* * *
كانت أوديلي تقضي أيّامًا هادئة في الجناح المنفصل.
تتجوّل في الحديقة مع ليونا، تقرأ الكتب في المكتبة القديمة، وتتحدّث خلال وجبات الطعام عن الأغراض التي تأتي من القرية.
من الخارج، كانت تبدو مجرّد ضيفة نبيلة هادئة ومجتهدة.
"سيّدتي الدوقة، هذا الصباح وصلت جذور وومبيلا. إذا شربتِ شايًا منها، ستتحسّن برودة يديكِ وقدميكِ."
تحدثت ليونا بفخر.
ألقت أوديلي نظرة على سلّة الأعشاب في يديها.
جذور وومبيلا، التي تُساعد على تحسين الدورة السحريّة وتخفيف برودة الأطراف، كانت من الأعشاب باهظة الثمن.
"لقد بذلتِ جهدًا كبيرًا لجلب هذه."
"ههه."
ربتّت أوديلي على رأس الفتاة التي تبتسم بخجل كما لو كانت تنتظر المديح.
ثمّ التقطت الأعشاب وفحصتها بعناية.
لون أرجوانيّ زاهٍ بشكل مبالغ فيه.
وزنها كان خفيفًا بشكل غريب.
وفي أسفل السلّة، كانت هناك آثار واضحة لقطع أطراف الجذور.
"هل وصلت بهذا الشكل؟ هل كان هناك شيء غريب؟ مثل، الغلاف على سبيل المثال ..."
"الغلاف؟ آه ... ربّما استخدموا ورقًا معاد تدويره، كان مغلّفًا بطبقات عديدة. يبدو أنّ بعض المتاجر تفعل ذلك أحيانًا."
لم تقل أوديلي شيئًا.
لكنّها كانت متأكّدة داخليًا.
'يبدو أنّه لا يزال لا ينوي التوقّف عن السرقة.'
بل على العكس، ربّما كان من حسن الحظّ أنّه أصبح أكثر طمعًا.
لو باع القلادة واختفى ، لكان من الصعب جمع الأدلّة أو معاقبته.
لكنّه لا يزال يعبث بيده.
لحسن الحظّ.
"اذهبي إلى غرفتكِ مبكرًا اليوم وارتاحي، ليونا."
"ماذا؟ فجأة؟"
هل أخطأتُ في شيء؟
اتّسعت عيناها بدهشة و ارتباك.
"ماذا لو سعلتِ في الليل؟ يجب أن أحضر شاي الزنجبيل فورًا..."
هدّأتها أوديلي ووضعت حلوى صغيرة في يدها.
كانت الحلوى التي تحملها ليونا دائمًا لتناولها بعد الأدوية المرّة.
"يوم واحد لن يضرّ. لقد تناولتُ الدواء مسبقًا، وبفضلكِ تحسّنت كثيرًا."
"لكن ..."
"اذهبي و نامي جيّدًا. غدًا سيكون الطقس مشمسًا، ربّما نحتاج للتسوّق."
لم ترغب ليونا في المغادرة بسهولة.
ربّما بسبب التقارب الذي نشأ بينهما خلال الأيّام الماضية؟
كانت تتردّد ، و كأنّها لا تريد الانفصال.
فهمت أوديلي مشاعرها، لكنّها قالت بنبرة لطيفة لكن حازمة:
"اليوم، لا يمكنكِ البقاء هنا."
لم تلتقط ليونا النبرة المعنيّة، وأطرقت رأسها بحزن.
"بدلًا من ذلك، هل يمكنكِ تسليم هذا للسيّد الوكيل؟ انتظري حتّى ينتهي من عمله اليوم."
التقطت أوديلي جذر وومبيلا، لفّته بورقة، ووضعته في يدي ليونا.
"هذا؟"
"سيفهم عندما يراه."
مضغت ليونا الحلوى و تحرّكت على مضض.
أُغلِق الباب.
نهضت أوديلي، وربطت حبال العباءة التي أعدّتها مسبقًا.
* * *
في تلك الليلة-
كان الخادم ثيودور يمرّ في الرواق بعد انتهاء عمله كالمعتاد.
كان ظهره يؤلمه من حمل المستندات و الدفاتر الثقيلة.
"يبدو أنّني أصبحتُ عجوزًا."
تمتم لنفسه وهو في طريقه إلى غرفته.
فجأة، توقّف عندما رأى ظلًا صغيرًا يقف تحت ضوء المصباح في نهاية الرواق.
"سيدي"
تذكّر ثيودور اسمها فورًا.
"...ليونا؟"
عادةً ما تكون إدارة الخدم الدنيا من اختصاص رئيسة الخادمات، لكنّه تذكّرها لأنّها الخادمة المسؤولة عن الدوقة كارديل.
اقتربت ليونا بحذر، ومدّت شيئًا بكلتا يديها وهي تنحني بعمق.
"طلبت منّي الدوقة تسليم هذا."
في يدها، كان هناك شيء ملفوف بورقة رقيقة.
عندما فتحه، وجد جذر وومبيلا.
"هذه ... الأعشاب التي أكّدتِ وصولها هذا الصباح، أليس كذلك؟"
"نعم، لكن عندما نظرتُ الآن، بدا حالها غريبًا. بدأت تذبل..."
"انتظري لحظة."
أمسك ثيودور بالعشبة وفحصها بعناية.
ثمّ توقّف فجأة.
"...هذه ليست جذور وومبيلا."
"ليست كذلك؟"
"إنّه جذر ليلفوا. سعره لا يتجاوز خُمس سعر وومبيلا. لقد صُبغ باللون الأرجوانيّ ليبدو مقنعًا."
"ماذا؟"
اتّسعت عينا ليونا بدهشة.
كادت أن تُعدّ شايًا من هذا للدوقة.
"كيف يجرؤون على فعل هذا!"
بوجه يمزج بين الغضب والارتباك، ضربت الأرض بقدمها، وقالت إنّها ستذهب لمواجهة التاجر غدًا.
لكنّ أفكار ثيودور كانت مختلفة. لم يكن هذا عمل تاجر ...
شعر بشيء غريب ، فأطرق للحظة ، ثمّ استدار فجأة.
فهم لماذا أرسلت الدوقة هذه العشبة إليه بالذات.
لم يكن مجرّد تقرير عن خلل.
كان إشارة إلى أنّ شيئًا ما يحدث في الجناح المنفصل.
"...يجب استدعاء قائد الحرس."
"ماذا...؟"
بينما كانت ليونا مرتبكة، أسرع ثيودور في خطواته واختفى في الظلام.
* * *
في زقاق لا يكاد يصل إليه ضوء القمر.
تحرّك ظلّ مختبئ خلف الجدار بحذر شديد.
كان زيك، الخادم المسؤول عن إدارة المخزن.
على مدى عشر سنوات، كان يسرق تدريجيًا من الحبوب، اللحوم، الأعشاب، والأجزاء المعدنيّة.
في البداية، كان يفكّر: "إنّها أشياء زائدة، فما المشكلة؟"
لكنّ السرقة أصبحت عادة، ثمّ أصبحت روتينًا يوميًا، والآن أصبحت فسادًا لا يمكنه التوقّف عنه.
عشر سنوات كاملة.
لم يُكتشف أبدًا ، ولو مرّة واحدة.
هذا السجلّ جعله أكثر جرأة.
'...بالتأكيد، الآن هو الوقت المناسب للسرقة.'
قرّر زيك أن يقوم بعمل جريء مرّة واحدة أخرى.
لم يعد يكتفي بالاختلاسات الصغيرة.
السبب كان بسيطًا.
منذ أن زار الجناح المنفصل قبل فترة ووضع يديه على جواهر ثمينة، تغيّر كلّ شيء.
قلادة مرصّعة بجوهرة حمراء، خاتم مصنوع بدقّة، وزينة فاخرة لا يعرف اسمها ...
لم يبعها بعد لأنّه يبحث عن مشترٍ مناسب، لكنّها ستجلب له ثروة طائلة بالتأكيد.
لم يعرف لماذا كانت هذه الأشياء الثمينة مخبّأة في ركن من الجناح المنفصل المستخدم كمخزن.
ولم يكن ينوي معرفة ذلك.
الشيء المهمّ الوحيد هو:
حتّى بعد أخذها، لم ينتبه أحد لذلك.
'أنا متأكّد أنّ هناك شيئًا آخر ثمينًا في الجناح المنفصل.'
منذ ذلك اليوم، بدأ زيك يتردّد حول الجناح المنفصل مرّة أخرى، يتربّص بفرصة أخرى.
لكنّ الأمور لم تسر بسهولة.
في تلك اللحظة بالذات، ظهرت الدوقة كارديل وبدأت تقيم في الجناح.
هل تريد هذه الدوقة الرقيقة تجربة حياة الفقراء؟
على أيّ حال، لم يستطع فهم دوافع النبلاء.
تذمّر قليلًا، لكنّه أدرك أنّ هذا الوضع قد يكون فرصة.
لقد وجد الشخص المثاليّ لتحميله المسؤوليّة.
'لمَ لا ألقي اللوم على الدوقة؟'