لم يُطلب منا أن نولد... بل أُجبرنا على الوجود. كان اليوم يومًا مروعًا، وغدًا سيكون أسوأ. في النهاية، كل شيء سيزول. كل شيء يتلاشى...

ترسخت هذه الكلمات في قلب دامون غراي، كترنيمة صامتة اكتشفها محفورة على لوح حجري مكسور، مدفونة جزئيًا في جذور شجرة عتيقة. عثر عليها مصادفةً خلال أحلك ساعات حياته، كلمات ظهرت عندما ظن أن الاستسلام لليأس أسهل من المضي قدمًا.

رغم أن النقش على شاهد القبر كان مجزأً، إلا أن الجزء الذي استطاع قراءته قد علق به، وفي تلك الكلمات وجد عزمه على الحياة بدلاً من الاستسلام.

أثّرت فيه الجملة الأولى كحقيقة قاسية: "لم يُطلب منا أن نولد...". كانت ظروف ولادته خارجة عن إرادته، قرارًا اتخذه آخرون، مما جعله مجرد بيدق في يد القدر. نبيلًا كان أم عاميًا، مباركًا كان أم ملعونًا، كانت ولادته هي التي تحدد مصيره في الحياة.

بالنسبة لدامون، كانت حياة مليئة بالمصاعب والضآلة.

أما السطر الثاني فقد عكس كل لحظة من لحظات يقظته، "لقد كان اليوم يوماً مروعاً... غداً سيكون أسوأ".

كان كل يوم بمثابة صراع، ودائرة من المعاناة التي ولد فيها كعامة فقير يتيم، عاجزاً أمام ظلم أولئك الذين هم أقوى منه.

ومع ذلك، في النهاية، كل شيء زائل... كل شيء يزول. منحه هذا السطر الأخير بصيص أمل. إذا كان كل شيء مؤقتًا، فكذلك ألمه. معاناته، مهما بلغت من شدة، ليست أبدية. وبطريقة ما، أبقته هذه الفكرة على قيد الحياة، حتى وإن كانت مجرد ذريعة لتجنب الاستسلام.

تشبث دامون بهذه الكلمات، فوجد القوة للمضي قدمًا، متحملًا كل يوم بشعاع أمل. لقد تمكن من اجتياز الصعاب بصعوبة، حتى وصل في النهاية إلى الأكاديمية، لكن هنا، محاطًا بمن ينظرون إليه بازدراء، بدا أن يأسه قد ازداد.

لم تختفِ مصاعبه؛ بل اتخذت شكلاً مختلفاً، وبدأ أمله يتلاشى.

وبينما كان يسير في الغابة الكثيفة، انهمرت دموع حارة على وجهه. عضّ شفتيه حتى تذوق طعم الدم، بالكاد شعر بالوخز، وعقله متشبث بتلك التعويذة الكئيبة كدعاء ملتوٍ لأي إله مستعد للاستماع، وقلبه يغلي بالاستياء.

"أنا لست حشرة..." كررها بصوت خافت، وكل خطوة يخطوها مثقلة بالإحباط والغضب.

وصل إلى فسحة منعزلة داخل الغابة. أصبحت تلك المنطقة، المليئة بدمية تدريب وعدة أسلحة بدائية أخذها من أرض الأكاديمية، ملاذه الخاص. هنا، كان يتدرب وحيدًا، بعيدًا عن أعين أقرانه المتطفلين، الذين لم يروا فيه سوى مشهدٍ مثير للسخرية، شخصًا يسخرون منه لضعفه.

اقترب دامون من رف الأسلحة والتقط سيفًا خشبيًا للتدريب، وكانت رؤيته مشوشة بالدموع. تحرك نحو دمية التدريب، ولوّح بها، وكانت كل ضربة أقوى من سابقتها، كما لو كان بإمكانه تحطيم إحباطه بقوة هائلة.

تقرحت يداه، وانشق جلده، لكنه واصل القتال، حتى اختلط عرقه بالدم، حتى آلمته ذراعاه، وحتى لم يعد قادراً على رفع السلاح. سقط على ركبتيه، وترك الشمس تغيب وراء الأفق، غارقاً في أفكار العجز.

وبينما كان يتردد هناك، أيقظه صوت خطوات على أوراق جافة من شروده. وسقطت عليه عدة ظلال، ألقتها أشكال تقف في دائرة ضيقة حوله.

قبل أن يتمكن من الرد، تأرجح حذاء للأمام، وضرب بطنه بقوة، مما أدى إلى سقوطه للخلف وهو يلهث لالتقاط أنفاسه.

أمسك ببطنه، يكافح لاستعادة توازنه، ثم رفع بصره فرأى ماركوس ، محاطًا بأتباعه المعتادين - لارك بونير، وإسحاق ريغاردي، وآخرين. كانوا من أتباع زاندر رافينكروفت، لكن اليوم، بدا أن ماركوس هو من يقودهم.

"أنا أكره النبلاء"، فكر دامون بمرارة، وهو يجبر نفسه على الوقوف على قدميه.

"حسنًا، انظروا من هنا - الخروف الأسود للأكاديمية"، قال ماركوس ساخرًا، وقد ارتسمت على وجهه علامات الازدراء.

"هل ظننت أنك ستفلت من العقاب بعد أن صادفت زاندر دون أن تعتذر؟"

انقبض قلب دامون. كان يعلم أنهم يبحثون عن أي ذريعة للتنمر عليه. ومع ذلك، ظل ثابتاً، وتألقت شرارة التحدي في عينيه رغم ارتعاش صوته.

"لقد اعتذرت بالفعل. ماذا تريد مني أكثر من ذلك؟"

تقدم لارك بونير للأمام، وارتسمت ابتسامة ساخرة قاسية على رأسه ذي الشعر الأخضر.

"أوه، إنه يظن أنه يستطيع الرد"، سخر منه.

"عار الأكاديمية، وهو ينظر إلينا بازدراء – نحن من هم أفضل منه."

اتسعت الدائرة، وبدأ دامون يرمقهم بنظراته بحثًا عن أي فرصة للنجاة. لكنه كان قد غفل طويلًا، فأحاطوا به تمامًا.

كان لارك أول من بادر بالهجوم، حيث وجه لكمة قوية إلى جانب رأس دامون، مما أدى إلى تعثره باتجاه ماركوس.

استغل ماركوس الفرصة، فرفع يده وأطلق موجة جليدية من مسافة قريبة جداً، مما أدى إلى دفع دامون للخلف بفعل قوة التجميد.

اصطدم بإسحاق، الذي ابتسم بخبث وهو يسحب يده للخلف، مستخدمًا سحر الأرض. وبحركة سريعة، دفع إسحاق كفه للأمام، وانهالت قبضة مغطاة بالحجر على صدر دامون، فأخرجت الهواء من رئتيه وألقته أرضًا.

تدحرج دامون بشكل غريزي، متفادياً بصعوبة موجة جليدية أخرى وهو ينهض على ركبتيه، فقط ليتقدم لارك للأمام، مبتسماً وهو يوجه ركلة قوية إلى أضلاع دامون.

ضحكت المجموعة، وترددت أصداء أصواتهم الساخرة وهم يثبتون دامون أرضًا، وذراعاه مقيدتان خلف ظهره. حاول المقاومة، لكنه كان عاجزًا تمامًا. جثا لارك أمامه، ساخرًا وهو يوجه له لكمة قوية في وجهه، فملأ صوت طقطقة حادة المكان بينما تدفق الدم من أنف دامون.

تشوشت رؤيته، وتضاءلت قوته، لكنه شدّ على أسنانه وتمسك بآخر بقايا التحدي التي بقيت بداخله.

ضحك ماركوس من خلف دامون، وكان صوته يقطر سخرية.

"هيا يا غراي، أرنا سحرك الخاص بالظلال. لنرى إن كان له قيمة."

سخر لارك، ثم وجه لكمة قوية إلى وجه دامون، فدفعته إلى الوراء. سقط دامون بقوة، وانزلق من بين قبضات الأولاد الآخرين وهم يضحكون، يشاهدونه وهو ينهار على الأرض.

تقدم لارك للأمام، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، ورفع ساقه، مستعدًا لركل دامون مباشرة في رأسه. لكن دامون تحرك في الوقت المناسب تمامًا، وانحنى منخفضًا، وفي لحظة يأس، غرس قبضته في منطقة لارك الحساسة.

شحب وجه لارك، واختفت ابتسامته الساخرة وهو ينهار على ركبتيه، وقد ارتسم الألم على ملامحه.

نهض دامون مترنحاً على قدميه، وكان يلهث بشدة، ودون تردد، استدار وانطلق مسرعاً إلى الغابة، بينما كان ضوء الشمس الخافت عند الغروب يلقي بظلال طويلة خلفه.

للحظة وجيزة، شعر ماركوس بالذهول وهو يشاهد لارك يتلوى من الألم على الأرض. لكن سرعان ما تحولت دهشته إلى غضب عارم.

"انهضوا!" صرخ في وجه الآخرين، وعيناه تشتعلان غضباً.

"الحقوا به! لا تدعوه يهرب!"

تدافعت المجموعة، وتجمعت استجابة لأمر ماركوس، وترددت أصداء خطواتهم في الغابة وهم يندفعون خلف دامون، وصرخاتهم تخترق الغسق.

2025/12/26 · 94 مشاهدة · 960 كلمة
Himmelzaggich
نادي الروايات - 2026