10 - الفصل 10: الفصل الثامن (الجزء الاول)

سألوني كثيرا يا ابتسامتي الرغيدة..

اين هو وطنك الذي تعشق فيه العيش؟

وهل تعرفين ما كانت إجابتي الزهيدة؟

لا وطن ما دامت امرأة روحي بعيدة عني..

سألوني يا حبيبتي اين ارضك الصامدة؟

فأجبت شامخا برأسي بكل خيلاء:

امرأتي هي ارضا لا تحطمها مدافع ولا حديد..

وسألوني مرة اخرى يا كاردينتي الحبيبة..

هل انت في عشقها اسير ام هي في غرامك شهيدة؟

فابتسمت دون ان اجيب للعيون التي لحبنا حاسدة..

وهمست: هل الطفل في ملاذ امه فقيد؟

--------------------

تفاقمت الشعلات النارية الغاضبة في صدره وهو يحدق بالقنابل المتمردة التي تطلقها عينا ابنه.. فدنى منه بخطوات ساخطة وزمجر بعصبية:

- هل تتحداني يا ليث؟

- انا لا اتحداك ابي.. انا سأتزوج الفتاة التي احب.

اجابه بهدوء لتتدخل لين حتى تهدئ من الجو المتوتر بين زوجها وابنها هامسة برقة:

- ريس حبيبي.. دعنا نتفاهم بهدوء.. الصراخ والعصبية لن يأتيا بحل.

- الا ترين ابنك كيف يتمرد على ما اقوله؟

هدر ريس بغضب ليهتف ليث ببرود:

- بكل بساطة ابي كما انت تحب امي ولا تريدها ان تكون لغيرك ولا ان تكون انت لغيرها، انا كذلك.. سيلا لن تكون الا لي وانا لن اكون الا لها.. ولو حدث ما حدث!

خففت سيلا وطأة ضغط اناملها على قميص ليث الأسود واذنيها تستمع الى تصريحه المتملك لها وله.. ثم طأطأت برأسها للأسفل من النظرات المنصوبة نحوها قبل ان تحس بغيث يزلف منها هامسا بابتسامة مطمئنة:

- بامكانك الجلوس انسة سيلا مع امي.. ابي وليث سيتحدثان على انفراد في المكتب.

- تعالا.

غمغم ريس بهدوء مزيف للتوأم ليتبعاه بعد ان اعطى ليث نظرة ذات مغزى لأمه التي ردت عليه بابتسامتها الحنونة..

وبعد ان تبقتا الاثنتان بمفردهما مدت لين يدها لتضعها على كتف سيلا برقة ودمدمت بصوتها الدافئ:

- اجلسي حبيبتي ولا تقلقي.

ترددت سيلا في الجلوس الا ان قدميها الواهنتين انصاعتا بسرعة طالبتا سندا يتكئا عليه حتى لا يقعا.. استشعرت مرة اخرى باللمسة الدافئة تتجول على خصلات شعرها المندسل على ظهرها بنعومة تدغدغ الحواس..

احست بحنان غريب يفوح من تلك المرأة التي تبدو كالورد الجوري في نبلها وحبها.. كزوجة عمها تماما الطيبة "سحر" التي شاهدت مقتل ابنها اليوم بسببها..

تكردست العبرات الشجية المكدومة في مآقيها ودون ادنى صبر تصببوا بمرارة حارقة على خديها الحمراوين من كثر الدموع التي ابجستها مقلتيها ومن كثر انفعالها وغضبها من تصرف ليث الذي لن تنساه ما دام في صدرها نفس..

وهن فتّاك يتفشى في ثنايا جسدها ليقشعر قلبها تأوها من الكتم التي تخنقه في حلقها حتى لا تُكشف دموعها وصرخاتها المخنوقة التي تكبش على روحها بلا رحمة..

رفعت عينيها الخريفية بصفارها المائل للخضار حينما امسكت يد لين ذقنها حتى ترفع لها رأسها.. ثم التقت اذنيها الهمسة الحازمة الناعمة التي قالتها لتجهش ببكاء مرير يمزق نياط الأفئدة حزنا وشفقة..

"ابكي حبيبتي لترتاحي"

وبكت وبكت وبكت.. الى ان جفت الدموع في مقلتيها الترحتين.. ثم بحاجة عارمة الى ملاذ تدثر نفسها في طياته اوغلت نفسها في حضن لين التي تقبلت عناقها بصدر مرحب..

همست لين بحنو وهي تمرر واحدة من يديها على ظهرها والأخرى تلعب بخصلات شعرها البنية:

- اخبريني حبيبتي لماذا تبكين؟

- انا.. انا..

تلعثمت غير قادرة على البوح بفعلة ابنها الشائنة.. لا تقدر وهي من احتوتها كالدثار الحريري لتحجب عنها الاوجاع.. لا تقدر ان تفزع قلبها.. فهي ام.. وواضح جدا كم تحب ابنائها وخاصة النظرة الدافئة المفعمة بالحنية التي تهبها لبكرها.. لو عرفت فعلة ابنها وما سيؤول اليه بفعلته لتنهار وهي غير قادرة على مواساتها.. هي بنفسها تحتاج لمن يواسيها..

شجعتها لين بايماءة خفيفة من رأسها لتمسح اناملها العبرات الكثيرة التي تزين وجهها الجميل وتغمغم بهدوء كاذب:

- لا شيء خالتي.. انا فقط خائفة ومتوترة بسبب شجار ليث ووالده بسببي.

- لا داعي لقلقك حبيبتي.. ليث احسن الاختيار.. ما شاء الله انتِ جميلة جدا وطيبة للغاية.

ردت عليها لين بابتسامة لتبتسم لها سيلا بخفوت..

وهناك في الاعلى حيث قبع ريس على المقعد الاسود خلف مكتبه وجلسا التوأم على المقعدين امامه هتف ليث ببرود:

- اذا ابي.. لا يوجد ما نناقشه لأنني مصرّ على الزواج من سيلا.. هذا قراري النهائي ولن اغيره ابدا ابدا.

- تتصرف بتهور جدا يا ابن ابيك.. لا تعرف بأي نار تلقي نفسك.. لم تعد تزن تصرفاتك ولا حتى افكارك.. كالمراهقين تتصرف يا ليث.

غمغم ريس بهدوء ليرد عليه ليث بابتسامة جانبية:

- هل يعدّ الحب مراهقة؟ او التمسك بمن تحب والسعي للحصول عليه لك وحدك مراهقة؟ لم اعد افهم يا ابي فوضح لي اكثر.

- انا لا اتكلم عن الحب ليث.. انا اتكلم حول تصرفاتك.. اعلانك امام موظفي الشركة ان سيلا السالم خطيبتك.. ضربك لموظف جديد في الشركة بسبب انها كانت تصافحه.. تحكمك بكل ما تفعله.. ولا تربطك اي علاقة بها! اليس تصرفك طائشا بني؟

دمدم ريس بجدية ليتنهد ليث بضيق:

- اكنتَ تتعقبني يا ابي؟

- اجل.

اجاب بصراحة قبل ان يستطرد ببعض الغضب:

- هل تعرف ماضيها؟ هل تعرف سمعتها السيئة التي دامت لسنوات طويلة؟ هل تعرف انها تطلقت في يوم زفافها؟

- اعرف كل شيء عنها يا ابي.. انا لا يهمني سوى حاضرها.. سيلا قلبها نقي.. وكانت ترفضني لوقت طويل بسبب خوفها من الماضٍ.. بسبب خوفها ان اتأذى واؤذيها.. سمعتها السيئة كلها اشاعات.. هي بريئة ومظلومة.. وانا.. وانا احبها ابي.. احبها جدا ولا اريد غيرها.

هتف بشجاعة ليبتسم ريس ويغمغم:

- الان انا مطمئن من قرارك.. كنت اريد فقط التأكد من تمسكك بها وعشقك نحوها.. موضوع زواجك بحياة لا وجود له.. انا افتعلته لاتأكد من قوة تمسكك بقرارك وتحملك مسؤوليته.. وبما انك واثق جدا من اقدامك على خطوة الزواج بها انا ليس لدي اي مانع.

- هل انت جاد يا ابا ليث؟

تمتم ليث بذهول فرح ليومئ ريس بهزة بسيطة، ضاحكا ثم همس بصوته الرجولي الثخين:

- غيث وحده من يعرف.. امك لا.. لأنها لو عرفت لكشفت خطتي من كثر حبها لك.

انتصب ليث واقفا عن مقعده بانفعال بشوش قبل ان يندفع على والده ساحبا يده ليقبلها ويغمغم:

- ادامك الله يا ابو ليث.

- قبّل لي يدي انا ايضا.. فانا من حدثت ابي واقنعته.

اردف غيث بعبث لتوأمه ليرمقه ليث باستهزاء ويهتف:

- انت من عليه تقبيل يدي فانا اكبر منك بدقيقتين.

- ولكن ابي دوما يقول انني ابدو الاكبر في تفكيري ورزانة عقلي.. اليس كذلك يا ابو التوأم؟

دمدم غيث بغيظ ليقهقه ريس بقوة ويغمغم:

- صحيح.. والان دعاني منكما.. اود الذهاب الى زوجتي.

وقبل ان ينهض تساءل بتفكير:

- هل ستُبقي خطيبتك في المنزل ام ستُعيدها الى منزلها؟

- لن تعود الى منزلها.

هتف ليث بجمود بعد ان تذكر ما فعله ليقطب ريس حاجبيه وهو يدرس التعابير الواجمة المتجهمة على وجه ابنه.. ثم تساءل بجدية حازمة:

- لماذا لن تعود الى منزلها؟ بالتأكيد لا تستطيع البقاء في منزلنا ما دامت لا تحلّ لك.

- لن ادعها تعود الى ذاك البيت ابدا.. انا اود الزواج بها اليوم!

دمدم ليث ببرود اثار حنق ريس ليغمغم بشك:

- ما الذي حدث في منزلها حتى لا تريدها ان تعود اليه؟

انبلج التوتر على ملامح وجهه وهو يزدرم لعابه تحت انظار والده الصارمة الخبيرة.. وقبل ان ينبس بحرف كان هاتفه يجلجل معلنا عن اتصال ما.. فسحب الهاتف من جيبه بارتباك واستشرى التوتر في سائر خلايا جسده حالما وجد اسم "شاهين" ينير شاشة هاتفه.. الشخص الذي يعمل لديه وكلفه بتولي امر اياد.. فتلعثم قبل ان يقول ببعض الثبات الخائر:

- ابي.. لدي مكالمة.

وسرعان ما انسحب من امام والده وتوأمه المتعجبان من تصرفاته.. وتوجه الى غرفته ليفتح الخط ويهتف:

- اجل شاهين.. ماذا حدث؟

- سيد ليث اردنا دفنه.. ولكنه لا زال يتنفس.

اتاه صوت الرجل الاخر ثابتا ماكنا ليتجهم وجهه ويهدر بغضب:

- كيف؟ انا اطلقت الرصاصة على قلبه!

- الرصاصة لم تصيب القلب وانما فوق القلب.. ونحن..

اجاب بهدوء قبل ان يتلكأ ويستأنف ببعض الارتباك:

- نحن ارسلناه الى المشفى.. وهو في غرفة العمليات حاليا.

- ماذا تقول؟

زمجر ليث بغضب هائج قبل ان يستطرد بانفعال:

- قل لي اسم المشفى.. وتأكد انه لم يمت.. فهذا افضل لي.. ربما كان ضميري سيؤنبني قليلا لأنني قتلته.. ولكن لا بأس سأدعه يرى الموت في الحياة.

وما ان انهى المكالمة زفر بسخط شديد ثم عاد الى مكتب والده ليزم شفتيه بحنق وهو يرى النظرة القاتمة الحانقة التي يبثقها ابيه في وجهه..

تساءل ريس بشك متأكدا منه:

- ماذا فعلت يا ليث في منزل سيلا؟

تطلع ليث الى والده لثوانٍ طويلة مهيّئًا نفسه الى تلك الصاعقة التي سيقوم ثغره بتحريرها.. ثم همس بهدوء يُحسد عليه:

- انا هجمت على اياد ابن عم سيلا...

واطلقت رصاصة على قلبه.. ولكنه لم يمت!

هبّ ريس واقفا بذهول ثائر ينفث اوار من السخط قبل ان يصيح بصوت عال وصل الى مسامع لين وسيلا الجالستان في الأسفل:

- قتلتَ يا مجنون؟ اين نحن حتى تقوم بهذا التصرف دون تفكير؟ هل تعلم عقوبة ما فعلته؟

- انا لا اهتم! كان هناك نار يتفاقم لهيبها في صدري اذا لم اقتله.. لم استطع عدم الثأر لقلبي الذي رُفض مرارا بسببه.. ولا حتى لاجلها هي.. لاجل الحزن والكرب الذي عانته بسببه.

تمتم بجنون ليقترب ريس منه بخطوات سريعة واسعة قبل ان يمسكه من تلابيب قميصه بعنف ويزمجر باهتياج:

- لا بالتأكيد انت جننت! وبحاجة لالقانك بعض الدروس حتى يعود عقلك الى رأسك الفارغ الغبي.

وقبل ان يهم غيث بالتدخل كانت لين تندفع والجة الى المكتب وهي تصيح بفزع:

- ما الذي قلته يا ريس؟! ليث قتل!

- امي..

همس ليث وهو يزلف من امه بعد ان حرره ريس لتبتعد لين خطوتين الى الوراء ودموعها المخذولة تتصبب على وجنتيها بارهاق شديد من كثر المشاكل.. ابتلع ليث الغصة المريرة التي استحكمت حلقه بضراوة متوحشة ومقلتيه تتأمل بوجع عينين والدته التي تسيل الام خذلانها منه.. فاسترسل برجاء:

- الا انتِ يا امي.. تعالي لنتكلم واخبرك كل شيء.

- لا اريد ان اسمعك يا ليث.. بسبب تهورك الان ستُسجن خلف قضبان السجن.. والله اعلم كم سنة سيُحكم عليم بالسجن.. آه يا قلبي.

نشجت ليث ببكاء لتكفهر ملامح ريس بضيق شديد وهو يقترب منها ليحاوطها بيده حتى تستسند بظهرها عليه قبل ان يهتف لغيث بعصبية:

- احضر دواء والدتك.. المشاكل ليست جيدة لقلبها.. وانا لا اريد ان افقدها بسبب جنون اي احد من اخوتك.

وسرعان ما كان غيث يلبي امر والدته ليغمغم ليث بخوف يتعاظم في فؤاده على امه:

- امي.. ارجوكِ انا اعتذر منك.. هو لم يمت.. ما زال على قيد الحياة.. كله الا انت.. ارجوك اهدأي.

- لا اريد ان ارى وجهك الان.. غادر والا حطمت لك وجهك.. وتلك الفتاة التي تُدعى سيلا انا سأقف بجانبها حتى لا تتزوجك.. بالتأكيد الان كرهتك بعدما رأت وحشيتك وقسوتك.

هدر ريس بحدة قبل ان يستأنف وهو يدير جسد زوجته اليه ليضمها الى صدره:

- سلّم نفسك الى الشرطة او انتظر الى ان يقوم احد بالتبليغ عنك.. لا شك ان هناك من رأك.. ولا شك ان ابن عمها سيقدم بلاغا عنك.

- لن أسلّم نفسي قبل ان اتزوج.. اليوم سيتم عقد القرآن.. ولا تهمني العقوبات.

زأر ليث كأسد بربري سينقض بوحشية على كل كن يتجرأ ويقف بطريقه ليحمر وجه ريس من شدة الغضب وهو يصيح بهمجية:

- اخرج من بيتي.. لا اريد ان ارى وجهك.

ثم نادى بصوت عال افجع تلك التي - تقف خلف الباب منذ ان رأت غيث ينزل - تتابع ما يحدث بدموع تنزلق كالحبر الأسود على مذكرات وجهها الذي حفظ كل المشاهد المأساوية الذي كان حاضرا بها..

"سيلا.. اصعدي الي"

ارتعشت قدميها وهي تدلف الى جوف المكتب واستشرت الارتجافة في طيات وجدانها حالما لمحت النظرات الغاضبة البدائية التي يسلطها ليث عليها لتطئطئ برأسها وترسّخ حدقتيها على اناملها المضمومتين حول بطنها..

وسرعان ما توسعت جفونها بدهشة ريثما سمعت السؤال الذي بلبل ثباتها الطفيف واججّ من زلزلة قلبها بخفقاته الصاخبة..

"هل تريدين الزواج بليث؟"

لم تعرف بماذا ترد او ماذا تقول.. هي تحبه.. ولكن.. ولكنهما لا يناسبان بعضهما.. ولا تقدر على التعامل مع عقلتيه المتشددة الشرسة.. والاهم.. والاهم انه قتل ابن عمها وامام امه.. كيف سترفع عينيها لتنظر الى خالتها سحر؟ كيف ولوعة الأم الثكلى تدمي روحها بسيوفها المختالة؟ كيف؟ تعرف انه ودّ الثأر لها ولنفسه.. ولكن.. ليس بهذه الطريقة التي قام بخطو سبيلها.. ابدا.. هي ايضا كرهته لأبن عمها بسبب ما فعله معها ولكنها لم تتمنى له الموت.. كل ما كانت تريده هو ان تنتقم منه بمعاناته في السجن لسنوات طويلة.. بعدد السنوات التي تشجمت بها الظلم المرير منه..

بُرم لسانها غير قادرا على النطق وهي تستمع الى الانفاس اللاهثة التي تتدحرج في اذنيها.. ما بين غضب وجنون وخوف..

انقذها من الموقف الذي كبلها بأصفاد خانقة ولوج غيث الذي تقدم بلهفة من والدته وناولها قرصين من الدواء وكوبا من الماء..

ولم يبتر ديمومة الصمت الرهيبة سوى صوت ليث الحانق الذي اجاب بدلا عنها:

- سيلا موافقة على الزواج مني.. اليوم سنتزوج.. ولا يوجد اي سبب يمنعني من الزواج بها بما ان ابن عمها لم يمت.. بعد ان يُشفى سيدخل الى السجن بكل تأكيد.. وفعلتي لها مبررا.

- اياد لم يمت!

دمدمت سيلا بتفاجؤ ليصر ليث على اسنانه بغضب ويهتف بلؤم:

- لا.. لم يمت.. كالقط بسبعة ارواح ابن عمك النذل.

- انا اريد الذهاب الى خالتي سحر.

غمغمت وهي ترمق ريس بنظرات متوسلة ليتنهد بضيق ويردف:

- حسنا كما تشائين.. ولكن سأكرر سؤالي مرة اخرى.. هل تودين الزواج بليث؟

- انا لا اعرف.

تمتمت بحيرة صادقة لترد لين عليها بدلا من البقية بصعوبة:

- ارجوكِ وافقي يا ابنتي.. انا اتخذتك كابنتي تماما.. وافقي وصدقيني لن تندمي.. انا سأكون بجانبك دوما.

- لين دعيها هي تتخذ القرار بنفسها.

قاطعها ريس باصرار لتبتلع ريقها وتهمس بعد دقائق طويلة:

- انا موافقة.. ولكن..

- ولكن ماذا؟

حثها ريس بهدوء وهو يتأمل الثور الهائج الذي بجانبه لتسترسل بتوتر:

- انا اود البقاء في منزل خالتي الى ان يُشفى ابن عمي تماما.

إعلان

- مستحيل.

رفض ليث بانفعال متوحش قبل ان يستطرد:

- ذاك المنزل لن تطئه قدميك بعد الان.

لم يأبه ريس بما قاله ابنه وهو يغمغم بهدوء:

- لك ما شئتِ.. اليوم سيتم عقد القرآن.

*****************

تأهبت جميع حواسها حينما سمعت صرير الباب الذي يُفتح ورأت الجسد الضخم يخطو خطواته الشكيمة نحوها فرمقته بنظرات غاضبة حانقة ليبتسم بقسوة ويتساءل وساقيه الطويلة تتربع على الأرض المليء بالقش الخشبي حيث ترقد:

- هل فكرت حبيبتي ما هو القرار الذي اخترتيه؟

شمخت برأسها وتوهجت ذهبتيها لتبدو كهريرة صغيرة تلهو في الجوار، غير دارية بذاك النمر الذي يفوقها قوة ودهاء بأضعاف والذي يرغب في أسرها في مقصورته لتكون له فقط.. لوحده..

حدقت به لبرهة قبل ان تهتف بكره:

- اجل فكرت ان اخبر ابي عما فعلته بي ليدعك تعرف مع من تعبث.

قهقه بوحشية قبل ان يميل برأسه نحوها ليرتد ظهرها الى الوراء خشية مما سيفعله.. ثم امتدت انامله الخشنة لتستولي على مؤخرة رأسها وهو يهمس بشراسة ارعبتها:

- على ما يبدو انك احببتِ البقاء في هذا الكوخ وخاصة معي.. ممم ما رأيك ان احضر المأذون الان لنتمم الزواج دون ان نضطر للعودة ابدا؟

- انت مجنون.. ابتعد عني.

صاحت بخوف وهي تتخبط بين ذراعيه ليقهقه بخشونة ويسلط حدقتيه السوداء الثائرة على عينيها الدامعتين وهو يدمدم كشخص فقد حبيبات رشده بينما قبضته تشتد قوتها ضغطها على عنقها:

- هل ابقيتِ بي عقلا لتقولي عني مجنونا؟! اخبريني الان يا رين لان صبري قد نُفذ منذ وقت طويل.

- انا موافقة على الزواج منك وسأخبر الجميع بذلك ولكن اعدني ارجوك الى منزلي.

غمغمت ببكاء لتحررها قبضته بعنف بينما يهتف بتشفي وهو يوثب من مكانه:

- جيد جدا.. ستبدأ الاثارة بيننا يا لعنة عشق تدمر حياتي.

- ماذا تعني آسر؟

تساءلت بتوجس واصابعها الرقيقة تمسح دموعها عن وجنتيها.. فاجاب بتهكم يخفي في طياته الكثير:

- لا شيء يا جميلة.. لا شيء.

تطلعت رين اليه بريبة ثم قالت بصوتها المبحوح من البكاء:

- لنعود الان.

وفي طريق عودتهما اسندت رأسها على نافذة السيارة الزجاجية بينما عيناها تتوسم النظر في الطبيعة الخلابة التي حولها.. الاشجار الخضراء الكثيفة.. البحيرات السماوية اللامعة.. واكثر ما اثار اعجابها وجعلها تبتسم بصدق هو منظر البقر والغنم الذين يمشون وراء الراعي الحامل عصاه الخشبية في يده على جانب الطريق.. فهتفت بسرعة وراحتها تهز ذراع آسر الذي يبتسم بداخله على عادتها التي لن تغيرها ابدا:

- آسر اوقف السيارة جانبا ارجوك.

- حسنا.. ولكن اهدأي.

اجاب بحنق كاذب وهو يركن سيارته على جانب الطريق لتترجل بسرعة من السيارة وهي تركض تجاه الراعي العجوز تاركة اياه يتبعها راكضه..

- عمي.. توقف لحظة.

صاحت رين بينما تركض بسرعة ليتوقف الراعي مكانه باستغراب وهو يتأمل الشابين اللذان يركضان.. وما ان وصلا اليه لاهثان انفاسهما تساءل بطيبة:

- ماذا تريدين يا صغيرة؟

ابتسمت بصعوبة وهي تلتقط انفاسها الهادرة قبل ان تهمس باستعطاف محبب:

- ارجوك دعني امسك عصاك لأرعاهم.

- دعها تفعل.. هذه عادتها منذ كانت طفلة.

غمغم آسر بابتسامته الفاتنة ليضحك العجوز بمرح بينما يمد عصاه الخشبية لرين التي التقطتها بسرعة ووميض لؤلؤتيها يتألق كالعسل الصاف الذي يسلب نياط الافئدة..

ابتسم آسر وهو يرى بهجتها الطفولية بينما ترعى الغنم والبقر ليتقدم خطوة الى الامام قبل ان يسمع العجوز الراعي يتساءل:

- هل هي خطيبتك ام زوجتك؟

- خطيبتي يا حج.. سنتزوج في نهاية هذا الشهر باذن الله.

اجاب آسر مبتسما ليربت العجوز على كتفه ويغمغم ببسمة دافئة:

- جمع الله بينكما في الخير وتمم لكما فرحكما.

- تسلم يا حج.. هل تقنط هنا؟ في هذه الارض؟

همس آسر بفضول ليومئ العجوز وهو يشاور الى منزل بعيد يبدو كبيرا نوعا ما ويردف:

- صحيح.. ذلك هو منزلي.. اعيش به انا وابني وزوجته وابنته.

- فليحفظهم الله.. منزلك يبدو جميلا ومريحا.

قهقه العجوز قليلا قبل ان يدمدم بصوته الثقيل الشيخوخي:

- صحيح بني.. والان اخبرني ما هو اسمك وما اسم خطيبتك الجميلة؟

- اسمي آسر يا حج وخطيبتي رين.

اجاب آسر متبسما برقة ليقول العجوز:

- اسمائكما جميلة.. وانا اسمي ابو رشيد.

- آسر هيا لنعود.

قاطع حديثهما صوت رين الفرح ليضحكا الرجلان ويغمز لها آسر بعينه بطريقة جذابة ليحمر وجهها خجلا بسبب عبثه امام العجوز.. ثم هتف بعبث محبب:

- هيا حبيبتي.. ولكن اولا تعالي لتسلمي على الحج ابو رشيد فهو سمح لك ان تكون الراعية مكانه.

سلما عليه ثم غمغم آسر بابتسامة واثقة:

- سندعوك باذن الله على حفل زفافنا يا حج.

- ان شاء الله.

اجاب العجوز مبتسما لتحتقن ملامح رين بضيق شديد بينما تقلد آسر بصوت منخفض حاقد..

هتفت رين بغيظ وهي تفتح باب السيارة لتجلس على المقعد الامامي في السيارة:

- واثق جدا ما شاء الله.

- استغفر لله العظيم.. يا فتاة اكبري قليلا.

زفر آسر بحنق لترتخي على المقعد الذي ورائها وتتوه في المسائل الشاقة المعقدة التي تهاجم عقلها بلا هوادة لتستنزف طاقتها في ايجاد حلول لها دون جدوى..

*************

ابتسم غيث بخفة وهو يولج الى غرفة نومه بعد ان وجد محبوبة قلبه جالسة تقرأ بعض الكتب بتركيز.. فتمدد بجانبها على السرير وغمغم وهو يقبل جبينها:

- السلام عليكم نايتي العذبة.

- وعليكم السلام حبيبي.. من الجيد انك اتيت.

همست ناي بابتسامة وهي تضع الكتب التي في يدها على المنضدة التي بجانبها ليضحك غيث وهو يتساءل بشقاوة:

- مم لماذا؟

- اود ان اقوم بطيّ الغسيل ولكنني فضلت الى ان تعود حتى تساعدني قليلا كما اعتدت قبلا.

دمدمت بمكر ليقهقه بمرح ويهتف:

- اخر مرة ساعدتك بها كان عمري ستة عشرة عاما لا ستة وعشرين.

ثم تنهد وهو يضيف بحب:

- ولكن بالتأكيد سأساعد حبيبة قلبي.. فانا احيانا كنت اساعد رين في طي الغسيل عندما كنت اجلس معها لنتكلم.

- غيث هل اخبرك احدا انك احن شخص عرفته في الوجود؟

همست بعشق وهي تلف ذراعيها حول عنقه، تتنشق سلسبيله الرجولي الذي يتغلغل الى اعماقها ليثير الانتفاضة العاشقة في قلبها الذي يعزف على اوتار كمانة خفقاتها..

اجابها غيث بحب وهو يلثم بشفتيه رأسها:

- ممم وهل اخبرك احدا انني اعشقك؟

- مم نعم كثيرا.

دمدمت بهيام ليضحك قبل ان يهتف بجدية وهو يوغل انامله بين طيات شعرها الاسيلي:

- ليث سيعقد قرآنه بعد قليل.. هل تودين ان تحضري؟

- هل انت جاد؟

تمتمت بذهول وهي ترفع رأسها اليه لتتأمل عيناه الرمادية التي تعشقها فابتسم وهو يقبل جانب ثغرها ثم اومأ:

- اجل.. سيتزوج فتاة تعمل معنا في احدى شركاتنا اسمها سيلا.

- حور لن تهنئ لها بالا.

همست بصوت منخفض التقطه غيث بصعوبة ليهتف بتعجب:

- ماذا تقصدين؟

- لا ادري.. اشعر ان حور معجبة بليث.. فهي دوما ما تدافع عنه.. لا اعرف اذا احساسي صحيح.

غمغمت بتبرم ليرفع احد حاجبيه برفض قاطع ويتمتم:

- مستحيل.. ليث اكبر منها بعشرة سنوات.. وحور لا زالت مراهقة صغيرة.

- لا اعرف.. ربما اخطأت الظن.

اجابت بتنهيدة ليهتف بحزم:

- بالتأكيد اخطأت.

ثم اضاف بهدوء:

- انهضي لتجهزي نفسك.

***************

ارتعش القلم الأسود في يدها وهي توقع على عقد الزواج.. ثم بارتباك شديد رفعت ماستيها الاستثنائية لتطالع وجه ليث الذي يبتسم ببهجة وانتصار عاشق قبل ان يدنو منها ليقبل جبينها امام افراد اسرته وزوجة اخيه..

تخضبت وجنتيها الحمراوتين بحمرة خجل شديدة لتبتعد عنه بسرعة قبل ان تسمعه يهمس بتعجرف:

- صرتِ حلالي.. الم اخبرك انك لن تكوني الا لي وستتزوجيني انا فقط؟

لم ترد عليه وهي تتلكأ بنظراتها على الخاتم الرقيق الذي وضعه في يدها قبل ان يأتي المأذون..

انتبهت هي والبقية الى رين التي دخلت متعجبة من هذا التجمهر وهي تغمغم:

- ما الذي يحدث؟

- اخاك عقد قرآنه على سيلا.

اجابتها لين بابتسامة ناعمة لتضحك رين وهي تعانق سيلا رادفة:

- الف مبروك.. كنت اعرف انه يحبك.

ثم ابتعدت عنها وهتفت بضيق:

- ولكن لماذا العجلة؟ وايضا لماذا لم تنتظرونني؟

- لا يوجد وقت.

اجاب ليث بهدوء لتومئ برأسها قبل ان تقول بدهاء:

- صحيح وانا قادمة رأيت سيارة آسر ابن عمتي.

- السلام عليكم.

صدح صوت آسر ليشتعل ليث غضبا من وجوده ويحاول جاهدا التحكم باعصابه حتى لا يقوم ويهجم عليه بسبب ما حدث عندما كانا في منزل غيث..

وشخر بسخرية ريثما هتف آسر بمكر:

- هل تزوجت يا ابن خالي؟ الف مبروك.

- شكرا لك.. عقبالك.

اجابه وهو يكز على اسنانه لتتوسع ابتسامة آسر الخبيثة ويردف:

- هذا ما اتيت لأجله.. انا اطلب يد رين مرة اخرى.

- الم تمل؟

زمجر ليث بعصبية قبل ان يهدر ريس بحنق:

- اهدأ ودعني اسمع رد اختك هذا المرة.

- انا موافقة.

همست رين بتردد وهي تجول بنظراتها على الوجوه المصدومة من موافقتها بعد كل هذه السنوات من الرفض لتتجمهر العبرات في مقلتيها وتجاهد على اخفائهم..

وقبل ان يحاول اي احد التفوه ببنت شفة دوى صوت سيارات الشرطة الذين اقتحموا المنزل باحثين عن ليث..

--------------------

يتبع..

اسفة يا جماعة الفصل كان لازم ينزل امبارح بس انحذف كله واضطريت اعيده اليوم خلال ساعات قليلة جدا ونسيت اغلب اللي كتبته فلهيك الفصل مش طويل.. فبعتذر جدا.

رأيكم بالاحداث؟

وتوقعات؟

آسر ليث؟

ريس؟ لين؟

رين وسيلا..؟

مع حبي:

اسيل الباش


━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🌸 هل أعجبتك أحداث القصة؟

💡 لمعرفة تفاصيل هذه الرواية ومتابعة بقية فصولها كاملة وبشكل مسبق وبدون إعلانات:

🔗 تابع القراءة عبر موقعنا الرسمي من هنا: https://kimostories.site/novel/323/وحينما-تغار-الذئاب

نتشرف بوجودكم دائماً في عائلة كيمو ستوريز! 🌸

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

2026/11/07 · 0 مشاهدة · 3549 كلمة
yare.yare
إعلان
نادي الروايات - 2026