته...
"أنا أمك! لا يصح أن تتجاهلني هكذا..."
فجأة وقعت عيناها على يديه.
حاول إخفاء يديه خلف ظهره لكنها أمسكت بمعصمه بقوة شديدة ورفعته.
أغلق يديه في قبضة بشدة لكنها فتحتها بغضب، ثم رأت علامات نوبة غضبه السابقة، بمجرد أن رآتها، خرجت الدموع من عينيها دون رغبة منها، قالت بصوت خافت لها أكثر مما هو له.
"لماذا.. لماذا تفعل هذا؟"
أخيرًا توقف الثقل قليلاً على لسانه ومجرد أن نطق بكلمة "أنا..." صرخت وهي تبكي بشدة.
"عليك أن تخجل من نفسك.. هل تريدني أن أموت من شدة خوفي عليك؟!"
بكت ونظرت له بخيبة أمل مثل المرة السابقة بل أسوأ
.
"لا تمتلك أي سبب لفعل هذا لكنك تفعل هذا كالمجنون... هل تتطلع لهذه الدرجة لتكون مجنونًا؟.. أنا أعطيك كل شيء، كل ما في استطاعتي أعطيه لك وفي النهاية أنت... تقلد المجانين كفتى متهور."
تلك الصخرة الموضوعة على لسانه وضعت على صدره، أخذ نفسًا ثم ارتدى ذلك القناع، فتى يشعر بالندم ويريد أمه أن تسامحه بأي ثمن. تقدم إليها وأمسك بيدها.
"سامحيني... كنت أجرب فقط."
سحبت يدها ودفعته.
"تجرب ماذا؟ تجرب الموت؟"
"لا، كل ما في الأمر أنني.."
لم يكمل، مهما قال سيظل مذنبًا لذلك عدم قول شيء أفضل من جعل الكلمات الثمينة تضيع بدون جدوى.
نظر لها بعيون تعكس كل شيء ما أكثر ما أراده الآن:
أن تحضنه، أن تفهمه، أن تدرك ما يجري...
تركته غاضبة وحزينة ومحطمة ودخلت غرفتها تاركة آخر كلماتها معلقة في الهواء.
"أنت جاحد للنعمة."
نظر ليديه المرتجفتين قليلاً ثم عانق نفسه، أطلق نفسًا صغيرًا، ابتسم وأكمل الطبخ وضع صينية الطعام أمام غرفتها لأنها لم ترغب في فتح الباب له مهما طرق أو اعتذر.
ذهب للمطبخ يشرب الماء، انزلق الكأس من بين يديه وسقط محدثًا ضجة عالية، سقط هو مباشرة بعد الكأس.
حاول تنظيم تنفسه قدر الإمكان، حاول جاهدًا أن يوقف الألم الشديد الصادر من كل نبضة قلب.
"لا تتأمل... لا ترغب... السعي للسعادة يجلب التعاسة."
---