الفصل 4: حديث المنام (4)
ظل الجسد النحيل الملفوف بالزي الطبي بلا حراك، متجمدًا كالتمثال على الكرسي، وكأنه قصاصة ورقية باهتة أُخذت من مانغا ما.
بعد برهة، فتح فمه وتحركت زاويتا شفتيه في صمت.
"هي..."
محبوس هنا لفترة طويلة بدون أي حلاقة، شعره أصبح كثيفًا لدرجة إنه عندما أطرق رأسه أختفت عيناه وراء شعره المتساقط.
ولأسباب مجهولة، بدا وكأنه غير قادر على السماع بوضوح... ما إذا كان الصوت المتردد في غرفة الاحتجاز ينبعث من حنجرة المرشد او من حنجرته هو بالذات .
"همم؟"
رفع المرشد عينيه من خلف نظاراته ملقيًا عليه نظرة حائرة.
"لديها اسم." بعد صمت طويل، تحدث جي مينغ هوان. وكان صوته ما يزال خفيضًا جدًا.
"ماذا قلت؟ لم أسمعك بوضوح."
"اسمها ليس الفتاة البكماء. كونغ يو لينغ، هذا هو اسمها، وأمل أن تتذكره."
"أوه، عذرًا، لم أنتبه للتو..."
"هل هي بخير؟" قاطعه جي مينغ هوان.
"هي..."
ابتسم المرشد ابتسامة دافئة، وبينما كان على وشك الإجابة، تجمد فجأة. في تلك اللحظة، التقت عيناه بنظرات جي مينغ هوان.
كان الشاب الجالس قبالة الطاولة يهز رأسه قليلًا، كتفاه متدليتان ويداه مخفيتان تحت الطاولة كالقصب المقطوع. وجهه الخالي من أي تعابير، بحدقتيه الداكنتين كالسواد المطلق، سواد خاوي بشكل مرعب، كأنه مخلوق غريب قادم من أعماق أخدود سحيق، يتهيأ لافتراس طريدته.
بعد لحظة، استعاد المرشد رباطة جأشه وأمال رأسه متفاديا نظرات الفتى أمامه وقال: "وضعها الحالي آمن للغاية. ورغم أن رجالنا قد صنفوها كمستخدمة قدرة روحانية؛ والتي يتم اعتبارهم من النوادر، إلا أنه ومن الناحية الموضوعية، فإن مستوى خطورتها أقل بكثير من مستواك، لذا فهي تتمتع بحرية أكبر نسبياً. وتحركاتها ليست مقيدة إلى هذا الحد."
توقف المرشد، والتقى بنظرات جي مينغ هوان مرة أخرى. وسأله بصوت منخفض:
"هل تريد لقاءها؟"
"متى؟"
"غدًا. سأحضرها إلى هنا لتراك."
"أنت لا تكذب علي؟"
"لا"، هز المرشد رأسه ونفى بنبرة هادئة؛ "ليس لدي سبب لخداعك. أنت وهي كِلاكما طفلان طيبان، وسأبذل قصارى جهدي لأرتب لكما هذا اللقاء."
لكن هذه الكلمات التي بدت مخلصة سقطت في صمت سكونِه كالموت، ولم يتردد صداها سوى بالصمت.
وعندما رأى الطرف الآخر ما يزال صامتًا، التقط المرشد الترموس من على الطاولة وقال: "على أي حال... حديثنا اليوم ينتهي هنا. خذ قسطًا من الراحة." وبينما كان يقول ذلك، نهض من الكرسي وتوجه نحو المخرج.
وبينما كان على وشك إلقاء تحية الوداع، رفع جي مينغ هوان عينيه فجأة وناداه.
"انتظر... لدي سؤال آخر."
توقفت خطوات المرشد بغتة، وكان طرف معطفه الأبيض قد مر للتو فوق العتبة المعدنية.
توقف في مكانه وأدار نصف جسده.
"ما هو؟"
"متى يمكنني المغادرة من هنا؟" وبعد أن نطق بالسؤال، أضاف مرادفًا بخفوت: "أنا... أريد العودة إلى الميتم."
لم يجب المرشد على الفور، بل وقف ويداه خلف ظهره. وبعد لحظة من الصمت، رفع يمناه ليعّدل النظارة على أنفه، مظهرًا ابتسامته المعتادة.
"إذا أحسنت التصرف وتعاونت مع عملنا في إكتشاف ماهية قوتك وتقييمها.. ستتمكن من المغادرة."
أخيرًا، غادر بتلك الإجابة الغامضة ودون أن يلتفت إلى الخلف.
جلس جي مينغ هوان على الكرسي خالي الملامح، يراقب بصمت ظلال المرشد وهي تتلاشى في الأفق.
كان يدرك في أعماق قلبه أنه على الأرجح لن يغادر هذا المختبر أبداً، أو ربما... بحلول الوقت الذي يتأهل فيه لـ "المغادرة"، سيكون مجرد جثة هامدة.
ومع تلاشي صوت الخطوات تدريجيًا، لم يمضِ وقت طويل حتى حُجبت قامة المرشد خلف الباب المعدني المنغلق. ومن ثم، انطفأت أضواء "غرفة النوم" واحدة تلو الأخرى هذا إن كان يمكن تسمية هذا الصندوق المعدني بغرفة نوم.
وبطبيعة الحال، عاد جي مينغ هوان مرة أخرى إلى حالة من الضجر المطلق، ولم يكن أمامه خيار سوى النهوض من الكرسي.
مُحاطًا بالظلام الدامس، لم يكن بمقدوره حتى رؤية يده، لكنه كان قد حفظ كل إنش وتفصيلة في غرفة الاحتجاز هذه منذ زمن بعيد، لذا مشى بصمت نحو السرير، واستدار، ومد ذراعيه متخذًا وضعية نجمة البحر، وانهار بوهن على السرير.
لم يكلف نفسه حتى عناء سحب اللحاف ليغطي به جسده، بل اكتفى بإغلاق عينيه، وللغرابة... لم يشعر جي مينغ هوان بأي إحباط، فقد اعتاد على الأمر منذ مدة طويلة.
غرفة الاحتجاز الصامتة، عيون كاميرا المراقبة الباردة، المرشد ذا قناع الطيبة، والضابط العصبي متقلب المزاج؛ كل ذلك تشكلت منه حياة جي مينغ هوان خلال الشهر الماضي.
في الظلام، بدأ وعي الفتى يتلاشى تدريجيًا، وكأنه يغرق في بعد مجهول.
لف شعور مفاجئ بانعدام الوزن جسده بالكامل، وكأنه يهوى من سطح مبنى شاهق، وجدرانه الزجاجية قد صُبغت باللون الذهبي بفعل غروب الشمس، تعكس جسدًا مشوهًا في حالة سقوط حر، ثم باااام؛ غاص دفعة واحدة في بحر جليدي، حيث القمر المنعزل معلق عاليًا، وظل سمك القد يسبح ببطء تحت الجليد تحت ضوء ذلك القمر.
وفي النهاية، لم يتبقَ سوى لون أزرق فاقد للحس، بارد برودة تكفي لتجميد الفؤاد مفقدًا إياه كل الإحساس.
لقد كان يحلم.
[أهلاً بك، لاعبنا رقم واحد.]
[جاري تحميل "لعبة الانقسام اللانهائي"، ستدخل قريبًا مرحلة "إنشاء الشخصية".]
كان هذا آخر صوت سمعه.