سرت عبر اورقة الأشجار المتفاوتة..
استقصي عنك يا ورقة مكنونة..
بين اغصان بنية بأبهة شامخة..
سرت ووصلات العشق الجليلة..
تتبعني دون تفكير متروٍ بالركض وراء امرأة..
لتقع الكائنات جميعها تحتها ذليلة..
سرت دون الالتفات الى الواجهة..
والاناشيد تُعزف والتراتيل تدوي صامتة..
والخيزران يسجد والصوان ترشقه خفقات صارخة..
بألماس بلون عينيك تكتب عشقي بأبجدية هائمة..
----------------------
لم تتوقع ان تلك اللحظة التي لا بد من انها ستحدث، ستحدث في عقد قرآنها.. تبسمت بسخرية مريرة وهي تفكر بان لا بد ان يكون يوم زفافها عجيب غريب.. تارة تتطلق قبل الاحتفال به وتارة اخرى يُسجن زوجها ايضا قبل الاحتفال به..
لا يزال المنظر الذي تم به تكبيل ذراعه بأصفاد حديدية كما تم تكبيل روحها بأغلال شرسة خانقة يداهم ذكرياتها وعقلها التائه الشارد..
اضنتها الصرخات المفجوعة التي اطلقتها الأم الحنونة التي لم تعرفها سوى لساعات معدودة.. وصرخات الأخت الصغيرة المتشبثة بصدر اخيها كسند حامٍ مدافعٍ رغم قسوته في بعض الاحيان..
تلألأت العبرات الشجية في مقلتيها وهي تتطلع الى الوجوه المختلفة بتعابيرها.. ريس الغاضب الثائر.. غيث المتجهم رغم حزنه على توأمه.. ولين الأم المكلومة على بكرها الغال.. ثم اخر العنقود الباكية اكثر من الم ووجع واحد.. وكان هناك وجهين لم تتجرأ على النظر اليهما.. آسر وناي..
اضطربت اعصابها بخوف شديد وهي تشاهد لين تقع ارضا مغشيا عليها بعد ان اجهشت ببكاء ينهش الأفئدة بمخالب ضارسة..
وارجفتها صرخة الرجل الهائج كثور بربري احتدت انفعالاته العنيفة..
"ابتعدوا عنها"
صاح ريس بغضب اعمى وهو ينحني ليحمل زوجته فاقدة الوعي بعد ان أُرهقت خلايا روحها وجعًا على بكرها الذي لا يدرون ما هو مصيره بعد فعلته الشنيعة..
وضعها برفق على الكنبة ثم غمغم بعصبية لأبنه غيث الذي يوازيه بغضبه وخوفه رغم رزانة ملامحه وافكاره:
- اتصل بطبيبة امك.
اومأ غيث بموافقته قبل ان يشعر بيد محبوبته تمتد لتناوله هاتفه وهي تذرف دموعها حزنا على ابن خالها..
ثم عادت الى مقعدها وتأملت وجه اخيها العابس.. لا تدري هل يشمت به ام قد تأثر لموقف ابن خاله.. صحيح ان هناك دوما مشاكل بينهما ولكنهما صديقان طالما رين ليست بالموضع..
تساءلت رين بشهقات باكية الجمت صدى تفكيرها المتكرر:
- هل ليث سيخرج من السجن؟ ولما اخذوه اصلا؟
- سيخرج.. لا تقلقي واهدأي.
اجابها ريس بخشونة قبل ان يجري اتصاله بصديقه وقاص المحامي ليتكفل بقضية ابنه.. وما هي الا بعض دقائق كانت تدلف الطبيبة التي طلبها غيث ليقوم بحمل امه ويصعد بها الى غرفة والديه، تاركا والدته ورين معها..
نزل الى الأسفل ثم غمغم بجدية:
- امي بخير.. لنذهب ونرى ليث.
- هيا.. تكلمت مع وقاص وهو سيكون هناك قبلي.. ولكن يجب ان نعرف من قدّم البلاغ عنه.. فلا يعقل ان يكون استيقظ ذاك الحيوان بهذه السرعة.
هتف ريس بغيظ ليتدخل آسر مدمدما بهدوء:
- خالي.. اود ان اعرف ما يحدث.. انا ايضا يجب ان اساعد، فليث ابن خالي على ما اظن.
تنهد ريس بتعب واردف:
- تعال معنا.
ثم استطرد موجها كلامه لسيلا الصامتة:
- سيلا ستبقين هنا.. في المنزل.. الى ان اعود ونقرر ماذا سنفعل.. فانت زوجة ابني الان.
اومأت بموافقتها بهدوء يخفي ارتعاشة جسدها.. ثم همست بتوتر:
- ولكن انا بحاجة الى رؤية خالتي سحر.. لا بد انها بحاجتي.
- وزوجك بحاجتك.
هتف ريس بخشونة لتبتلع ريقها من تلك الكلمة الغريبة عليها.. فهزت رأسها مرة اخرى بخنوع وغمغمت بوهن:
- بما ان اياد لا زال على قيد الحياة.. فأنا سأقف بجانب ليث بكل تأكيد.. فما فعله هو لاجلي انا.. ولن انساه ابدا.. ولكن انا كل قهري وحزني على خالتي.. لا اكثر.. لذا ان لن انسى معروفكم ابدا عمي.. وسأقف بجانبكم في هذه المحنة.. التي هي اساسا بسببي.
- لا تلومين نفسك.. فليث متسرع ومتهور.. والحمد لله ان الوضع لم يزداد سوءا.. فقط انت قفي بجانب خالتك لين ورين ابنتي الى ان اعود لأعرف كيف اتصرف.
قال بحزم دافئ ثم استدار لتجد قدميه سبيلها الى سيارته قبل ان ينطلق بها مع ابنه وابن اخته..
- ابي اتصل بخالي جود.. فهو اغلبية اصدقائه يعملون في المؤسسات الحكومية.
هتف غيث بسرعة متقصيا عن طرق لانقاذ توأمه - الذي ينفطر قلبه لأجله - من بين براثن جدران السجن لسنوات طويلة.. يتألم لألمه ويفرح لفرحه.. ولكن الان.. هو غاضب.. موجوع.. هائج.. مثل توأمه تماما.. الأقرب اليه بكل شيء..
زفر ريس وهو يمسد جبينه بينما اصابع يده تلتف حول مقود السيارة بتوتر اخفاه بجمود ملامح وجهه:
- اتصل به انت.. واعطني اياه لأتكلم معه.
- وانا سأتصل بأبي وخالي جواد.
اضاف آسر بسرعة ليهز ريس رأسه بهدوء مفكرا بالكثير من الأمور واهمهم معضلة ابنه الصاعقة..
**************
امتعضت ملامح وجهها بضيق شديد وهي تجادل زوجها حول الملف الملقى على المكتب امامه بينما هي تجاور مقعده بقامتها الطويلة بوقفتها، عاقدة ساعديها النحيلين العاريين، مشابكة اصابع قدميها ببعضهم..
لن تطيق مناقشته اكثر.. وهي تدري انها دون ادنى شك ستكون الخاسرة.. فعقلية زوجها الفائقة الذكاء تجيد التلاعب والاقناع..
القت جسدها على يد مقعده الطويلة وهمست بتأفف:
- تعبت وانا اقنعك يا ادهم.
رفع حاجبه الغليظ ثم اغلق الملف ووضعه جانبا واستدار اليها ليتأمل شعرها الأشقر المنسدل على جانب كتفها وفستانها الأزرق القصير الذي يكشف عن جمال كتفيها ونعومة ذراعيها ورقبتها الطويلة البيضاء.. وتلك الشامة الداكنة البارزة في اسفل رقبتها.. ثم ساقيها الرشيقان واظافير قدميها المطلية بلون احمر قاتم..
غمغم وهو يجذبها من قدها النحيف لتجلس على ساقه:
- لا زلتِ صغيرة حتى تقدري على اقناعي.
- صغيرة!!
هتفت باستنكار قبل ان تزم شفتيها الصغيرتين بحنق وتسترسل:
- انا أُم وتخبرني صغيرة سيد ادهم الناصر!
قاطعها وهو يرفع يده ضاحكا:
- انا اقصد بالعقل لا بالعمر.
- ما شاء الله يا كبير العقل.
زمجرت وهي تتخصر ليزفر قبل ان يهتف بهدوء:
- اسمعيني يا سيلين.. قرارتي في الشركة لا احب ان تتدخلي بشؤونها كثيرا.. انا اعرف ما افعل جيدا.. انتِ تسيرين وراء مزاج صديقاتكِ في الكثير من الاحيان.. وانا لا اثق بأحد عدا بعقلي وما يأمرني به.
- انت تكره صديقاتي جدا يا ادهم.
تذمرت بضيق ليجيب بصوت حاد:
- من هن حتى اكرهن؟! لا يهموني.. انا ما يهمني هو انت فقط.. زوجتي ومسؤوليتي.
ثم استطرد بغضب خفيف:
- صديقاتك لسن صديقات حتى.. منذ ان كنتِ صغيرة وهن يدمرونك.. شقيقك اوس منعك من مرافقتهن الكثير من المرات ولكنك كنتِ تعودي وتتكلمي معهن ليشفق عليكِ ويحن قلبه لأجلك ويسمح لك بذلك.. ولكن انا لا.. لن اسمح لهن بتدمير زوجتي وبيتي.. انتِ امرأة متزوجة، لديها طفلا صغيرا ويجب ان تعتني وتهتم بالمسؤوليات الملزمة بها.
- انت تود ان تلغي شخصيتي وتتحكم بي.. اليس كذلك؟
هتفت بعصبية وهي توثب عن ساقيه لينهض هو الاخر بانفعال ويهدر بعنفوان:
- تفكيرك مجنون.. مجنون جدا.. لأنني اهتم لمصلحتك واريك واجباتك الملزمة بها اصبحت الغي شخصيتك.. اي شخصية التي اقوم بحذفها بالله عليك؟ دراسة انهيتها.. وعمل تعملين معي في الشركة.. تذهبين الى النادي مرتين في الأسبوع.. وغير هذا كله اسمح لك بالخروج مع صديقاتك مرة كل اسبوعين.. فما الذي الغيه لك يا سيدة سيلين؟ اخبريني لأن صبري بدا ينفذ منك.
- انا حرة وافعل ما اريد.. لا اريد ان اكون مقيدة بما تأمرني به او تسمح لي به.. اود ان افعل كل ما ارغب.. وهكذا لن تلغي شخصيتي.
دمدمت ببرود وهي تعقد ساعديها وتشمخ برأسها بتبختر صلف ليكفهر وجهه وعينيه البنية ترشقها بنظرات حارقة وهو يجهر بسخط شديد:
- ماذا تظنيني؟ لست رجلا! انتِ تتحكمين بي.. وتملين اوامرك علي.. هل تعتقدينني ابله ام ماذا؟ تريدين ان تجعليني كالخاتم في اصبعك لتضيعي نفسك ويضيع كل شيء وتمرغيني في الوحل بتصرفاتك الطائشة المتكبرة!
- ماذا تقصد بكلامك بأنني سأضيع وادع كل شيء يضيع يا رجل؟
صاحت بحقد لتقبض قبضته على ذراعها بوحشية وهو يهزها هامسا بفحيح اخافها:
- انت لم تعدي تحترمي احد.. صوتك دوما مرتفع.. ووقاحتك لم تعد تطاق.. انا زوجك.. افهمي ما اقوله جيدا.. انا.. زو.. جك.. اوصمي تلك الكلمة في عقلك المغلق بكبريائك وغرورك العظيمان.. ونفذي ما اقوله لك افضل يا سيلين.. ولا ترغميني على استعمال العنف معك.. تحملت قرف تفكيرك لسنوات.. وانت تعرفين جيدا من اين انا وما هو تفكيري.
- قروي.. تفكير جاهل غير متحضر.
هتفت بتحدي اهاج اخر ما تبقى من جمرات اعصابه الساكنة لترتفع يده الأخرى وتشد شعرها بعنف خفيف ويزمجر من بين اسنان مصطكة ببعضها بضراوة قاسية:
- على ما يبدو انك ترغبين في انشاء دفتر جديد اريك به وجهي الاخر.. انا قروي وافتخر.. التحضر بمفهوم عقلك الساذج هو التمرد والوقاحة بينما التحضر عندي انا عندي له مفهومه الاخر.. هل تحبين ان اريك كيف القروي الجاهل يتصرف يا زوجتي الغالية؟
"بابا"
زفر انفاسه المشتعلة بغضب وهو يغمض عينيه قبل ان يدفع سيلين دون ان ينظر اليها.. ثم غمغم بابتسامة حانية لطفله الصغير:
- تعال حبيبي سند.
- لماذا تتشاجران؟
هتف الصغير بتوجس وهو يتقدم نحو والده الذي رفعه لحضنه واجاب بابتسامة بينما يمرر اصابعه الخشنة على شعره الناعم:
- لم نتشاجر.. كنا نتناقش فقط.. هل انهيت دراستك يا بطل؟
- اجل حفظت جدول الضرب حتى الرقم خمسة كله.
اجاب بحماس ليضحك ادهم وهو يقبل جبينه مدمدما:
- احسنت صغيري.
ابتسم لعينين والده قبل ان يرفع حدقتيه ليتأمل وجه امه الأحمر من غيظها ويغمغم:
- امي.. ما بك؟ هل انت غاضبة؟
غصبت نفسها على رسم ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تدنو من طفلها لتسحبه من حضن زوجها وتضعه ارضا وتردف بحب امومي وهي تضع راحتها حول وجنته الناعمة:
- لا يا روح امك.. هيا لننزل حتى اراجع لك جدول الضرب.
- انتظري.
هتف ادهم موقفا اياها لتلتفت اليه بوجوم بعد ان امرت صغيرها ان يسبقها.. فزلف منها بخطوات واسعة حتى توقف قبالتها وابتسم بتهكم وهمس:
- هناك كلام هام يجب ان نتحدث به يا متحضرة.. بعد ان تنتهي انتظرك في غرفتنا.
- سأفكر.. فكما تعرف بتُّ لا اطيق رؤية وجهك.. فما بالك بالتحدث معك في نفس الغرفة؟.. اذا اصبحت الساعة الثامنة والنصف ولم اصعد اليك فاعرف انني سأنام في غرفة طفلي.
غمغمت ببساطة رافعة حاجبيها وحدقتيها العسلية تشع اليه النظرات الحاقدة المتحدية ليقهقه بخشونة وراحتيه الغليظتين تستولي على خاصرتيها بقوة موجعة الا انها ابتسمت بوجهه بوحشية ليردف بنبرة خفيضة:
- قسما بربي لن اكون ادهم الناصر اذا لم اغيرك لتعرفي كيف تحترمي الغير وتتنازلي عن كبريائك وغرورك.. في غرفتنا ستنامين وسنتحدث.. والا فلتقولي وداعا للعمل في اي مكان وكل مكان.
شهقت بعنف وهو يحررها بقسوة لتزمجر بشراسة:
- تحلم يا ادهم.. في احلامك.
وقبل ان تسمع رده كانت تبجس من مكتبه صافعة الباب خلفها بعنف تاركة اياه يتأمل اثرها بضحكة قاسية حازمة وهادفة..
***************
شهقتا بفزع حينما اخبرهما اوس ان الشرطة القت قبضها على ليث.. واندستا باجتثامة بكاء حارة جعلت اوس يزم شفتيه بحنق شديد وزوجته وابنته تخبراه انهما تودان الذهاب الى منزل ريس.. زفر انفاسه المغتاظة ثم هتف بتريث صبور:
- لن تفيدا بشيء اذا ذهبتما اليهم.. لذا يا عدن تفهمي واهدأي.. اساسا جواد اتصل بي واخبرني ان امك وزوجته ريما وابنته حياة ذهبن الى منزل ريس فلا داعي لذهابك انت وحور.
- الحميع يذهب وانا لا؟
دمدمت باستنكار ليغمض عينيه بنفاذ الصبر ويردف:
- اصعدي يا عدن انتِ وابنتك لأخذكما الى هناك قبل ان اذهب الى اخيكِ.
اومأت سريعا ثم اختفت هي وابنته من امامه ليتنهد بوصب على المشاكل والمآزِق الملقية فوق عاتق صديقه ريس.. من يتحمل ان يرى ابنه مأسورا بين قبضان السجن يعاني الوحدة والغربة بعيدا عن اهله؟ لا احد.. وخاصة وهو يدري ان زوجة صديقه مريضة القلب.. دعا ربه ان يفك أسر ابن صديقه..
انبثق من ديمومة الأفكار التي تحوم حول عقله على رنين هاتفه الصاخب ليفتح الخط بسرعة ريثما رأى اسم المتصل..
همس بصوت مبتهج:
- يا هلا بالغائب الذي لا نسمع صوته الا في المناسبات والمصائب.
اتاه صوت قهقهة الأخر وهو يردف:
- هلا فيك يا زوج ابنة عمي.. انا وعائلتي في طريقنا اليكما.. انتظر استقبال فخم منك، خاصة بعد ان يخرج ابن اختي من السجن.
- لن استقبلك في بيتي.. لذا ارح نفسك.. بيت والدك جاهز لا شك.. اخر عمري يتشرط علي جود!
دمدم أوس بتهكم ليضحك الاخر ويغمغم وهو يرسخ حدقتيه على الطريق السريع الطويل بينما تطالعه زوجته وابنتيه بفضول فاقم من قوة ضحكته:
- ارفع رأسك عندما تسمع ان جود الجايد سيزورك في منزلك.
شخر أوس بسخرية ليستطرد الاخر بجدية بعد ان تحكم بضحكته:
- المهم اسمعني.. خذ زوجتك وابنتك الى منزل ريس.. ابي وامي سيذهبان الى هناك وايضا عمي لؤي.
- ما شاء الله كل العائلة تجمعت.
تمتم بتهكم ليقهقه جود ويهمس:
- انت تتكلم عن ابن ريس الجايد يا رجل.. ماذا تتوقع؟ الجميع سيتدخل حتى لا يبيت فردا من ابناء الجايد في السجن مع اني لازلت لا اعلم ما هي التهمة التي ادخلت ابن اختي الى السجن.
- ماذا تقصد؟ عائلة الهيب لها مكانتها ايضا.. قال عائلة الجايد!
هتف اوس بغيظ ليرد عليه جود متبسما بخبث:
- عليك ان تغار صراحة.. من يحمل لقب عائلة الجايد ليس كمن يحمل لقب عائلة الهيب.
- اعرني سكوتك واخبرني متى ستصل.. اصدعتَ رأسي.
تذمر بحنق ليردف جود ساخطا:
- ساعتين ونصف اكثر شيء.. هذا يتعلق اذا كان في الطريق زحمة سير.
- ان شاء الله.. فور وصولك انزل زوجتك وابنتيك وتعال الينا.. في امان الله.
همس بهدوء ليهز رأسه قبل ان يغلق الخط وتسأله شام:
- هل خرج ليث من السجن؟
- لا.
اجاب بنفي لتومئ برأسها هاتفة بحنق:
- ابن اختك في السجن وانت تضحك مع زوج المجنونة عدن.. ولله عائلة مجانين.
- على ما اعتقد انك مغرمة بهذه العائلة المجنونة؟
همس بصوت معبق بأزهار العشق لتبتسم وزمردتيها البارقتين تجوب نظراتهما على جانب وجهه بينما هو يقود السيارة ويوزع انظاره بينها وبين الطريق الذي امامه.. ثم اجابت بحب متأصل بثنايا اعماقها:
- وكيف لا احب الجنون وانت جزء منه؟
ابتسم بتوسع وهو ينظر عبر المرآة الى ابنتيه الجالستان في الخلف ليعبس وهو يراهما تلهوان بهاتفهما غير مكترثتان حول ما يتحدث به هو وشامه..
***************
استشاط غضبا وهو يكرر كلامه لرجال الشرطة الذين يحققون معه بلا ملل.. عليه ان يعود.. يود ان يراها.. ان يُطمئن قلبه العائش في سرايا هواها وغرامها.. ان يُشبع فضتيه التائقة للغوص في بحر شذاها وهمساتها.. ان يغللها في جدران يديه التي ترجو احتوائها بين حنايا صدره المتلهف للشعور بنعومة مساماتها ورقة كلماتها..
زفر انفاسه المحتدة بلهيب لاذع وهو يسند جبينه على راحتيه المتكئتين على الطاولة الخشبية الخضراء، متجاهلا الأسئلة التي يلقونها عليه هؤلاء الذين يحققون معه.. لا يرغب في سماعهم ولا يريد.. عكرّوا صفو مزاجه ما ان رفع راية صك ملكيته بها شرعا وقانونا حينما اخذوه ليستجوبوه ويحققوا معه حول القضية التعيسة..
لا يهمه اذا مات ام عاش ذاك الحقير.. لا يهمه اي شيء سوى ان يكون معها.. لوحدهما.. تحت جناح واحد يرفرف به كيفما يشاء واينما يشاء.. ان يعلمها فنون الوصال باحترافية عاشق غرثان لا يشبعه سوى اغتراف ندى ثغرها الناعم.. وتنشُّق سلسبيل اريجها العذب.. ولا شيء اخر..
"نحن نتكلم معك سيد ليث"
تمتم احد المحققين بعصبية من تجاهله اليهم ليبتسم ويرفع رأسه اليهم ببرود بعد ان اخرجوه من سحر شوقه اليها.. رمقهم بنظراته المستهزئة ليردف احدهم بغيظ شديد:
- نحن نسألك نفس السؤال منذ فترة وانت لا تود ان تعطينا الاجابة التي ننتظرها.. لماذا اطلقت الرصاصة على اياد السالم؟
- اخبرتك ان السبب لا يخصكم.. مللت فعلا وانا اجاوب نفس الجواب.
دمدم بحنق قبل ان يستأنف متسائلا:
- هل استيقظ ذاك النذل؟
- لا، لم يكن هو من قدّم بلاغا عنك.. كان رجل اخرا رأك وانت تصوب مسدسك تجاهه وتطلق رصاصتك على قلبه كما اردت ولكنك اخطأت هدفك.
اجاب محقق اخر بهدوء ليهز ليث رأسه بتفهم قبل ان يسمع المحقق الذي يبدو ذكيا في تعامله معه يسأله بنبرة هادئة منخفضة:
- هل قام بأذيتك حتى قتلته.. ام اذى لك شخصا معينا.. ام هناك شيئا اكبرد دفعك حتى تطلق الرصاص عليه؟.. فسجلك نظيف وسجل عائلتك كذلك.
- هل تعتقد انني سأتحدث وافشي بأسبابي امام ستة رجال يحققون معي؟ لن اتكلم غير مع واحد منكم.. واكثر خبرة واعلى مكانة.
تمتم بتغطرس لتتجهم ملامحهم بينما يهتف الاخر:
- اخرجوا ودعوني اتكلم معه على انفراد.
- ها نحن وحدنا.
غمغم المحقق بجدية ليسأله ليث بدهاء:
- اود ان اسألك سؤالا.. واجبني عليه بصراحة.
هز رأسه المحقق ببساطة ليسترسل ليث بذكاء:
- انت تبدو اكبر مني بقليل.. تبدو بمنتصف الثلاثين.
عقد حاجبية باستغراب بينما يتابع ليث:
- انت متزوج فهذا واضح من المحبس الذي يحيط ببنصرك.. لو قام احد بالاعتداء على زوجتك فما الذي ستفعله؟ والأصعب انك لم تكن موجودا حينما تم الاعتداء.. هل ستصمت ام ستثأر لنفسك وللظلم الذي عانته زوجتك؟
ابتسم بخفة وهو يلاحظ توحش عيناه.. ليضيف بنفس المكر:
- انا رجل عقليته شرقية متعصبة ولا اقدر على السماح ان يتم المس بشرفي مثلك تماما.. فأنا اتخيل موقفك عندما تعرف في يوم من الايام ان هناك من اعتدى على زوجتك.. بالتأكيد ستأخذ حقك متناسيا القانون رغم انك تعمل به.. فالدماء الشرقية حارة مشتعلة وخاصة في موضوع الشرف.
- انا سأسجل كل ما قلته.. رغم ان ما قلته صحيح.. ولكن القانون يبقى قانون.. عليك ان تتصل..
غمغم المحقق بخشونة ليقاطعه ليث بجفاء:
- لا تقلق.. عائلتي في الخارج.. انا واثق.. وايضا معهم محامٍ.. انا لن ابيت ليلة واحدة هنا.. لأن الذي عليه ان يُسجن للأسف مرميا في المشفى.
- سنرى.. انا سأخرج وادعك.. ان شاء الله خيرا.
همس قبل ان يغادر تاركا ليث وحده ليعاود الوجوم يكتسي ملامح وجهه الوسيمة والغضب يسير مع دمائه في اوردته وشرايينه..
بعد عدة ساعات..
تمكنوا بصعوبة من استغلال نفوذهم في مركز الشرطة بعد ان اتى جود وتعرف على العديد من الاصدقاء له الذي يعملون في المؤسسات الحكومية.. واقناع وقاص بصعوبة لهم مستغلا مكانته المرموقة بكونه محاميا بارعا معروفا بسمعته الحسنة ان يطلقوا سراح ليث الى ان يتم تحميع كل الأدلة وتوجيه التهمة لأبن عم سيلا اياد بسبب ما فعله بحقها.. ولكن تبقى الأصعب وهو اقناع سيلا بالفصح عما عانته ليكون الحكم عادلا متساويا..
تنهد ليث بتعب شديد وهو يلقي رأسه على المقعد الخلفي في سيارة والده.. لا يمكن ان ينسى التجمهر الذي افتعلته عائلته لأجله.. لأن لا يبيت في السجن.. لن ينسى وقفتهم معه ابدا.. حتى آسر.. منافسه في معركة اسمها "رين".. الجميع دون استثناء..
اكثر ما يريحه ان لم يعرف سبب جريمته سوى وقاص ووالده.. ورجلين من الشرطة.. لا يجب على الجميع ان يعرف ماض محبوبة قلبه لأنه واثقا كل الثقة انها ستتدمر.. وستنأى نفسها عن الجميع واولهم هو.. لو انه لا يثق بصديق والده لما اخبره ابدا.. ولكن نظرة واحدة من ابيه جعلته يدرك انه يدس سره بين ايدي امينة ماكنة لا تُفتح ابدا لتفشي بالأسرار التي داخلها..
كان متعبا مرهقا غير قادرا على التحرك.. الوقت متأخر وهو لا زال لم ينام ولم يرتاح قط.. كان يتنقل من مكان الى اخر، حتى تم الافراج عنه بشكل مؤقت..
تطبقت رموشه السوداء على بعضها بعد ان جاهد لألا يغفو في السيارة.. ولكنه نام.. سلطان النوم جرفه الى مقصورته ليتوه بظلمة حالكة ولكن مريحة..
وحينما وصلوا الى المنزل ايقظه شقيقه بهزة خفيفة من يده وهو بنادي عليه ليستيقظ..
فتح عينيه بثقل شديد لتنجلي ملامح التأثر والحنية على وجه غيث وهو يسحبه برفق من السيارة ليقف على قدميه..
تنبه للسيارات الأخرى التي رُكنت في موقف السيارات التابع لمنزلهم قبل ان يولجوا الى جوف المنزل معلنين عن وصولهم..
وهناك رأها متوترة من الكم الكبير المتجمعين في منزله.. وكلهم فقط الجزء المقرب من عائلته.. ولا زال هناك الكثير.. احس بارتباكها وخوفها وماستيها الثمينتين لقلبه تتفحصاه.. سلامة جسده.. ملامحه.. وتبحث عن قوته ليهبها بعضا منها..
كانت تقبع بين والدته وبين اخته.. بينما بقية الاناث تتوزعن على المقاعد والارائك الاخرى..
لم يبالي بالتهنيئات ولا المعاتبات التي وجهتها اليه النساء وهو يزلف منهن.. اغلى نساء على قلبه..
كانت اول من ضمها اليه.. امه.. زهرته العطرة الدافئة.. الذابلة بشجن نخر روحه وادماها..
قبّل يدها، جبينها، ووجنتها وهو يعانقها لتجهش لين بالبكاء وهي تشده اليها بقلب ام محروق:
- يا روح امك.. الحمد لله على السلامة.. لك الحمد يا الله.
ابتسم بحنو شديد وهو يهدئ من فزع والدته عليه قبل ان يتركها ويفعل المثل مع اخته التي تشبثت بسترته باكية بمرارة لوت فؤاد الصنديد المتيم الذي لا ينظر لسواها كمدا.. فقط اليها.. الى سلطانة قلبه ومالكته..
وكانت الأخيرة.. هي زوجته وحبيبة قلبه.. ليسحبها الى صدره دون الاهتمام بالعيون التي تطالعهما.. احتد تخضب وجنتيها وهي تهمس له بخجل ان يتركها.. الا انه لم يفعل.. يود ان يروي ظمآه منها.. من شوق متأجج في اوصاله اليها.. واخيرا تركها لتحاوط يده خصرها وهو يغمغم بابتسامة:
- شكرا لكم جميعا.. لن ان انسى وقفتكك ما دمت حيًا.. ابدا.
- مبارك زواجك يا ابن ابيك المجنون.
هتف ادم بغيظ ليقهقه ليث وهو يقترب منه ساحبا اياها معه ليسلما عليه وعلى جدته ليان وترنيم..
- الجميع سينام هنا.
امر ريس بجدية لتردف عدن بسرعة:
- انا موافقة.. والجميع موافق.. فما شاء الله المنزل سيسع للجميع.
- جيد جدا.. الوقت متأخر فعلا.. الساعة الثانية صباحا.. هيا الجميع للنوم بالكاد اقف على قدماي.
قال بتعب قبل ان يوجه حديثه للشباب:
- اذهبوا وناموا في شقة ليث، عدا المتزوجين لا يذهبوا.
- الحمد لله انا متزوج.
هتفا التوأم مع بعضهما ليضحك الجميع عليهما ويردف ريس بحزم:
- ولا حتى انت غيث.. فقط ليث.. بما ان اليوم اول ليلة من زواجه.
- وانا اود ان اتزوج.
دمدم آسر بحنق قبل ان يضيف وهو يرى النظرات المنصوبة عليه:
- رين وافقت على الزواج مني.. اليس كذلك رين؟
ابتلعت ريقها بارتباك وهي تحدق بنظراته التي تهبها تهديدات مبطنة اثارت خوفها الا انها استجمعت شجاعتها وقررت التلاعب بذيلها كقطة برية متحدية وغمغمت:
- انا سأفكر اكثر.. سأعطيكم الجواب غدا.. لا اريد ان اتسرع.
---------------------
يتبع..
سوري حبايبي عالتأخير.. يمكن يكون في اخطاء من النعس.. فاعذروني😍
المهم قراءة ممتعة وتوقعات واراء:
- ليث وسيلا؟
- اسر ورين؟
- ادهم وسيلين؟
- وقضية ليث؟
مع حبي:
اسيل الباش
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🌸 هل أعجبتك أحداث القصة؟
💡 لمعرفة تفاصيل هذه الرواية ومتابعة بقية فصولها كاملة وبشكل مسبق وبدون إعلانات:
🔗 تابع القراءة عبر موقعنا الرسمي من هنا: https://kimostories.site/novel/323/وحينما-تغار-الذئاب
نتشرف بوجودكم دائماً في عائلة كيمو ستوريز! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━