[ شورين]

"العاصمة أجاتا، حي كاربا"

في غرفة صغيرة ضيقة، لا يتسع المكان فيها سوى لسرير صغير وسلة ملابس وموقد صغير لطهي الطعام، فتح شورين عينيه ببطء عند الخامسة صباحًا. كان الظلام لا يزال يطوق كل شيء، يغلفه بهدوء قاتل، كأن الوقت نفسه يرفض أن يتحرك. همسات الرياح التي تتسلل من خلال الفتحات الصغيرة في الجدران كانت الوحيدة التي تُسمع، لكنها كانت مجرد همسات غير مكتملة، وكأن حتى الهواء نفسه كان مترددًا في الوجود.

رفع يده ليشعل المصباح الزيتي الذي أهدته له جارته، السيدة إيرينا ميلير، في يوم ميلاده الذي مرّ بالأمس. كانت يده ثابتة. لا يزال يواجه الظلام، وذلك المصباح لا يكفي لملء الفراغ الذي يشعر به في الداخل. أشعل المصباح بحركة خفيفة، ثم جلس على حافة سريره، وعيناه تتأملان النور الخافت المنبعث منه، دفء بعيد عن قلبه.

عندما مرت لحظات من الصمت الثقيل، سحب صندوقًا كرتونيًا من تحت السرير، لم يكن سوى صندوق مهترئ، لا شيء يميزه. أخرج كتابًا من بين الكتب الموجودة هناك، وتصفح صفحاته ببصره الغارق في الفراغ.

مع مرور الوقت، وعندما رن جرس البرج في وسط المدينة، أدرك أن الساعة أصبحت السادسة صباحًا.

أغلق الكتاب بهدوء، وأعاده إلى مكانه المعتاد. ثم نظر إلى الإناء الصغير الذي يحتوي على بعض الماء. غسل جسده بسرعة، كانت برودة الماء تبعث في جسده شعورًا غريبًا، شعورًا يتسلل بين عضلاته ليشعره بشيء من الاختناق. كانت قطرات الماء تنساب على شعره المحمر الذي يصل إلى كتفيه، وتلامس جسده العضلي الذي تظهر عليه ندوب لامعة، كل واحدة منها تحمل تاريخًا مظلمًا مليئًا بالكفاح الذي لن يعرف عنه أحد شيئًا.

عينيه البرتقاليتان المتقدتان، اللتان تشبهان النار، تعكسان الضوء الخافت، وتبدوان وكأنهما تحملان لهيبًا غير مرئي في أعماقهما. لكنه لم يكن يشعر بذلك الحريق في تلك اللحظة، بل كان يشعر بضيقٍ غير مبرر، مؤلم قليلًا.

حين انتهى من غسل نفسه، شعر فجأة وكأن الغرفة أضيق مما كانت عليه. كان الهواء ثقيلًا، وكأن الجدران تضغط عليه من كل جانب. ارتدى زيه المدرسي بسرعة، وهو يرمق نفسه في المرآة الصغيرة المعلقة على الجدار. لم تمنح ملامحه الحادة أي فرصة لابتسامة كي تظهر. جفف شعره سريعًا، ثم ربطه بأسرع ما يمكن، لكن يده توقفت للحظة، كأنها مترددة. في تلك اللحظة، كانت عيناه تلتقطان ما هو أبعد من ذلك: صورة خيالية، لم يكن يعرف إن كانت حقيقية أم مجرد أثر من ضجره الداخلي.

لكنه سرعان ما عاد إلى وعيه، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم حمل حقيبة الظهر وفتح الباب. نزل على طول الدرج، وحيا مالك الشقة بأدب، ذلك الرجل الأربعيني الذي يبدو كأنه وُلد فقط ليصرخ على المستأجرين ويجعل حياتهم تعيسة كل يوم. عندما كاد أن يخرج من الباب الرئيسي، رأى امرأة في السبعين من عمرها تجلس على كرسي متحرك، تسقي حديقة صغيرة أمام المجمع.

كانت العجوز ذات ملامح دقيقة، مع تجاعيد عميقة في وجهها. بشرتها الشاحبة بدت وكأنها فقدت لونها مع مرور الزمن، لكن وجنتيها لا تزالان تحملان بقايا نضارة الماضي. عيناها الرماديتان باهتتان، تحملان بريقًا خافتًا يشع بحنين مجهول، ومع ذلك، لم يبدُ أن الزمن قد طمر أناقتها وعزمها. حاجباها رقيقان ومتفرقان، وشفتاها الرقيقتان متشققتان قليلًا، وكأنهما اعتادتا الصمت الطويل. أنفها دقيق، محاط بخطوط التعب، بينما رفعت شعرها الأبيض ككعكة، وغطت ركبتيها ببطانية ذات لون باهت.

"مرحبًا، سيدة إيرينا، هل كنتِ بصحة جيدة مؤخرًا؟"

لم تكن هناك طريقة تجعله يمر بقربها دون أن يحييها بابتسامة.

"ههه، هذه العجوز لا يزال لديها وقت طويل قبل أن تفارق الحياة."

"حقًا؟ إذن، أتمنى لكِ أكثر من تلك الحياة."

"يا لك من طفل جيد."

السيدة إيرينا ميلير هي جارة طاعنة في السن، ستبلغ 71 عامًا هذه السنة. بعد بضعة اشتباكات أهلية سنة 1059، وفي محاولة فاشلة لمساعدة زوجها الثوري ريتشارد ميلير وتحريره من الأسر، دخلت نطاق انفجار دون قصد. فارق زوجها الحياة، بينما فقدت هي كل شيء: زوجها، صحتها، والمستقبل الذي تمنته. منذ ذلك الوقت، أصبحت هذه الأرملة وحيدة، عازفة عن الزواج. يُقال إنها كانت الأجمل في وقتها.

هذه العمارة، المسماة "أغابي"، كانت ملكًا لزوجها الراحل، وهي من أطلقت عليها هذا الاسم. لكن بعد موته، لم تحصل في إرثها سوى على الشقة التي كانت تسكنها مع زوجها، بينما حصل إدوارد ميلير، شقيق زوجها، على ما تبقى، فهذا هو "العدل"...

في أيام العطلة، يقوم شورين بزيارتها لمساعدتها في التنظيف والطهي وغيرهما. مع الوقت، أصبح هذا الولد مثل حفيدها الذي لم تتح لها الفرصة لتحلم به.

أعطته صندوقًا صغيرًا يحتوي على قطعة خبز مدهونة بمربى الفراولة الذي صنعته بنفسها، بالإضافة إلى الفاكهة المقطعة وبعض المكسرات. فقد استيقظت فجر اليوم فقط لتحضير هذه الوجبة البسيطة لهذا الطفل.

قابل شورين معروف العجوز بابتسامة لطيفة.

"شكرًا لكِ، سيدة إيرينا. لو تعلمين فقط كم أنا ممتن لكل هذا... لا أعرف حقًا كيف أعوضكِ."

ضحكت ضحكة مريرة.

"لقد كبرتَ يا شورين، وأصبحتَ تريد تعويضي؟ لقد أصبحتَ مثل هذا الرجل الناضج... كم هي فخورة هذه العجوز."

ابتسم واقترب منها، ثم انخفض ولثم جبهتها بلطف.

"أيها الصغير، ألم تنسَ شيئًا؟"

"هههه... لا."

وضع الصندوق في حقيبة ظهره وجرى مبتعدًا.

بعد رحيله، تمتمت العجوز تحت أنفاسها...

"إنه يشبه أمه كثيرًا... أكثر مما توقعتُ."

"إيرينا، أيتها المرأة الغبية! كم مرة علي إخباركِ أن تتوقفي عن وضع الزجاج حول حديقتكِ؟ إنه يفسد منظر مبناي!"

أدارت رأسها بتذمر نحو مصدر الصوت، لم يكن سوى صهرها إدوارد، صاحب هذا المبنى حاليًا.

"لن أفعل. كم مرة عليّ إخبارك بأن تجد حلًا للسكارى الذين يفسدون حديقتي كل يوم؟ لكنك لم تفعل شيئًا."

"ماذا سأفعل مثلًا؟ أتظنين أنكِ تعيشين في الجنة؟"

"وإن لم يكن هذا المكان جنة... يمكننا جعله كذلك."

"أنتِ توهمين نفسكِ. لقد أصبحتِ تخرفين."

"ربما..."

______________________________________

من وجهة اخرى توقف شورين عن المشي لان الطريق مغلقة، و الكثير من الناس متجمعين و متكدسين حول بعضهم البعض يغلبهم فضول النظر، انتشرت صدى همساتهم محدثة ضجة على طول الشارع .

"يا إلاهي ما هذا؟!"

"مسكينة... من تكون؟"

"انها الارملة التي تبيع البيض في الشارع الخلفي... لديها طفلتين"

"اوه... كم هذا بائس..."

"إنها تستحق، ماذا كانت تفعل خارجا بعد منتصف الليل"

"سمعت انها عادت متأخرة من السوق"

شعر شورين بغضب لا يطاق، لم يكفي انه متأخر عن المدرسة، لا، بل هناك الكثير من الناس مجتمعين على شيئ مجهول ينممون على شخص ما.

كان الشارع مغمورًا في ضوء رمادي باهت، حيث لم تكن الشمس قد نشرت أشعتها بالكامل بعد ، وتركت خلفها ضبابًا خفيفًا يزحف ببطء على الأرض، كأنه يداعب الأقدام المتسمرة في مكانها. الهواء كان خانقًا، مشبعًا برائحة غريبة، مزيج بين المطر العالق في الشقوق القذرة للأرصفة ورائحة النحاس المنبعثة من دم لم يجف بعد.

الناس تجمهروا حول المشهد كحشد مذعور لكنه متعطش للمأساة يتوق إليها كذباب حول طعام فاسد ، وجوههم تحمل خليطًا من الفضول والرعب والتقزز.

امرأة مسنة، ملفوفة بشال أسود باهت، كانت تضع يدها على فمها، وعيناها الواسعتان تحدقان في الجثة دون أن ترمش، بينما الشحوب يزحف إلى وجهها وكأن الدم فرّ من عروقها ، فربما رأت نفسها هناك.

و ألم تكن هي من طلبت من المرأة البارحة ان تحضر لها سخرة في ذلك الوقت من الليل ؟.

إلى جانبها، شاب نحيل ذو لحية خفيفة، كانت شفاهه مزمومة بعصبية، وأصابعه تعبث بطرف قميصه وكأنه يبحث عن شيء يثبّت به نفسه في هذا الواقع المروع...فلم يكن هذا الشاب إلا الذي كان البارحة دوره في إدارة محل الأعشاب فلما جاءته كان متعب فطردها ،فأضطرت المسكينة للذهاب للمحل الأبعد ...

رجل آخر، ممتلئ الجسد ذو بطن بارز، وقف بيدين معقودتين فوق صدره، يتنفس بثقل، بينما عيناه تتجولان بين الناس وكأنه يزن ردود أفعالهم أكثر مما يزن الفاجعة أمامه.

الم يكن هذا السكير من الأمس ...الذي حاول مضايقتها ؟

كان هناك صبي صغير، بالكاد يبلغ العاشرة، يتمسك بذراع والدته التي كانت تشد قبضتها على كتفه بقوة زائدة، وكأنها تحاول منعه من امتصاص المشهد إلى ذاكرته. فإنه طفل يعرف هذه المرأة جيدا فدائما ما قدمت له الحلوى عندما تمنعها عنه والدته .

الهواء كان مشبعًا برطوبة خانقة، وكأن المطر توقف فجأة عن السقوط وترك أثره المتعفن في الجو. من حين لآخر، كانت هبات ريح باردة تتسلل عبر الحشد، ترفع بعض الأقمشة، وتحرك الشعر المبلل لبعض النساء اللواتي وقفن متلاصقات ببعضهن، أعينهن متسعة وكأنهن يواجهن كابوسًا يقظًا.

عند أقدام الحشد، قطرات ماء مختلطة بوحلٍ داكن، تعكس صورة مشوهة للسماء الغائمة وللوجوه المتشنجة فوقها. بعض الذباب بدأ يحوم حول الجثة، صوته الطفيف بالكاد يُسمع وسط همسات الناس، لكنه كان كافيًا ليضيف طبقة أخرى من النفور إلى المشهد.

كان هناك إحساس غريب في الهواء...

دفع نفسه بين الحشد ليرى ما اذا كان بامكانه المرور ببساطة بدل الإلتفاف حول الشارع، هناك رأى ما هم متجمعين عليه.

كانت الجثة ممددة على الأرض في زاوية الشارع، وكأنها قد سقطت من مكان بعيد، جثة مشوهة لامرأة تُركت بلا رحمة في صمت مميت. العين البيضاء الجاحظة كانت لا ترى شيئًا، تحدق في الفراغ وكأنها تائهة في عالم آخر. الجلد، الذي كان يومًا ناعمًا ومشدودًا، قد أصبح مترهلًا، طياته تتدلى من وجنتين غارقتين في الشحوب، كما لو أن الحياة قد هربت منها بشكل مروع.

الشعر الأصفر، الذي كان يلمع في أيامه السابقة، كان الآن مبللاً بمادة مخاطية لزجة وشفافة، تتدفق عبر فروتها بشكل ينم عن قسوة ما حدث لها، شعرها المبلل كان قد تحول إلى كتل غير مألوفة، كأنها تلمس ببقايا الحياة ضوء الشارع الخافت. بينما كانت جمجمتها تظهر بوضوح، مشوهة، مليئة بثقوب مرعبة كما لو أن قاذفات الرصاص قد اخترقتها في رحلة غير مرئية، كل ثقب من هذه الثقوب يعكس الوجع الذي عاشته المرأة حتى لحظاتها الأخيرة.

لم يكن يعرفها، اكثر من مجرد معرفة عابرة، لكنه شعر بإحساس غريب بالحزن، إنه شيئ طبيعي.

ففي الحقيقة البشر لا يمتلكون سوى بعضهم البعض يتشاركون نفس البدايات و نفس مكونات الجسم... إذا

اليس هذا وحده كافيا ليجعلهم قادرين على بلوغ إحساس سامي فيصبحون قادرين على الإحساس بمعناة بعضهم البعض؟

للأسف لا يوجد شيئ كهذا، الوحيد الذي يستطيع فهم إنسان هي ذاته التي انشأته.

إسقاط المشاعر التي تحس بها على مشهد معين لا يعني بالضرورة أن تلك هي مشاعرك الحقيقية.

التفت عندما وضع أحدهم يده على كتفه، وربما أدرك من صاحب الصوت المزعج حتى قبل أن يرفع رأسه.

بشعرٍ أزرق مرتب بعفوية، تطايرت بعض خصلاته بفضل تلك الرياح الخفيفة المشبعة برائحة المطر. أزرار زيه المدرسي مفتوحة تمامًا، وكأنه نسي أمرها أو لم يكترث منذ البداية. عيناه السماويتان مشرقتان، تعكسان حيوية غير مبررة، وابتسامته، رغم غبائها الظاهر، تحمل شيئًا طفوليًا، تسبق فكرة مشاكسة لم ينطق بها. لم يكن في مظهره أو تصرفاته ما يلائم الجو الحالي؛ بدا وكأن العالم بأسره مجرد مزحة بالنسبة له.

كان هذا زين، زميله في المدرسة، وشخصًا يتشارك معه ماضيًا طويلًا يفضل تجنبه.

"أنت... ماذا تفعل هنا؟"

"أشاهد مثلي مثلك، أنا أيضًا مواطن وأحد سكان أجاتا، فلمَ لا أكون هنا؟"

ابتسم بسذاجة، مما جعل الغضب يتصاعد داخله. إنها تلك الابتسامة التي لا يستطيع فهمها مهما حاول، وربما حتى لو دار العالم كله، ستظل الأكثر غموضًا بالنسبة له.

"لا تتلاعب بالكلام، أنت تفهم قصدي. كيف وصلت إلى هنا وبيتك في الاتجاه الآخر؟"

"لا أعرف..."

هز كتفيه بلا مبالاة، وترك جملته تتطاير مع الريح، وكأنه لا يهتم حقًا بالإجابة.

"غبي."

استدار ودفع كتف زين أثناء مغادرته.

"انتظر، شو! لا تقل لي إنك غاضب!"

تجاهله ببساطة. لم يكن يعرف ما الذي يجب أن يحس به، لكنه قرر المضي قدمًا كما يفعل دائمًا، تاركًا زين خلفه. لكن الأخير لم يستسلم وتبعه من الخلف، وهو يرمي حقيبته خلف ظهره، ويضع يده الفارغة في جيبه، بينما يسير بذقنه مرفوعًا نحو السماء.

"كلانا ذاهبان إلى المدرسة، فانتظر!"

"اذهب من طريق مختلف، لا أريد أن يظن الناس أنني صديق أحمق."

"انتظر، أردت أن أسألك... من تلك المرأة؟ ولماذا هي ميتة بتلك الطريقة؟ هل هناك حيوان يتجول في المدينة ليلًا دون علم أحد؟"

"لا تسألني، علمي من علمك. وما تفكر فيه، أفكر فيه أنا أيضًا، لكنني متأخر بالفعل، ولا أريد التأخر أكثر بسببك."

"لا تكلمني بهذه الطريقة! أيضًا، يجب أن تفتخر بتواجدي بجوارك، لأنني أقوى شخص، وسأحميك وأدافع عنك دائمًا. هذا سيجعل الجميع يحترمونك!"

نظر له شورين بازدراء شديد، وكأن ما قاله زين للتو كان الأكثر سخافة على الإطلاق.

"إذا كان تعريف الاحترام هو أن أكون قردًا، فأفضل أن أظل مبتذلًا وقمامة للأبد."

"شورين، هل يصادف أنك لا زلت غاضبًا مني؟"

هذه المرة، توقف عن المشي بعد سماعه كلمات زين، الذي كانت عيناه الزرقاوان تتلألآن بحزن مكبوت ومبهم، يأكل منه كل يوم. رد عليه دون أن يلتفت، محدقًا في الأرض الموحلة تحت قدميه.

"لماذا تعتقد ذلك؟ لماذا تعتقد أنني غاضب منك؟"

"أنا فقط... أعتقد أنه من الصعب عليك النسيان."

"أنسى؟... هذا سخيف. كيف يمكنني أن أنسى؟... هذه مزحة سخيفة."

اشتعلت نار عميقة في قلب شورين وهو يتذكر تلك الذكرى الفظيعة.

خطيئة زين الثانية...

بدا الأمر وكأنه حتى لو دارت الكرة الأرضية بالاتجاه المعاكس، لن تُمحى تلك الخطيئة. لأن القلب سجلها...

لم تفارقه الأصوات، الرائحة، الجو... هل كان ممطرًا وكئيبًا مثل الآن؟

ومع ذلك، لم يكن بيده شيء لتغيير الماضي.

"انسى الموضوع."

"أريد إجابة حقيقية."

"اخرس."

"أرجوك... افهمني. لا أتحمل رؤية صديق، لا، بل أخ لي، يتألم بهذه الطريقة، لذلك أخبرني..."

"زين!"

صرخ باسمه بقوة، قاطعًا كلماته.

"صديق؟ ما هو الصديق؟ كيف أعرف ذلك؟"

إنه شيء لا يعرفه سوى قلب زين وشورين، ولا أحد آخر. غضب لن يندثر، حتى لو حاول ألف مرة.

حول نظره ببطء، لتقع عيناه على فارس يقف هناك، يغطي وجهه بخوذة حديدية، يأمر الناس بالابتعاد عن مكان الجريمة.

عينا شورين الحمراوان التقطتا كل شيء فيه، من الدرع الثقيل إلى الرمز المهيب المنقوش عليه...

درع محاط بسلسلة مغلقة، يحمل سيفًا طويلًا في وسطه، وتتوّج قمته بمفتاح حديدي، وعين حادة تراقب الجميع بترقب قاتل...

وفي النهاية، توقفت نظراته عند عيني الفارس الخضراوين الحادتين.

شعر برائحة الدم تخترق أنفه، وطعم الدموع المالحة التي ذرفها في ذلك الوقت يعود إلى فمه.

---

«أنا آسف... سأتوسل بدلاً منه.»

لن ينسى... لن ينسى... ليس لأنه لا يريد، بل لأنه لا يستطيع.

دون أن يشعر، كان يضغط على يديه في قبضة ضيقة. التفت أخيرًا للخلف، وعندما التقت العيون الملتهبة بالعيون الزرقاء المذنبة، تلك العيون التي تجلب حنينًا غريبًا، شعرت النار الحارقة في صدره وكأنها تُطفأ بالماء البارد.

"زين، لا بأس."

لم ينفِ أنه غاضب، ولم يقل "سامحتك". كان يعلم كم يعذب زين هذا الأمر، وكم يتوق لسماع تلك الكلمة، لكنه لم يستطع قولها...

"على الأقل ليس الآن... لازلت لا أستطيع."

"زين، لنذهب إلى المدرسة، لقد تأخرنا بسببك أيها الغبي."

عبس زين بتجهم عند الأمر الذي صدر بنبرة جافة.

"لا تأمرني!"

"وجهك لا يعطيني فرصة لأحترمك."

"وقح! يومًا ما سأعلمك درسًا!"

"ههه، أجل، يومًا ما..."

2025/03/19 · 43 مشاهدة · 2241 كلمة
Natali__999
نادي الروايات - 2026