[الملاك لا يجب ان يبكي]
هذا اليوم لم يكن مختلفًا عن أي يوم مضى، أو هكذا ظن راي شيريان.
خرج بعد يوم طويل مليء بالجهد الذي تطلبه لتجاوز جاك وحزبه وكل الشخصيات المزعجة في حياته. توجه كعادته إلى شجرة الصفصاف في زاوية الحديقة الخلفية للمدرسة. تلك الشجرة التي غرسها الطلاب الأكبر سنًا كتعبير عن أملهم في النجاح للأجيال القادمة، لكنها أصبحت مع مرور الزمن ملجأً لمن يشعرون بالإخفاق.
جلس راي تحت ظل الشجرة متأملًا السماء الخالية من الغيوم. عيناه كانتا تنظران للبعيد دون تعبير واضح، كما لو أن روحه غابت عن الحاضر. وسط هذا الصمت، قطع صوت ضجيج قادم من خلف مبنى الإدارة تأملاته.
لم يتحرك في البداية. اعتقد أن ما يحدث لا يمد له بصلة، فالقاعدة الوحيدة التي آمن بها كانت بسيطة: "لا تتدخل في أدوار الآخرين، ولن يمس أحد دورك." لكن الضجيج اشتد، وكأن هناك شيئًا يصر على جره نحو مصدره.
نهض متثاقلًا واتجه بخطوات مترددة نحو الضجيج. عندما وصل، وقفت عيناه على مشهد لم يتوقعه. كانت هناك فتاة تجلس على الأرض، قدمها مكسورة، وجسدها مغطى بالكدمات. شعرها الذهبي، الذي بدا كأشعة شمس مكبوحة، كان مشعثًا، ووجهها الذي اتسخ بالطين والأتربة لم يستطع إخفاء جمالها الطبيعي. عيناها الزرقاوان، الهادئتان كبحيرة عميقة، كانتا تراقبان العالم حولها بنظرة غريبة، خليط من الاستسلام والقوة.
اقترب راي بخطوات مترددة، وصوته خرج منخفضًا يشوبه القلق:
"هل أنت بخير؟"
رفعت رأسها ببطء ونظرت إليه، لتبتسم بابتسامة طفولية لطيفة.
"أوه... يبدو أنني أبدو فوضوية الآن أمام طالب آخر."
مدت يديها المرتجفتين، لتكشف له عن طائر صغير بين يديها. الطائر كان أزرق اللون، يزين رأسه الأبيض كأنه تاج صغير. كان جسده الصغير يرتجف بينما يقاتل بصمت من أجل البقاء.
نظر راي للطائر بعينين باردتين، وكانت الفكرة الوحيدة التي مرت برأسه:
'هذا الطائر سيموت بالتأكيد.'
مد يده بهدوء ولمس رأس الطائر بلطف، وكأن لمسته كانت وداعًا صامتًا.
'أتمنى لك موتًا سعيدًا، أيها الصغير.'
لكن الفتاة قطعت أفكاره بصوت مفعم بالحماس، رغم إصابتها:
"سأعتني به. سأطعمه كل يوم حتى يشفى. إنه جميل للغاية... سأسميه كالين."
راقب راي حماسها بابتسامة باهتة، تخفي خلفها شخصًا ميتًا داخليًا. للحظة، رأى روحه في هذا الطائر.
"اسم جميل."
أومأت الفتاة بحماس وكأنها انتزعت اعترافًا ثمينًا من العالم.
"أليس كذلك؟"
في أعماقه، فكر:
'قد خاطرت بنفسها، كسرت قدمها ومعصمها من أجل طائر سيموت على الأرجح. لكنه الآن أصبح شيئًا ، كان مجرد طائر بين الطيور لكنه الآن كالين '
حاولت الفتاة النهوض، لكن جسدها المرهق خذلها. سقطت مجددًا وأطلقت ضحكة مريرة.
"يبدو أنني لن أتحرك بسهولة."
مد راي يده، متجاهلًا اعتراضاته الداخلية.
"هل يمكنني مساعدتك؟"
نظرت إليه مترددة، ثم للطائر بين يديها، وكأنها كانت تقيس الثمن. أخيرًا، قالت بصوت خافت:
"يمكنك أخذ الطائر أولًا... أنا سأدبر أمري بطريقة ما."
"كذب، مجرد كذب وراء كذب."
عرف راي أنها لن تستطيع التحرك. بدون تفكير، انحنى أمامها وأدار ظهره.
"يمكنك الصعود. سأحملك."
تفاجأت من عرضه، لكنها ترددت.
"أنت متأكد؟ لا أريد أن أكون عبئًا..."
"لا بأس." ابتسم بتعبير حرج زائف. "حقًا، لا بأس."
'من الآن هي مشكلتي مع الأسف'
حملها بصمت عبر الحديقة والساحة وصولًا إلى المستوصف. لم يبدُ عليه أنه يعاني من حملها، لكن داخله كان يعج بالاعتراضات.
عندما وضعها على السرير، خيم الصمت على الغرفة. كانت الغرفة فارغة، والممرضة لم تصل بعد. كسر راي الصمت بصوت منخفض:
"قد لا تعرفينني، لكننا زملاء في نفس الفصل. أنا..."
قاطعته بابتسامة خفيفة:
"راي شيريان. أعرفك."
جمدته كلماتها للحظة.
"أوه... حسنًا."
ابتسمت وهي تتأمل الطائر بين يديها.
"شكرًا لك على اليوم. لولاك، لكنت بقيت هناك للأبد."
ركز راي على الطائر فقط، متجنبًا النظر إليها.
"كان سيظهر شخص آخر بدلا مني . كانت مجرد مصادفة."
لكنها أوقفت كلماته بضحكة خفيفة:
"لا، كنت أنت. وهذا يكفي."
نهض راي مترددًا.
"علي العودة الآن. الطريق إلى منزلي طويل."
"اذهب. لن أشغلك أكثر."
أومأ وغادر المستوصف. خارج الباب، نظر إلى يده المغطاة بالضمادة التي أصبحت حمراء من الدم ، لقد انفتحت جروحه بسبب الجهد .
"تبا."
كان يعلم أن حياته لن تعود كما كانت. لأن تلك الفتاة لم تكن أي شخص عادي.
"سارة ألبيرت... الطالبة الأولى والمفضلة لدى الجميع."
_________
[منظور سارة]
منظور سارة ألبيرت
ربتت على رأس الطائر بإصبعها، لمستها كانت رقيقة بشكل مبالغ، وكأنها تخشى أن ينكسر تحت وطأة الضغط. ابتسمت برفق وهي تائهة في ذكريات قديمة لم تعد لها، لكنها تركت أثرًا عميقًا.
سارة ألبيرت، الفتاة التي كان اسم عائلتها النبيلة يحمل ثقلاً لا تحتمله روحها، عاشت طفولتها محاطة بالمظاهر الزائفة واللامبالاة. كانت أقل من مجرد زينة في قصر ضخم يفيض بالبذخ.
الترف المفرط الذي كان يغمر القصر لم يكن سوى واجهة تخفي اللامبالاة. كل شيء في حياتها كان يقاس بمقاييس لا تتعلق بها، بل بما يعكسه وجودها على عائلتها. لم تكن سوى اسم آخر ضمن سلالة طويلة، أقل أهمية من اللوحات المعلقة على الجدران.
كانت ذكريات طفولتها مليئة باللحظات التي شعرت فيها بالوحدة. منذ صغرها، أدركت أنها ليست ذات قيمة تُذكر، مجرد خلفية صامتة لحياة عائلتها. كم مرة بكت وحيدة بعد أن سخر منها الخدم؟ كم مرة نُسيت وجبتها، تُركت جائعة بينما الجميع منشغلون بمظاهر حياتهم الباذخة؟
في أحد الأيام المشمسة، كان القصر العضيم في العاصمة " أجاتا" يشهد حفلًا كبيرًا.
كانت سارة، بطفولتها التي لم تتجاوز الثماني سنوات، تقف في قاعة القلعة الفسيحة، ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، أصبح موحلًا بعدما أوقعها أحد الأطفال النبلاء عمدًا. جلست في زاوية القاعة، دموعها تسيل على وجنتيها المحمرتين من الحرج والغضب.
صوت الضحكات والحديث العالي حولها غمر المكان، لكنها شعرت وكأنها محاطة بصمت خانق. فجأة، قطعت صوت خطوات خفيفة على الأرضية الرخامية هذا الصمت الداخلي. رفعت رأسها ببطء، لتقابل عيني فتى صغير لم يتجاوز السابعة.
كان شعره أسود حالكًا...أسود لم ترى مثله من قبل ، وعيناه بنيتان باردتان تحملان هدوءًا غريبًا لطفل في مثل عمره، هدوءًا يتجاوز السطح، وكأنهما تخفيان شيئًا أعمق من مجرد البراءة. كان يرتدي ملابس راقية تعكس خلفيته الأرستقراطية بوضوح، لكنها كانت بسيطة وخالية من التكلف، وكأنها جزء من شخصية لا تحتاج إلى إثبات شيء.
"لا يحق للملاك أن يبكي"
قال الفتى بنبرة هادئة، ومد يده نحوها بمنديل أبيض نقي، يبرز وسط بقع الأوساخ التي غطت فستانها.
سارة، بحيرة طفولية، نظرت حولها كما لو كانت تبحث عن ذلك "الملاك" الذي تحدث عنه، قبل أن تدرك أنه يقصدها.
"ههه..."
انفجر الفتى بضحكة خفيفة عندما رأى تعبيرها المرتبك، لكنه سرعان ما كتمها، كأنها خرجت دون قصد. لاحظت سارة أن ضحكته لم تكن ساخرة، بل أشبه بمحاولة طفولية للتخفيف من ثقل الموقف.
"العالم قاسٍ على الأرواح النقية مثلك"
تابع كلامه، وملامحه أصبحت جادة، لكنها لم تفقد ذلك البريق الطفولي. انحنى قليلًا ليصبح على مستوى عينيها، ثم نقز على جبهتها بإصبعين برفق شديد.
"هل أذاك أحد يا ملاك؟"
سأل بصوت خافت يحمل في طياته اهتمامًا حقيقيًا، لا يشبه ذلك التعاطف الزائف الذي كانت تراه من الآخرين.
رغم الدموع التي كانت تتدفق على وجنتيها، بقيت عيناها الزرقاوتان هادئتين كبحيرة ساكنة، تخفيان عمقًا لا يناسب عمرها. لم تجب.
"لا تبكي بعد الآن... ابتسمي. هذا ما يليق بكِ."
للحظة قصيرة، شعرت سارة وكأنها خرجت من جسدها، وكأن كلمات هذا الفتى الغريب فتحت نافذة صغيرة في حياتها المظلمة، نافذة سمحت بدخول القليل من الضوء. توقفت دموعها عن الانهمار، دون أن تعرف السبب، لكنها شعرت وكأنها استعادة جزءًا صغيرًا من نفسها.
ابتسم بلطف و قال بصوت منخفض كأنه يهمس بسر
" العالم لا يحب الملاك المكسور... "
«راي تعال»
فتحت عينيه بإشراق
"انه ابي، سأذهب الآن، إلى اللقاء يا ملاك"
لمست الإسم المطرز على المنديل الذي أعطاها لها، و إرتجفت من الصدمة.
"راي فيرمادوس"
ذلك اليوم لم يكن مثل الأيام الأخرى، وتلك الكلمات، "لا يحق للملاك أن يبكي"، كانت بمثابة وميض عابر ترك أثرًا دائمًا في أعماقها.