جميلة انتِ حد عويل طفل في ملاذ ابرار..
جذابة انتِ لدرجة ذبول اوراق الاشجار..
نقية انتِ حد الهوس وثوران البحار..
سبيل الوصول اليك اشبه بمعارك الاحتضار..
والانجراف في اغرائك شوقًا وتوقًا كالإعصار..
والاغاثة في سلسبيل غرامك دمارا للأسرار..
ولكن لا عشقٌ يهذي دون امرار واكدار..
ولا روحٌ تناجي وصالك دون الانفطار والانكسار..
ولا قلبٌ يئن لوعةً دون الانجرار وانحدار..
---------------------
رعشة الانتصار الجذِل التي كانت ترفرف فؤاده انمحقت بسرعة قاسية بكلمات اخته التي ابجسها ثغرها دون تفكير ودون تروٍ.. الشهقات التي توغل صداها في اذنيه جعلته يطالع الوجوه المستنكرة والمصدومة في انٍ واحدٍ.. ومنظران فقط من اثرّا بسكونه وصدمته التي لا زالت تقبع في عقله ليرشق شقيقته والتي لأول مرة يرغب في قتلها بنظرات مستعرة.. والده الذي طأطأ برأسه بخزي شديد وغضب عارم يظهر بارتجاف يديه بصورة مرعبة نهش روحه.. ووجه والدته الصافي الذي احمرّ للغاية وعبرات مخذولة مفجوعة تتلألأ بحدقتيها الزرقاوين وهي ترخي ذراعيها عن رين جثّ اي نطفة حانية هادئة قد تتواجد في اوصاله..
ودون ان يفكر اكثر كان ينهض بعنف، دافعا المقعد الذي يجلس عليه ويهرع تجاه اخته التي اوقفها على ساقيها قبل ان تهوي صفعة قاسية غاضبة على وجهها الصغير لتصرخ بألم وبكاء..
ولم يبالي بالنظرات التي تطالعهما ولا بالشهقات المفزوعة التي سمعها وانامله تنغرس بشعرها بعصبية مدمرة، ساحبا اياها خلفه الى سيارته بعد ان هتف بصوت ثائر ينفث نار متأججة تلسع شموخه وكرامته:
- انسوا ما قالته.. انا الذي سأربيها بما ان انا الذي اوصلتها الى هذا الحد.
- انا مغادر ايضا.. هيا عدن.
غمغم اوس بصوت جامد لتهز عدن رأسها موافقة قبل ان يسمعا صوت ادم الوقور:
- ترفق بها يا اوس.. هي صغيرة ومراهقة ولا تعرف ما هو الصح وما هو الخطأ.. عاقبها ولكن ليس بقسوة.
اومأ اوس دون ان يفهم اي مما يقوله ادم وهو يحس بخناجر تفتك به دون هوادة بسبب تصرفات ابنته الطائشة..
وما ان خرجا هو وزوجته شعر بأبنته الكبرى التي ركضت ورائه هامسة برجاء:
- ابي انا قادمة معكما.. ارجوك!
هز رأسه موافقا قبل ان تسترسل سيارته سبيلها الى منزله ليضع حدًا لتصرفات ابنته الهوجاء..
وفي منزله حيث اولج آسر شقيقته من شعرها الى جوف المنزل، صاعدا بها السلالم ومتوجها الى غرفتها وسط بكائها الشديد وخوفها منه ولأول مرة..
صاحت حور بنشيج:
- اتركني يا آسر.. انت تؤلمني دون سبب!.
القاها آسر بغضب اسود على الأرض قبل ان يوصد باب غرفتها ويهدر بشراسة ارعبتها:
- اخرسي والا اقطع لك لسانك.
ثم انحنى ليقبض على ذراعها بقسوة وصرخ بها بانفعال:
- اهكذا تمرغين كرامتك وكرامتنا في الارض!! ولكن انا السبب.. وانا من سيغيرك يا حور.
تملمت بين قبضته بجزع وهي تصيح بوقاحة:
- بماذا اخطأت؟ ها انت تحب اللعينة رين وستتزوج..
ولم يسكتها سوى الكف الأخر الذي هبط على وجهها بصفعة ساخطة.. ويليها صفعات اخرى بنفس القوة وبنفس الغضب المتأجج لتصيح ببكاء شديد من كثر الوجع الذي داهم خلاياها..
ولم يأبه لها آسر ولا بدموعها التي تتصبب بغزارة على وجنتيها وهو يعاود امساك شعرها الاشقر حتى كاد ان يقتلعه من ضراوة اصابعه التي تشد خصلاته دون رحمة.. ثم زمجر بوحشية:
- سأريك جبدا ما هو خطأك.. وسألقنك درسا عظيما لن تنسيه طوال حياتك يا حور.
ارتجفت من عنفه وقسوته التي ولاول مرة يظهرهما عليها.. واحنت رأسها بتوجس ورعب محاولة تحمل الم فروة رأسها.. والم وجهها من كم الصفعات التي نالتها منه..
وحتى شهقاتها ودموعها تيبست، غير قادرة على الاستمرار من سمته الجهورية.. ثم سمعته يدمدم بعصبية، واصابعه تشتد اكثر على شعرها لتطلق صرخة موجوعة اخرى وصلت الى مسامع اوس وزوجته وابنته الذين دلفوا سريعا:
- حسك لا اود ان اسمعه.. الرجل لم يتزوج سوى منذ يوم واحد وتريدين الزواج به!.. وغير ذلك بكل وقاحة تقولين امام كل العائلة انك تريدين الزواج به.. جعلتِ ابي يخفض رأسه باذلال بسببك.. وامي تبكي بصدمة ووجع.. لا افهم كمية الحقد والغيرة التي تسير في دمائك!
ودت ان ترد الا ان الطرقات العنيفة على باب غرفتها، ونداء والدها الصارم جعلاها تغمض عينيها وتذرف المزيد من الدموع بخوف اكبر منه.. من والدها الثائر.. ولم تتحمل كمية الذعر الذي اختلج كل كيانها لتحيط ذراعيها الصغيرة ظهر اخيها وهي تهمس برجاء مذعور يثير الشفقة:
- ارجوك آسر لا تفتح الباب.. انا خائفة.. اعتذر مجددا واعدك انني لن اخطأ ابدا.. ابي لن يرحمني.
لم يبالي بأي مما تقوله ويديه تبعدها عنه بخشونة.. ثم هتف بصوت قاس جامد:
- تستحقي ما ستناليه.. ولا تظني انني سأعود آسر الذي يدللك كما قبلا.. بفعلتك هذه انهيتِ كل حياتك الجميلة معي يا حور.
ثم سار نحو الباب ليفتحه ويقابله وجه والده المكفهر فهمس بهدوء:
- ادخل.
ولجوا سريعا.. وسرعًا ما شهقتا عدن وناي بصدمة وحزن من وجه حور الأحمر المتورم من صفعات آسر.. وشعرها الاسيلي المشعث بفوضى.. فهمتا بالاقتراب منها الا ان اوس اوقفهما، قائلا بحدة:
- اخرجا انتما الاثنتان من الغرفة.
- لن اخرج اوس.. وسأبقى مع ابنتي.
غمغمت عدن بغضب وهي تدنو اكثر من ابنتها التي سرعان ما ارتمت في حضنها باكية بكاء احرق روحها كمدا عليها.. صحيح ان ابنتها مخطئة وتستحق ما يحدث لها ولكنها في النهاية ام.. ام عاشت سنوات طويلة يتيمة وتعرف معنى الفقد والمه.. وهي لا تريد ان تشعر ابنتها بفعلتها هذه انها فقدت ملاذ والديها رغم افعالها المخزية..
ولم تقدر ناي على طمر شعورها بالشفقة تجاه اختها لتقترب منها هي الاخرى وتضمها هي ووالدتها.. ولكن هدير اوس وهو يجذب حور بقوة من بين احضانها هي ووالدتها اجفلها:
- اخبرتكما ان تخرجا والا قسما بالله لن يخلصها من بين يداي احد.
- امي وناي اسمعا كلمة ابي.
دمدم آسر ببرود اغاظ والدته كثيرا لترمق ابنتها بنظرة شجية قبل ان تسحب ابنتها الكبرى خلفها وتخرج، خشية على صغيرتها.. وما ان اغلقتا الباب هتف اوس بغضب وهو يرسخ قدمي ابنته على الأرض امامه تماما:
- ما الذي قلتيه في منزل خالك؟! كرري مجددا.
تلعثمت وهي تتطلع الى آسر باستنجاد الا انه لم يهبها سوى نظراته الباردة القاسية.. فهمست بخوف:
- انا اسفة ابي.. تصرفت بغباء.. ارجوك..
قاطعها اوس وهو يهزها من مرفقها بعنف، مزمجرا بانفعال:
- اخبرتك ان تكرري ماذا قلتِ هناك.
ارتجت خفقات فؤادها بذعر اجج من سيلان دموعها من بحريها اللذان احمرّا كوجهها تماما.. ثم تمتمت بتقطع:
- انني.. اريد الزواج.. وب.. وبليث!
وسرعان ما اطلقت صرخة عالية باكية بشدة من صفعة والدها التي اوقعتها ارضا.. ولم يمهلها التفوه بحرف ويده تقبض بوحشية على فكها لتئن بألم بينما هو يجهر بعصبية:
- اين احترامك لنفسك؟ اين كرامتك؟ لم تحترمي نفسك ولا حتى الحاضرين.. حتى انا ووالدتك لم تحترمينا بفعلتك هذه.. امام الجميع وامام زوجته تقولين انك تودين الزواج به يا حمقاء! لم اشعر يوما بالذل كما شعرت الان بفعلتك المهينة لنفسك والمهينة لي ولوالدتك ولاختك ايضا.
- انا اسفة!
همست بصعوبة ليدفعها بعنف ويهتف بحدة:
- اسمعيني.. قسما بالله حلال قتلك على افعالك الغبية.. ولكن انا اعرف جيدا كيف سأعاقبك.. اولا انت ممنوعة من المدرسة.. دراستك ستتم في المنزل.. ولن تذهبي الا لاجراء الامتحانات.. والاهم من ذلك لن تحضري اي مناسبة ولا احتفالية للعائلة.. حتى عرس شقيقك لن تحضريه.. اما بالنسبة لهاتفك وحاسوبك فلن يعودا اليك ابدا.
ثم صمت قليلا واضاف بنبرة محذرة تحمل في طياتها الكثير من التهديد:
- ودعيني فقط ارى علامة من علاماتك اقل من خمسة وتسعين.. صدقيني سترين قسوة بعمرك لم تتخيليها مني.. وانا الذي سيجعلك تحبين دراستك رغما عنك.
ثم ضغط على فكها اكثر لتتصبب دموعها بارتياع اكبر وهتف:
- هل فهمت ما قلته ام اكرر بأسلوب اخر؟
اومأت بصعوبة وسط شهقاتها التي تكتم انفاسها قبل ان ينتبهوا ثلاثتهم الى الباب الذي فُتح والى غيث الذي دخل، مدمدما بهدوء وهو يتطلع اليها بنظرات حانية:
- اود ان اتحدث معها.
- ليس لدي اي مشكلة.. ولكن بعد خروجك اوصد الباب عليها بالمفتاح لأنني لا ارغب في رؤيتها امامي ولو صدفة.
رد اوس بصلابة قبل ان يشير لأبنه ان يخرجا برفقته..
وما ان تبقيا لوحدهما في غرفتها اقترب منها واجلسها على سريرها برفق شديد وهمس بحنو وهو يقبل جبينها:
- بغض النظر انك اخطأتِ ولكنك تعرفي انك كأختي الصغرى تماما.
ثم مسد على شعرها قليلا لتئن بألم.. فتنهد بشفقة واستطرد بتفهم:
- انظري الي يا حور.. انت صغيرة جدا.. انا اعرف ذلك والجميع يعرف.. ولكن تصرفك كان سيئا جدا وصادما لأخي وزوجته ولوالديك وللجميع ايضا، ولا يمكن التغاضي عنه رغم صغرك.. وصدقيني انت لا تحبين ليث ولا تريدينه.. هو اكبر منك بعشرة سنوات.. لازلتِ في السادسة عشر من عمرك.. مراهقة تنضج رويدا رويدا.. ومشاعرك ليست ثابتة وليست مستقرة.. وبعد مرور اشهر او سنوات قليلة ستندمين على تصرفك وتضحكين على مشاعرك الفوضوية.
رفعت بحريها المتوهجان بموجات باكية الى مقلتيه الرمادية الدافئة ثم همست بذبول وهي توغل نفسها في حضنه:
- انا اعرف انني اخطئت.. ولكنني اريد ان يحبني احدا انا فقط.. انت تحب اختي وهي تزوجتك.. وآسر يحب رين وسيتزوجها.. وانا احب جدا آسر.. ولا اريده ان يحب احدا اكثر مني.. وليث احبه انا.. واريده ان يحبني.
ربت على ظهرها وغمغم بجدية متفهمة:
- الجميع يحبك ولكنك بتصرفاتك هذه تبعدين الجميع عنك.. ما زلتِ صغيرة وامامك حياة طويلة حتى تجدي الحب الحقيقي وتتذوقي طعمه الحلو والمر وحتى تفكري بالزواج.. ليث لن يحبك اكثر من اخت وانت لا تحبيه سوى بأنانية طفلة مراهقة.. هو يحب زوجته وهي تحبه.. فتفهمي ذلك يا حور.. اما آسر فطبيعي حبه لأختي وتمسكه بها لأنك يوما ما ستجدين شخصا يفعل المثل لأجلك.. فاهتمي الان بدراستك وانسي هذه المواضيع يا صغيرة.
نظرت اليه بضيق ثم اردفت وهي تبتعد عنه:
- اريد ان انام.. انا متعبة.
مددها على سريرها ثم هتف:
- نامي ولكن عندما تستيقظي يجب ان تعتذري من الجميع يا حور.. الجميع يحبك فلا تخسريهم.
ثم احنى رأسه ليقبل وجنتها وخرج من غرفتها، تاركا اياها تبكي لوحدها..
*************
لا تدري ما هذا الشعور الذي يزهق روحها دون هوادة من تلك الطفلة الصغيرة الجريئة.. ولا تدري لما تلك الغصة ذات المسننات الضارسة تفتك بحلقها.. احساس كريه الهب فؤادها بقساوته.. اشباح متبججة تلهو على اعصابها لتقضم شفتها السفلى بعنف حتى تبجس هذا الشعور الغريب.. رباه هي تغار! كل ما قالته تلك الصغيرة الحمقاء ارعب وجدانها واثار غيرة وتوجس قي اعماق ثناياها..
لم تنجلي اي ردة فعل على تعابير وجهها غير الهدوء والصمت المريب وهي تتطلع الى الوجوه التي لا زالت قامعة في صدمتها.. ولكن صوت حماها الذي دوى جامدا اغاظها بشدة.. وبدرجة مؤلمة..
ماذا يقول؟! "لم يحدث شيئا.. هي طفلة صغيرة"
كيف لم يحدث وهي تشعر بكتل جمرية غاضبة ثائرة تستحفل وطأتها في داخلها؟.. تلك الصغيرة الشقراء.. التي لم تخرج بعد من البيضة تود الزواج بزوجها!! بزوجها الذي لم يمر على زواجهما سوى ليلة واحدة!
زفرت انفاسا هائجة حالما شعرت بيده تتحسس اناملها المتكئة على شرشف المائدة الطويلة الأبيض وهو يهتف بصوت عال:
- بالتأكيد لم يحدث شيئا.. حور صغيرة ولكنها لو كانت اختي لكانت في عداد الموتى الان!
رمقته رين بنظرات حانقة وهي تتمتم بصوت منخفض سمعته حياة:
- اللهم طولك يا روح.. يستحيل ان لا يقحمني قي تهديداته وكلامه.
ضحكت حياة وهي تميل عليها مغمغمة بخبث:
- تخيلي انك من قلتِ انك تودين الزواج بآسر وامام الجميع.. آسر وانا فقط من سنفرح.. ولكن الفرحة لن تدوم طويلة لأنها ستتحول الى عزاء بوفاتك.
- دعي تخيلاتك لنفسك.. يكفيني مجانين في حياتي.. ليث وآسر.. ابتلاء عظيم من الله.
دمدمت بسخط لتردع حياة ضحكتها العالية بصعوبة من الانبلاج.. ثم اردفت:
- حور الجريئة الغبية لا تعلم في اي مصيبة اوقعت نفسها.. لن يرحماها آسر وعمي اوس.
تنهدت رين ثم غمغمت بشفقة:
- صحيح.. ولكنني اشفق عليها رغم كرهها وحقدها علي.. تلك الفتاة غيرتها تعميها.. ولكنها غبية! الم تجد شخصا اخرا غير ليث! والادهى انها صغيرة للغاية حتى تفكر في امر كالزواج!
- انا لا اطيقها.. لو انها ليست ابنة عمتي عدن واخت آسر لكنت مزقت لها شعرها بنفسي.
هتفت بحنق لتبتسم رين بخفوت قبل ان ينتبهوا جميعهم الى لين التي غمغمت بثبات مزعزع:
- بما ان ليث عقد قرآنه على سيلا ولم يتبقى سوى الاشهار.. فعلينا تحديد موعد الزفاف قبل عودة والداي واسرة جود.
- انا بحاجة الى زيارة خالتي سحر الان.
غمغمت سيلا بجدية ليرد عليها ريس بحزم:
- اذهبي انت وزوجك.. فهناك موضوع هام يجب ان يحدثك به ليث.
- انهضي سيلا.
هتف ليث بضيق لتزفر انفاسها المتأججة قبل ان يصعدا الى غرفتهما.. وما ان ولجا دمدمت سيلا بحنق:
- هيا لنذهب.. لم يكن هناك داع لصعودنا الى الغرفة.
رفع حاجبا غليظا متهكما ثم همس بشراسة:
- اترغبين في خوض جدالات لن تتحمليها يا زوجتي؟
- لا اظن انني قلت ما يدعو الى خوض جدالات او شجارات يا ليث.
تمتمت بغلاظة لستشرس ملامحه اكثر ويهتف بحدة:
- سيلا كلميني بأسلوب لأئق افضل لك.. صدقيني.
ضحكت بسخرية مريرة وهي تغمغم بينما تستدير لتدخل الى الحمام:
- اتخيل ردة فعلك حينما تسمع اليوم ان هناك من يريد الزواج بي!
ولم يوقفها سوى قبضته التي ابتركت ذراعها وادارتها اليه بعنف وهو يزمجر بضراوة:
- اقتله واشرب من دمه قسما بالله.. تلك طفلة حمقاء.. فإياكِ استفزازي بما قالته حور.
- عقليتك متخلفة جدا يا ليث.. وعنفك ليس له حدا.
هتفت بصوت عال يحمل في ثناياه كل الغيرة والغضب ليضيق بعينيه وهو يتساءل بجهامة:
- هل ممكن ان تخبريني سبب كل هذه التهجم بعد ان كنتِ صباحا مثل العسل؟
- لانك لا تفهم.. لانك اناني يا ليث!
اجابت بسخط ليبتسم فجأة ويده تحرر معصمها ببطئ:
- هل تغارين يا زوجتي؟
شمخت برأسها وهي ترسخ مقلتيها اللامعتين في حدقتيه الماكرتين.. وغمغمت بجرأة.
- اجل، انا اغار واتألم.
ابتسم وهو يسحبها الى حضنه بينما انامله تمسد شعرها بنعومة مريحة، هامسا بحب:
- يسعدني ذلك سيلا.. يسعدني للغاية.. غاري يا حبيبتي وثوري وانتقمي ايضا.. ولكن فقط عندما تغارين.. مع ان لا يهمني سواك ولن انظر الى سواك كما فعلت طوال حياتي.
غرور انثوي فذ ذاك الذي رجرج نياط روحها وفاقم من خفقاتها العاشقة.. يا الله كل شعور بغيض لم تطيقه تلاشى وحل مكانه شعور اخر مفعم بالسرور والحبور! شددت اظافيرها الطويلة على بلوزته الرياضية السوداء بقوة وهي تريح رأسها على مكان واحد ووحيد اعتبرته ملاذًا ابديًا.. ثم دمدمت ببحة رهيفة يعشقها بجنون:
- احب تمسكك بي.. وكوني بنظرك المرأة الوحيدة.. رغم كل شيء.
- تعالي واجلسي.. هناك موضوع هاد يجب ان احدثك به.
غمغم بابتسامة وهو يسير بها الى شرفة غرفتهما.. وما ان قعد واجلسها على ساقه اطلق زفرة ساخطة وهتف:
- اسمعي يا سيلا.. انتِ يجب ان تشهدي وتقولي كل ما فعله ابن عمك النذل بحقك.. ويجب ان تقولي اسم الحقير الذي اغتصبك.. حتى تقوم الشرطة بعملها.
صمت لثوانٍ قليلة ثم اردف وهو يتأمل وجهها الفتان:
- انا لم اخرج من السجن الا مؤقتا حتى اجمع الادلة لصالحي.. ولن يتم الافراج عني نهائيا الا في حال قمتِ بالادلاء بشهادتك حول ما فعلاه النذلان.
- دعني اولا ارى خالتي يا ليث.. انا بحاجة لأن اطمئن عليها.. قلبي لن يرحني الا اذا رأيتها وتأكدت انها سليمة.
همست برجاء شجي ليومئ برأسه:
- اذا هيا لنذهب ونزورها الان.
*************
قبعت بجوار زوجها في سيارته ودموعها تنحدر بترح شجي على وجنتيها الناعمتين.. ولم يفاجئها سوى كلمات زوجها الذي يقود بهدوء:
- ثاني مرة ولو قامت القيامة لا تذهبي لأي مكان دون اذني يا ناي.
تطلعت اليه باستنكار شديد وسط غشاشة دموعها التي تعيق بصرها ثم دمدمت بعصبية ولأول مرة امامه:
- هل كنتَ تريدني ان اترك عائلتي.. وابقى لأخذ اذنك قبل الذهاب مع ابي وامي يا غيث؟!
- اجل.
اجاب بصوت جاد لتغمغم بحدة:
- غيث ارجوك.. تكفيني المصائب والهموم التي احملها.
- ناي!
زمجر بتهديد وهو يرمقها بنظرات غاضبة لتتجاهله وهي تراه يركن السيارة في موقف السيارات الخاص بمنزلهما.. ثم هتفت ببرود:
- اعتذر يا غيث ولكنني لا ارى اي خطأ فيما فعلته.. وموقفي كان طبيعيا جدا.. وفي مثل هذه الحالات توقع اي شيء مني.
ثم سريعا ترجلت من السيارة ليتبعها بغضب بعد ان اغلق سيارته.. وصاح بجهامة ما ان ولج الى المنزل:
- ناي توقفي مكانك.. ولا تدعيني اجن.. والا سيحدث ما لن يعجبك.
- غيث اتركني لوحدي.
اردف بسخط وهي تصعد الى غرفتهما ليهرول تجاهها ويسحبها من مرفقها بعنف، قائلا بتهديد:
- لا تجعليني اخرج عن طوري.. ولا تلعبي بأعصابي.. كل ما اقوله يُنفذ دون جدال.
- انت مثل شقيقك ليث.. لن استغرب فهو توأمك!
زمجرت بحدة لتشتد وطأة ضغطه على مرفقها وهو يهزها على اخر درجات السلالم:
- احترمي نفسك يا ناي.. ولا تقصدي الاهانة لأخي.
سحبت يدها بقوة وهي تبثق كلماتها في وجهه:
- انا احترم نفسي جيدا.. ولكنك لا تقدر ظروفي يا سيد غيث.. وانا لا اهين احدا.. انا اقول الواقع.
ثم انصرفت راكضة من امامه الى غرفتهما ليجهر وهو يسير ورائها:
- انا اكبت غضبي بصعوبة.. بداية من مشكلة ليث الى مشكلة اختك.. والان انتِ.. وانا لا استطيع السكوت اكثر.
استدارت لتواجهه مغمة بخور:
- غيث ارجوك.. انت تعرف انني عصبية وقتما اشعر بالحزن.. فاتركني حتى اهدأ.. انا اسفة حسنا.
لم يرد عليها سوى بخروجه الهمجي من الغرفة ومن المنزل بأكمله لتجهش في بكاء غير قادرة على تحديد سببه جيدا..
************
استشرى شعوره بالغيظ وهو يراها متوسدة سريرهما، متربعة الأرجل بأفرول (overall) اسود صيفي، كاشفا عن ساقيها الابيضان وعن ذراعيها النعيمين.. بينما شعرها مسرّ ح على شكل جديلتين فرنسيتين اظهرتا رونق وجهها الصافي..
لا يعلم هل يسرح في جمالها الذي يزداد يوما بعد يوم ام يجرها من جديلتيها لتنهض وترتدي ثيابها حتى تجهز نفسها بما انه حذرها؟..
هتف بصوت حاد وهو يبعد الحاسوب (اللابتوب) الأبيض الذي تضعه على ساقيها:
- الم اخبرك ان تجهزي نفسك؟ هل يمكنني ان افهم لماذا تصرين على استفزازي؟
رمقته بنظرات حاقدة ثم غمغمت وهي تتجبد بنعاس مصطنع:
- عزيزي ادهم.. يعطيك العافية.. من الجيد انك ابعدت الحاسوب عني لانني ارغب في النوم.
- انهضي يا سيلين وجهزي نفسك قبل ان افعل بنفسي ذلك.
زمجر بتهديد لتضحك وهي تهز كتفيها، قائلة:
- افعل ما تريد.. لأنني لن اقوم وانا اشعر بالتعب.
- طبعا.. كنتِ تتقاتلي مع عقلك الأحمق بأفكار غبية لا تكون الا برأسك الفارغ.
دمدم وهو يسحبها من يدها لتنتصب واقفة امامه وهي تشتم بضيق قبل ان تزم شفتيها وتردف:
- لن اتحرك من مكاني.. اذهب انت واحضر لي فستانا قبيحا ودعه يكون اسودا مثل ايامي معك.
ضحك وهو يسير تجاه خزانتهما البنية الكبيرة.. ثم فتحها وتطلع بتركيز الى فساتينها الطويلة المعلقة بترتيب دقيق ليمد يده ويسحب فستانا احمرا.. ومن ثم فتح جارورًا كبيرًا مليئًا بالشالات المنوّعة.. فسحب شالا اسودا، يلائم لون الفستان..
وما ان انتهى ناولها اياهما لتعبس بغضب وهي تحدق بتعابيره المستمتعة فيما يفعله وتهمس برفض:
- انا لن ارتدي اي شيء.. اذا كنتَ تريد انت فعل ذلك ليس هناك اي مشكلة.. الفستان سيبدو جميلا عليك.. وحقا ارغب في رؤيتك بالحجاب.
قهقه بشدة وهو يديرها ليلبسها الفستان فوق ثيابها لتئن باعتراض لم يبالي به.. وما ان انتهى رفع اصابعه الخشنة ليحلّ جديلتيها الاثنتين بتلذذ فاقم من قهرها منه.. فتمتمت بضيق وهي ترفع حاجبيها الرقيقين:
- ما شاء الله خبير! سأدعك تفعل لي ذلك كل يوم.. فلماذا اتعب نفسي ولدي زوجًا ماهرًا يجيد فعل كل شيء؟!
غمغم بمكر وابتسامة بشوشة مزخرشة على شفتيه بجاذبية قاسية، بينما اصابعه تسترسل عملها في رفع شعرها الذي تموّج قليلا بسبب الجديلتين وعقده على شكل كعكة:
- من الجيد انك تدركين بأن هناك نعمة لا تُعوّض بين يديك.
- مغرور متبجج سيد ادهم.
هتفت بحقد قبل ان تشخر بتهكم رادفة:
- نعمة!! لا بد انها نقمة ولله.
- حسنا اعيرنني سكوتك.. ولفي انتِ هذا الشال على شعرك.. لا اعرف كيف اضعه.
غمغم وهو يسحبها نحو المرآة المعلقة على الحائط لتومئ بحنق وهي تضعه بنفسها وسط نظراته المستمعة لأقصى حدٍ..
وفي طريقهما الى حفل زفاف صديقه همس مُحذِّرًا اياها:
- لا تحاولي يا سيلين اثارة غضبي هناك، لأنني لا اضمن نفسي.. والاهم من ذلك، اريدك ان تكوني متواضعة في تعاملك مع البقية.. حسنا سيلين؟.
زفرت بسخط وهي تهز رأسها دون ان ترد عليه.. وعسليتيها تتابع رؤية الطريق الذي امامهما..
****************
كانت جالسة مع ابنة عمها حياة في غرفتها، تدرسان بتركيز شديد قبل ان يخرجهما عن طورهما رنين هاتف حياة الذي دوى صاخبا بأغنية تركية حماسية.. فردت حياة بضيق دون ان تنظر الى اسم المتصل:
- نعم؟ من معي؟
اتاها صوت آسر الجامد والذي يبدو في اوج غضبه المستعر:
- انا آسر.. اعطيني رين اذا هي معك.. اتصلت بها سبعة مرات دون ان ترد.
- حسنا.. نحن ندرس الان.
غمغمت قبل ان تناول الهاتف لرين التي تظرت اليها بمعنى من.. لتهمس لها الاخرى انه آسر.. فزفرت بغيظ وهي تتلقف الهاتف من بين يدها وهمست ببرود:
- اهلا؟
- لماذا لم تردي على اتصالاتي؟
تساءل بحدة لتمط شفتيها وهي ترد بخشونة:
- انا ادرس.. وهاتفي في الشاحن.. ما الامر؟
- يجب ان اراكِ.
هتف بجدية غاضبة لتدمدم بلا مبالاة:
- لا اقدر.. واظن ان لا زال لا يوجد شيئا بيننا حتى التقي بك على انفراد.
- بل سنلتقي.. ورغما عن انفك المتبختر.
اجاب بشراسة لتضحك بتهكم وهي تقول:
- كيف؟ هل ستخطفني مثلا؟
- ممكن جدا.. اسمعيني غدا صباحا سنلتقي في مدخل الجامعة حتى اخذك ونجلس نتكلم على انفراد.
اردف بنبرة صارمة لا تقبل الجدال لتتمتم بموافقتها على ومض قبل ان تغلق الخط دون ان تدعه يقول كلمة اخرى وهي تهمس بخبث:
- اذا رأيتني افعل ما شئت.. انتظر حتى تموت يا كريه.
وهناك.. توترت قدميها، وترددت في الولوج الى منزل خالتها وهي تحس بالحزن والالم لأجلها وعليها.. ولكن يد زوجها كانت داعمة ساندة وهي تسحبها معه الى داخل المنزل البسيط..
نادت عدة مرات عليها دون ان تسمع اي صوت يدل على وجود احد في المنزل فتنهدت بوهن لتطوقها ذراع ليث الماكنة الجبارة قبل ان تشهق برعب وهي ترى خالتها واقعة ارضا، فاقدة الوعي ربما.. فركضت نحوها وهي تنحني لترفعها وتضعها على حجرها بينما تهمس بخوف شديد وهي تضرب وجنتها بخفة:
- خالتي سحر انهضي.. انا اتيت.. ارحوك انهضي.
وعندما لم يأتيها اي ردة فعل منها سالت عبراتها المفجوعة على خديها الناعمين وهي تهز رأسها بنفي، تعسر عليها استنباط سببه ليتقدم ليث حتى يتحسس مؤشراتها الحيوية.. وحينها فقط عرف ان تلك المرأة المتشبثة بها زوجته بجنون قد غادرت الحياة وتوفت!!.. فغمغم بوصب عليها وعلى زوجته وشعورا بالذنب يهاجمه بصورة رهيبة:
- لقد ماتت! الله يرحمها.
تطلعت اليه بعدم تصديق وهي تصيح به بجنون:
- هل جننت؟ هي لم تمت.. هي فاقدة الوعي.. انا وهي يجب ان نتحدث.. يجب ان اخبرها ان ابنها لم يمت.. ويجب ان تحضر حفل زفافي.. هي وعدتني بأنها ستخيط لي فستان عرسي.. فكيف تسخر يا ليث وتخبرني انها ماتت ببساطة؟!
حاول جذبها الى حضنه بحزن كبير عليها الا انها رفضت بعنف وهي تهدر بغضب ودموعها تشتد تصبباتها على وجهها الأحمر:
- انت السبب.. انت السبب.. انا اكرهك.. لن اسامحك! طلقني حالا يا قاتل! يا متخلف!
************
يتبع..
بالنسبة لمواعيد الرواية.. كل يوم سبت واربعاء راح انزل فصل.. يعني يومين بالاسبوع😍❤
رأيكم بالفصل؟ واحداثه؟
- ليث وسيلا؟
- غيث وناي؟
- آسر ورين؟
- ادهم وسيلين؟
- وحور وحياة؟
قراءة ممتعة..
احبكم جدا..
مع كامل حبي:
اسيل الباش
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🌸 هل أعجبتك أحداث القصة؟
💡 لمعرفة تفاصيل هذه الرواية ومتابعة بقية فصولها كاملة وبشكل مسبق وبدون إعلانات:
🔗 تابع القراءة عبر موقعنا الرسمي من هنا: https://kimostories.site/novel/323/وحينما-تغار-الذئاب
نتشرف بوجودكم دائماً في عائلة كيمو ستوريز! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━