لا تلمني اذا الجبال بُعثرت..
فثقيلة هي الهموم التي يحملها قلبي..
ولا تقسو اذا البحار فُجرت..
فقاسية هي اوجاع الحب التي في روحي..
ليس لي ذنب يا فارس الخيول..
على ما تفعله الطبيعة من شفقتها علي..
انت تدرك كم ابغض الشفقة..
ولكن هل اقدر على قول لا للحجر؟!
يا مغوار الأفئدة لا تغرس خنجرك
مكان الجرح الذي يهرق بغزارة..
ولا تلسعني بجمر ثغرك بجبروتك المختال..
فلي طاقة محدودة تسعفني لأتحمل مرارة الدنيا..
---------------------
تقلقل فؤادها ذعرا ريثما سمعت اذنيها صراخه العال الذي يهتف بأسمها.. وانكمشت على نفسها كفأر صغير.. ولم تدري ماذا تفعل او ماذا تقول وهي تراه يحلق نحوها كصقر بربري..
بدى واضحا لماستيها الخضراء سمته الغاضبة لترتعش اناملها الناعمة الممسكة بيد هذا الشاب الذي بهت لونه واضحى يُحاذي شحوب الاموات..
لا تعرف على من تشعر بالشفقة على نفسها ام على الشاب الصغير الذي بجوارها.. سحبت راحتها بإرتجاف من بين يده.. وقبل ان تحاول ان تنبس ببنت شفة اسكتتها القبضة الفولاذية التي نزلت على وجه الشاب المسكين وليث يهدر بشراسة:
- هل انت مجنون؟ تمسك يدها!!
تجمهر الموظفون حولهم ليحضروا المشاجرة التي افتعلها الليث.. طأطات رأسها بخجل واحراج شديدان من المأزق الواقعة به.. لسانها عُقد بمشابك غضبه وجنونه ليردعها عن الدفاع عنها وعن الشاب.. لم تحس يوما بمثل هذا الجزع الذي يجري في عروقها بسببه.. لا بد ان الاقاويل ستُشَن الان بأنها على علاقة مع مدير الشركة.. وبالتأكيد سيبدعون بالأكاذيب..
كم كرهته في هذه اللحظة.. من هو ليتدخل بها؟! لا شيء يربطه بها.. لا شيء..
شهقت بإجفال حالما استفحلت قوة قبضته التي تنزل على جسد الشاب ثم سرعان ما استدركت نفسها لتدنو منه، هاتفة بحدة:
- دعه يا ليث.. دعه.. انت تثير الفضائح.
لم تتوغل ترنيمة اوتارها المرتجفة الى اذنيه التي تضخ نيران لاهبة من الزلزال القائم في عقله.. بدا غائبا.. ليس واعيا.. كل ما تبصره عيناه هو مشهد يدها بين يد رجل غيره.. هذا الرجل لا يقربها بصلة!! من هو ليمسك يدها؟! رغبة عاتية متوحشة تستشري في اعماقة وتحثه على القتل.. عقليته المتعصبة المتعقدة تنسج خيالات واوهام لا وجود لها وتجبره على مضاعفة حدة قبضته القاسية..
كرر لسانه التفوه بتلك الكلمات التي ادهشت الموظفين قبل ان تدهشها هي نفسها:
- كيف تلمس خطيبتي يا حقير؟! من انت لتلمسها؟!
احتدت قوة رغبتها في الاجهاش بالبكاء المرير وهي تستشعر النظرات المصدومة الحاقدة.. حاولت ان تبثق نفسها من ديمومة الخوف والشفقة على نفسها فتوقفت وسطا بينه وبين الشاب الاخر والذي بدأ يعمل حديثا في الشركة.. وكادت ان تصيبها قبضته الا انه سرعان ما اوقفها بعيدا عنها بإنشات صغيرة وزمجر بغليان:
- ابتعدي.
- ارجوك ليث لا تفضحني اكثر.. انا ارجوك.. الجميع ينظر الينا.. سمعتي على كل لسان الان.. ارجوك لنتفاهم.
همست بتوسل وهي توزع انظارها الشجية بينه وبين الموظف المسكين الذي لم تعد تتضح ملامح وجهه الوسيمة من كثرة الدماء التي تغطيه..
وفجأة دفعه ليقع ارضا، خائرا القوة ثم قبض على يدها بعنف اوجعها وجرها خلفه الى خارج الشركة..
دفعها الى داخل سيارته ثم توجه الى مقعد السائق لينطلق مسرعا، هاتفا بعصبية:
- كيف تسمحين له ان يمسك يدك؟ الهذه الدرجة انت رخيصة؟! الا يكفيكِ الملابس التي تبرز كل تفاصيل جسدك اللعين!! انت مقرفة للغاية.. انسانة غير محترمة.
- اخرس واوقف السيارة حالا والا سأقفز منها.. وصدقني لا احد غيرك رخيص.. ولا احد غيرك غير محترم.. تتكلم عن الاحترام وانت احقر شخص عرفته.. هل تعتقد انني سأخاف منك وسأسمع كل الكلمات الدنيئة التي تقولها بصمت؟!
صمتت لوهلة لتضيف بإستهزاء مرير وبنفس الصراخ الموجوع:
- بالتأكيد لا.. انت انسان مجنون ليث.. متخلف.. وتافه.. والان اوقف السيارة والا اقسم بالله سأقفز.
آهات قاسية كان يبجسها فؤادها الذي يهرق دماءا موجوعة.. الام عاتية تكبش على صدرها بكماشة صلبة لتمنعها من التنفس بإرتياح.. يا الله كيف له ان يكون بمثل هذه الشدة وهذه القسوة!! احتقرت نفسها كونها معجبة بشخص مثله.. بشخص لا يعرف للرحمة والشفقة مُسمى.. لم يفكر ولو لوهلة صغيرة ان يستفسر قبل ان تفتك قبضته الموجعة بجسد الموظف المسكين وقبل ان يتقِ لسانه حسن اختيار الكلمات اللاذعة..
احست فجأة بالسيارة تتوقف على جانب الطريق السريع بحدة فوثب جسدها الى الامام من المباغتة هذه.. استدارت اليه بأنفاسها المتعالية من الغضب والخوف وكأنها تروّض حصان شرس مرتاعة من التعامل معه.. ولكن هذا ليس حصان تقدر على ترويضه فهذا الليث.. الاسد.. الذي لا يخشى الكبير ولا الصغير ولا ينصاع لأي منهما.. فكيف سينصاع لها هي!!
- لماذا سمحتِ له بلمسك؟
تساءل بهدوء مريب اججّ من سرعة خفقات فؤادها المذعور.. لا لن تبالي به بعد الان.. لن تهتم بأي مما يقوله.. يكفيها ذل واهانات منه ومن غيره.. خدش كرامتها بمخالب ضارسة ولم يأبه بأي من اوجاعها ولا بدموع جزعها.. لن تخاف منه.. ابدا ابدا..
رفعت خضرواتيها الغريبة لتحدق به ببرود عكس البراكين الهائجة في اوصالها ثم همست بسخرية:
- لأنني رخيصة.. اليس هكذا قلت؟
- جاوبيني على سؤالي.
كرّر بصوت جامد غير عابئا بالشجن والاسى اللذان يغلفان صوتها المبحوح كترنيمة ناعمة.. فتشدقت هاتفة:
- ماذا عنك؟ الا تلمسني؟ اتحب ان اكرر لك عدد المرات التي لمستني بها دون ارادتي؟
ثم اخذت نفس عميق واستأنفت:
- ولم تكن لمساتك كسلام او غيره بل لمسات عنيفة.. مم.. شد شعر.. امساك ذراعاي بالقوة.. و...
- اصمتي.
صاح بعصبية لتغمغم بهدوء:
- انظر الى نفسك ليث قبل ان تتكلم عن غيرك.. طالع نفسك جيدا يا مديري العزيز.. الشاب الذي ضربته يصغرني بعامين ويعتبرني مثل اخته فقط لا غير.. وذلك لانني اشبه شخص عزيز عليه.. هذا كل ما في الامر.. ام تحب ان تسمع مبررات اخرى ليتقبل عقلك الذي لا يعرف اننا في القرن الحادي والعشرين فكرة انني سلّمت على الشاب فقط لأنه اصبح كأخ لي ليس لي مثله في هذه الحياة القاسية؟
لم يعرف لما صمت.. لما لم يرد.. لما تطلَّب منه كل هذا الوقت ليتمكن لسانه من التحرك.. ربما حنّ قلبه لقسوة حياتها التي لا يعرف عنها الكثير.. او ربما لأنها صادقة قليلا.. لا يعرف الا انه صمت.. صمت طويلا وانافت وتيرة انفاسه مع دوامة التفكير التي هاجمت عقله.. واخيرا احسّ بحركة بجانبه ليتطلع نحوها ويجدها تفتح الباب لتخرج، الا انه سرعان ما سحبها من يدها وهتف:
- لا تخرجي سأقلك انا.
- لا اريد.. ولا اريد ان ارى وجهك ايضا.. ابتعد عني يا ليث.. لم اعد اطيقك.
هدرت بعنف ليعقد حاجبيه برفض قاطع ويردف بتهمل ليتغلغل رنين صوته الرجولي الى ثناياها جيدا:
- لا احب ان اكرر كلامي سيلا.. ولستِ انتِ من تقررين اذا ابتعد عنك ام لا.. لأنكِ ستكونين معي الى الابد.
- هل ستتزوجني غصبا عني اذا؟ لأن اذا فعلتَ ذلك فقط سأبقى معك الى الأبد.
دمدمت بتهكم لتقبض اصابعه المتشنجة على مقود السيارة بغضب، راجيا الصبر من الله ثم ابتسم ببرود مخيف وهمس، ممعنا النظر بعيناها التي تبدو كأوراق فصل الخريف الصفراء والتي على وشك الذبول:
- انتِ موافقة على الزواج مني سيلا.. وايضا معجبة بي.. وربما تحبيني.. ولكنك خائفة! مما؟ لا اعلم.. اليس كذلك؟
- لا تكن بهذا الغرور ليث.. انا لست معجبة بك.. ولا اخاف شيئا.
اجابت بتعلثم ومقلتيها الشجية الموجوعة تحكي الكثير بشرودها الذي بعثر كيانه.. هو صادق والله وقلبها الخائن يشهدان على كلامه ولكن...
آه يا الله كم حياتها مُعقدة ومليئة بالمصاعب.. يا الله من الآهات والآلام التي تطمرها بلا رحمة في صدرها لتجلد روحها بسياط الكبت.. كم تتمنى ان تبكي لترتاح لو قليلا.. ولكن كبريائها وكرامتها لا يسمحا لها.. كم هو صعب هذا الشعور!! العبرة عالقة وترجو التصبب مدرار على وجنتيها ولكن.. ولكن العقل يردعها بقسوة.. بحجة كرامته!
تنهدت بوصب وهي تسمع صوته الرجولي الآسر يرد على كلامها:
- لا تكذبي يا سيلا.. كفاكِ كذبا واعترفي.. مما انتِ خائفة؟ انا لا اصدق انك خائفة من عائلتي التي لا ولم تهتم ابدا بالفوارق الاجتماعية والاقتصادية.. اخبريني سيلا لأساعدك.
ابتسمت بقهر.. يساعدها!! كم ترغب ان تُفجّر قنبلتها في وجهه.. آه كم ترغب..
تعمقت حدقتيها التأمل به لثوانٍ طويلة.. طويلة للغاية وابتسامتها الغريبة لم تفارق ثغرها قط.. ثم همست ببرود اخافه عليها لوهلة قبل ان يتحول الى غضب عارم:
- انتَ حقير ليث! توّد ان تساعدني صحيح؟
تفاجأت من احساسها بالتشفي من هدير انفاسه المتعالي غضبا لتستطرد هاتفة بمرارة:
- مما ستساعدني بالله عليك!! انت تكلمتَ مع ابن عمي اللعين ليغصبني على الزواج منك.. بالتأكيد سيجبرني سواء بالضرب او بتشويه جسدي اللعين او بطرق غيرها.. انا اكرهك لأنك تُسبّب لي اوجاعا جديدة.. اكرهك لأنك ربما ستحرمني من عملي.. اكرهك لأنك صادق بكلامك.. انا اكرهك!
لا يدري ايفرح على كونها اعترفت له بطريقة غير مباشرة على اعجابها به ام يغضب ويثور عما يفعله بها ابن عمها الذي سيلقنه درسا لن ينساه او يحزن على المآسي التي عانت منها منذ وفاة والديها وبداية تيتمها..
تطلع اليها بشفقة كرهتها وغرست مخالب شرسة في فؤادها ليريق دماء الالام التي لم تعد تقدر على تحملها.. كرهت جدا تلك النظرات.. تلك النظرات التي منعتها من الافشاء بجزء من اسرارها المأساوية حتى لصديقاتها المقربات!
اشاحت عنه لتحدق بالسماء بجمود وهتفت:
- اوصلني الى الشركة لو سمحت لأعود الى المنزل بنفسي.. ولو سامحتَ جد حلاً حول كلامك امام عمال الشركة عن كونك خطيبي.
- لست مضطر ان أبرر لأحد عما افعله او اقوله.. انا حرٌ في حياتي.. وليتجرأ احد فقط ليفتح فمه بكلمة.. ولله اقطع له لسانه.
اجاب بتغطرس لتغمغم بثبات:
- ولكن انا مضطرة لأني لا املك النفوذ والقوة مثلك.. هذا تلميح صغير على احد الفروق الذي بيننا.
زفر بضيق ثم ادار محرك السيارة واتجه نحو الشركة، ملبيا طلبها لتلتزم الصمت وتتوه بأفكارها المتنافرة كحجارة من لهب..
**************
على بعد ملايين الكيلومترات.. في دولة التطور والتكنولوجيا الحديثة.. في مدينة طوكيو في اليابان.. توقفت قبالة المرآة تتأمل فستانها الأسود القصير الذي يبرز جمال ساقيها الرشيقان ليهبها جاذبية على جاذبيتها الطبيعية.. استقامت بظهرها كجبل شامخ لا يهتز واوغلت اناملها بين طيات شعرها لتحركه قليلا ويندسل على جانبي وجهها المُشرق من البهجة والرومانسية التي تعيشهما..
ابتسمت بفرحة وهي تتطلع الى رسمة عيناها الجميلتين لتبدو كفتاة يابانية هي الأخرى مع طلّة مشرقة اكثر.. ثم امتدت يدها الرقيقة لتسحب الكحل الأسود لتضعه فوق عيناها وتمدّه الى الجانب بخط رفيع للغاية اظهر رسمة عيناها المميزة بوضوح..
وبعد ان انتهت قامت بوضع احمر شفاه باللون الاحمر الداكن على شفتيها الصغيرتين المنتفختين كقطف العنب ثم سارت قليلا نحو حقيبتها الصغيرة لتخرج كعبها الأسود الطويل وارتده ليزيدها طولا على طولها..
"الن يستيقظ؟"
تساءلت بحنق في داخلها وهي تتطلع على السرير النائم عليه زوجها الحبيب قبل ان تتقدم قدميها مُخلقة ترنيمة خاصة بضربات كعبها العال على رخام البلاط الرمادي والأبيض..
- غيث.. انهض حبيبي.
همست بنعومة وهي تهزه برفق من كتفه ليستدير بجسده الى الجهة الأخرى ويضع الدثار الأبيض فوق وجهه حتى يمنع صدى صوتها من مضايقته.. فتنهدت بسخط وكررت ما فعلته مرة اخرى لتجده يهمهم لها ثم يدس نفسه مرة اخرى في اجتثامة النوم العميقة..
- غيث اذا لم تستيقظ اقسم ان اخرج دونك.. نحن لم نسافر لنبقى حبيسان هذا الجناح.
هتفت بنفاذ الصبر ليأتيها صوته الناعس:
- حسنا.. لكن لا تنسي ان تغلقي الضوء لأنه اوجع رأسي.
- غيث..
صاحت بصوت عال لينهض بفزع من صوتها العال ويتساءل بحدة:
- ما الأمر ناي؟
- لقد مللت.. لنخرج قليلا.
همست برجاء ليزفر بحنق قبل ان تقوم رماديتيه الناعسة بالتأمل بكل ان انش من وجهها وجسدها ويدمدم بعصبية:
- ما الذي ترتديه يا امرأة؟ اتظنين انني سأسمح لك بالخروج وانتِ بهذا الاغراء كله؟! قطعا لا.. اذهبي وغيّري ثيابك وسأفكر اذا نخرج ام لا.
- لا اريد.. نحن في اليابان.. وانا اريد ان ابدو مثل الفتيات اليابانيات.
اعترضت بعزم لينتصب واقفا بجانبها متجاوز قامتها الطويلة بطوله الفارع ويهتف بغضب:
- قسما بالله يا ناي لن تخرجي بهذه الثياب.. اما ان تغيري واما ان تبقي هنا دون خروج.. اختاري احداهما وايضا خففي من هذا الأحمر الذي تضعيه على فمك.
- لكنني ابدو جميلة الان.. فلماذا تريدني ان اغيّر؟
غمغمت بحنق، متعجبة من عصبيته التي قلّ ما تراها.. هذه اول مرة يثور عليها بهذه الطريقة..
"على ما يبدو انه الان بدأ يصبح التوأم الحقيقي لليث من ناحية التفكير"
فكرت بغضب وهي تسمعه يزمجر كأسد هائج اثار خوفها:
- ناي.. كلمة اخرى وسأقسم ان لا نخرج ابدا من الجناح الى حين عودتنا الى البلاد.
انصاعت لأمره سريعا خوفا من ان ينفذ تهديده وتبقى حبيسة هذا الجناح.. لا تعرف ما بها ثيابها ولكنها لم تستطع ان تنكر الفرحة التي دغدغت انوثتها بغيرته التي لاحظتها.. ربما هو محق.. ففستانها قصير ويضيف على جاذبيتها الإغراء.. ابتسمت بمكر لأنها وجدت ما يغيظ ويُغضب غيث الهادئ الحنون..
آه كم تعشق كل ما به.. حتى غضبه الذي للمرة الأولى يلقيه عليها! تعشقه بجنون.. حد الهوس!
بدلت فستانها ببنطال جينز فاتح حدد رشاقة ساقيها الطويلة وببلوزة بيضاء دون اكمام.. ثم ازالت احمر الشفاه التي تضعه ودعت شفتيها على لونهن.. لون الأحمر الفاتح الطبيعي.. ثم ارتدت كعب ابيض ناعم متوسط الطول وخرجت له لتجده واقف بشرفة غرفتهما عاري الصدر..
"هو يحق له ان يظهر عضلات صدره بينما انا لا"
تمتمت بضيق وغيرة شديدين ثم اتجهت نحوه بملامح ساخطة وهتفت:
- انتهيت.. ادخل لتجهز نفسك انت ايضا.
التفت اليها ودنى منها بخطوات صنديد سغبان الهبت وجدانها توقا للإرتماء على صدره الأسمر.. ثم توقف قبالتها، لا يفصله عنها الا انشات معدودة وتفرست فضيتيه الغائمة النظر بها وغمغم بصوت اجش بعثر رجاحة حواسها:
- لم تعطيني قبلة الإستيقاظ كما اعتدت.
وقبل ان تحاول النطق بحرف واحد اسكتها بقبلته الجامحة التي استتلت روحها الى عالم غيث.. عالم الغرام.. الذي تتعلم به على يد محبوبها فنون الرومانسية والعشق..
ابتعد عنها قليلا، لاهثا انفاسه ثم دمدم بخشونة لا تقبل الجدال:
- بدّلي بلوزتك.. فهي تظهر جمال جزء من املاكي.
ودّت ان تعترض الا انه قاطعها بحزم:
- لا نقاش نايتي.. انا اغار.. هيا افعلي ما قلته يا حبيبة قلب غيث.
انهارت كل مقاومتها امام ما قاله ورضخت كالعبدة لأوامر ملكها الحبيب فهزت رأسها موافقة ليلثم جبينها بقبلة لها حب واحترام خاص ثم جذبها الى صدره الذي تمنت التدثر به قبل لحظات وهمس بصوت تغلفه نبرة العشق:
- احبكِ نايتي.
تململت في احضانه كهريرة صغيرة ليقهقه بصوت عال فاقم من لمعان مقلتيها السوداوتين البريئتين فدمدمت بحب قبل ان تبتعد عنه:
- وانا اعشقك غيث.. اتركني لأغير البلوزة.. واذهب انت لتتأزر شيئا ما.
**************
رفعت شعرها الأشقر المتموج الذي صبغته حديثا الى الاعلى على هيئة ذيل حصان ثم وضعت القليل من عطرها المفضل ونزلت الى الأسفل برشاقة كأميرة غجرية واثقة بنفسها الى درجة الغرور.. ومن ثم توجهت نحو غرفة ابنها الصغير لتجده نائم كالملائكة.. ودون شعور منها ابتسمت ابتسامة امومية حانية ودنت منه لتجثم بجواره على السرير وقبلت رأسه وهمست بحب:
- يا روح ماما انت.
احسّ الصغير برائحة والدته العذبة الذي يعرفها عن بعد الاف الأمتار ففتح عيناه ببراءة رفرفت روحها فرحا به ثم سرعان ما اولج نفسه في صدرها، مغمغما بحب:
- ماما.. اشتقت اليكِ.
- وانا اكثر يا روح ماما.
اجابته بحنو فائض ليبتسم الصغير ويتساءل بطريقة اكبر من عمره ذكرتها بنفسها ريثما كانت صغيرة:
- وكيف كان العمل ماما؟ هل اتعبك بابا في الشغل؟
قهقهت رغما عنها ومررت اناملها الرقيقة على شعره البني الحريري واردفت ببسمة دافئة تشع حبا وولعا بطفلها الحبيب:
- لا يا روح ماما وبابا لم يتعبني البابا.. واليوم كان العمل سهل ومريح جدا.
- هذا حسنٌ.. اين هو بابا الان؟
عاود بث اسألته التي اعتادت على سماعها منه فأجابت بهدوء:
- انه يستحم الان ليزيل ارهاق العمل.. دقائق معدودة وسينزل اليك.
"وها قد اتى البابا ليُسلّم على صغيره"
استدارت سيلين لتتطلع الى زوجها الذي ولج لتوه ليعانق ابنهما الحبيب سند ثم غمغمت بحب:
- نعيما ادهم.
ردّ لها الإبتسامة وهو يحاوط ظهرها بيد واليد الأخرى سحبت طفله لتضعه على حجره وهمس:
- الله ينعم عليكِ حبيبتي.
- بابا اين سنذهب غدا بما ان لديك عطلة انت وماما؟
دمدم سند متسائلا بلهفة ليقرص ادهم له خده ويجيب بحنية:
- اين يرغب البطل بالذهاب؟
- ارغب ان ازور ناية.
اردف بشوق كبير لتبتسم سيلين:
- ولكن ناي مسافرة الان الى شهر العسل هي وزوجها غيث.. هي في اليابان.
زم شفتيه بضيق وتمتم بحنق:
- الا نستطيع ان نسافر الى اليابان لنراهما؟ انا مشتاق لناية.
- لا يا حبيبي.. هما في شهر العسل ويجب ان يكونا به لوحدهما.
غمغمت ببساطة متفهمة ليعقد حاجبيه ويسألها بحيرة:
- لماذا؟ ما الذي يفعلانه بشهر العسل ماما؟
ضحك ادهم عاليا وهو يتطلع الى زوجته بنظرة فهمتها جيدا وجعلت الحمرة القانية تتفشى في سائر انحاء وجهها الصافي ثم قال، ممررا اصابعه الخشنة على شعره اللامع:
- كأنك تشبه امك حينما كانت صغيرة بتفكيرك!
- انا لم اكن هكذا.
هتفت سيلين سريعا ليرفع احد حاجبيه ويدمدم:
- ولله حسب ما قاله اخاكِ اوس انا اتكلم.. هو من اخبرني بكل ما كنتِ تقوليه وانت صغيرة من اقوال لم تكن تناسب عمرك.. هل تودين ان اذكر بعض الاشياء؟
- ادهم!
زجرته بإحراج شديد ليقهقه على خجلها ويغمغم الصغير بعدم فهم:
- عمّا تتكلمان؟ انا لا افهم!
- لا شيء حبيبي.. لا شيء.. والدك يرغب ان يتأدب اليوم وينام بغرفتك.. صحيح ادهم؟
زمجرت بغل ليبتلع ادهم ريقه ويبتسم دون كلمة اخرى.. لم يصدق ان يتصالحا.. والان هذه المجنونة زوجته تود ان تبعده عنها مرة اخرى بجنونها الذي لا ينتهي.. لم يجد اي حل اخر سوى ان يلتزم الصمت كي يعوّض ما فاتهما من ايام مضت بالجفاء والبرود اللذان كانا يغلفا علاقتهما..
- بابا منظرك مضحك.. ماما تخيفك.. ولله لم يعد هناك رجال على قول حور.
هتف سند بضحك لتنضم اليه سيلين وتغمغم:
- الا انت يا سندي، سيد الرجال.
- لنا حسابا لاحقا سيلين.
همس بوعيد لتقهقه هي وصغيرها مرة اخرى فعقد حاجبيه وهو يفكر كيف يعاقبها بطرقه الخاصة..
*************
توهجت ذهبتيها البراقة حالما انتبهت للشاب الذي تحبه يدلف الى المحاضرة ليحضرها هو الأخر.. استفحلت طبلة لبها في عزفها الأثير وهي تراه يدنو من مقعدها لتخفض لؤلؤتيها العسلية الى كفيها المكورين حول بعضهما..
لم تصدق انه رقد على المقعد الذي امامها لتبتسم بخفوت قبل ان تسمع حياة تهمس لها بصوت خفيض:
- انظري اين جلس حبيب القلب القبيح.
- اصمتي يا مجنونة.. ستفضحيني.
اجابتها رين بهمس لتضحك بخفوت وتجيب:
- آه لو يعرف آسر انك تحبين شاب غيره بعد كل هذه السنوات التي احبك بها.. سيُجن لا شك.
- كفى حياة.. ليس ذنبي كونه يحبني.. انا لم ابادله الحب يوما.
غمغمت رين بضيق لتكتم حياة ضحكتها بصعوبة وتردف:
- حسنا.. معكِ حق.. انا اسفة.
- غليظة.
دمدمت رين بسخط لتقهقه بصوت عال جذب الأنظار اليها فطأطأت رين رأسها بخجل بينما احمرّ وجه الاخرى بإحراج..
وسرعان ما رفعت رين رأسها ريثما استمعت الى صوت من يخفق له قلبها:
- لا داعي لكل هذا الخجل يا فتيات.. عادي الجميع هنا يضحك ويمرح.
- لم نطلب رأيك اظن سيد احمد.
هتفت حياة بوقاحة ليحتقن وجهه احراجًا من صراحتها الوقحة.. فلكزتها رين بكوعها قبل ان تغمغم بإبتسامة باهتة:
- اعتذر نيابة عنها.. لم تقصد بالتأكيد.
- بل انا اقصد.
اندفعت حياة قائلة بلا مبالاة لتمرر رين يدها على وجهها بخجل وخزي شديدين من ابنة عمها التي لا تعرف للوقاحة حدود.. وقبل ان يحاول اي من ثلاثتهم النطق بكلمة ولج المُحاضر معلنا عن بدء المحاضرة..
لم تستطع التركيز في المحاضرة وهي تتخيل ظنونه وارائه عنها الان.. لا بد انه سيقول عنها فتاة وقحة هي الاخرى.. المجنونة حياة تدرك انها معجبة به ومع ذلك فضحتها امامه وتواقحت عليه..
شعرت بنفسها قابعة فوق نار مشتعلة.. اصابعها تتحرك يمينا ويسارا.. تارة تفركهم ببعضهم.. وتارة تمسك بالقلم لتكتب به بشرود.. وتارة اخرى تعبث بفستانها المحتشم..
كم حقدت على حياة في هذه اللحظة.. تود ان تكسر لها رأسها البغيض وعجرفتها التي لم تعد تطيقها..
لا تدري كم مرّ من الزمن ليعلن البروفيسور عن انتهاء المحاضرة.. تنفست الصعداء قبل ان تتطلع الى حياة التي ترمقها بنظرات ساخرة.. وما ان همّت بزجرها قاطعتها الأخرى بعجرفة:
- لا اود سماع محاضرتك ولا تأنيبك المُمِّل.. اقسم بالله لا اعرف ما يعجبك به! انظري اليه يبدو كالفطر الأبيض.. ذوقك مقرف يا فتاة.
حاولت رين التحدث مرة اخرى الا ان حياة قاطعتها بسرعة رادفة:
- لا يجدي حتى المقارنة بينه وبين آسر.. آسر شاب طويل، وسيم، انيق، مثقف، ورجل بكل معنى الكلمة.. بينما هذا استغفر الله العظيم.. يا ربي سامحني.. قزم امام آسر الجذاب.. لا يساوي ظفرًا واحدًا من آسر الذي يعشقك.. ولله الفتيات غبيات لا يحببن من يحبهن.. بل يحببن من يتعب قلبهن.. غبيات فعلا!
- يبدو ان انتِ الواقعة في حب آسر.. خذيه يا حبيبتي.. انا لا احبه.. وايضا لا افهم ما الذي لا يعجبك بأحمد!! احمد شاب محترم، ذكي، واع، ووسيم...
لم تستطع حياة ان تردع ضحكتها من الإنبثاق فدمدمت بسرعة:
- حبة الخوخ هذا وسيم! ارجوكِ رين.. انتِ تخرجين اسوء ما بي.. انا لا اكره الشاب ولكنني احاول ان افتح لك عيناكِ.. الشاب هذا ليس جميل ولا انيق ولا محترم ايضا.. انتِ مُراهِقة فقط.. والأدهى من ذلك كله هو غير معجب بك.. لا مجال لتضعيه بجانب آسر بأي شيء.. انا لا اقصد الدفاع عن آسر ولكنني اقول الحقيقة فقط.. يمكن الشيء الوحيد الجيد بأحمد هو ذكائه لا غير.
- لا افهم يا حياة! ما الذي يضايقك بإعجابي بأحمد؟! انا حرة في حياتي.. ربما آسر افضل منه بالكثير من الامور كما تقولين.. ولكن الحب لا يرى.. بل هو اعمى.. انا احبه.. وليس من الضروري ان يكون اجمل رجل في العالم لأحبه.
همست رين بضيق وهي تنهض عن مقعدها لتفعل الأخرى مثلها وتغمغم:
- رين حبيبتي اساسا عائلتك لن تقبل به.. انا اعرف عن احمد ما لا تعرفيه انت.. الشاب ليس جيد كما تعتقدين انتِ.. ارجوك افيقي على نفسك قليلا.. كما تنصحيني انتِ دوما انا سأفعل المثل.
- ان شاء الله.. ها هو زوج عمتي عدن.. لنُسلّم عليه قبل خروجنا من الجامعة.
دمدمت رين وهما تسيران نحوه في ممرات القاعة فأومأت حياة لها واتجهتا نحوه..
- السلام عليكم عمي اوس.
هتفت الفتاتين بإبتسامة ناعمة ليرد عليهما اوس بحب:
- وعليكم السلام يا طالبات العائلة.. هل انتهى دوامكما؟
- اجل.
- اذا انتظرا قليلا.. آسر في طريقه الى هنا.. هو سيوصل كل منكما الى بيتها.. حسنا؟
اردف اوس بجدية لتوافق حياة بسرعة قبل ان تعترض رين:
- حسنا عمي.. نشكرك.. نحن سننتظره على البوابة.
- جيد يا ابنة جواد الشقية.
دمدم اوس بضحك لتقهقها قبل ان تلقيا عليه تحية الوداع..
كانت متأكدة حياة ان حالما تبتعدان ستسمع تأنيب رين الا انها تفاجأت بها تتجه الى حيث واقف المدعو احمد لتزم شفتيها بضيق شديد وتتجه نحوها بسرعة ما ان رأت آسر يسير بهدوء..
"سيجن لو رأها مع غيره، لا شك!"
فكرت بخوف وهي تشتم رين بسرها على تصرفاتها الغبية..
وضعت يدها بين اسنانها بتوتر شديد حالما سمعت صوته ينادي عليها ثم استدارت بإرتباك ودنت منه بإبتسامة مزيفة وغمغمت:
- يا هلا بأبن عمتي الغالي.
قهقه بخفة ودمدم وهو يتأمل ملامح وجهها المرتعبة:
- هلا بك حياة.. اين رين؟
تلعثمت ولم تعرف ما تقوله لتعبس ملامحه بتوجس اثار جزعها على مشاعره اذا عرف وعلى الغبية رين من غضبه اذا اشتعل.. فكرّر بصوت حاد:
- حياة.. انا اسألك اين رين؟!
- في الواقع.. هي واقفة مع زميلنا في الصف لتسأله عن موضوع لم تفهمه.
اجابت بخوف ليكفهر وجهه وتشتعل اوداجه بإستعداد تام على هجومه على من يدنو من اي مما يخصه.. احتدت ملامحه صلابة وشراسة وهو ينظر الى الأمام بثاقبتيه المضطرمة ثم سار كفهد اشوس نحوهما، تتبعه حياة برعب..
كانت تعتذر له عما قالته حياة من وقاحة الا انه لم يصدق ما فعلته ليتدلل عليها بعجرفة احبتها به كفتاة ساذجة.. ولم تشعر الا بمن يمسكها بمرفقها بعنف لتطلق آهة متألمة وتلتفت ليواجهها وجه آسر الغاضب.. ازدردت لعابها بصعوبة وهي ترمق حياة بإستنجاد الا ان لم يكن بوسعها سوى ان تهز كتفيها بقلة حيلة لتغمض رين عيناها خوفا مما سيقوله وسيفعله آسر.. اذا عرف ليث انها واقفة مع شاب غير مُحرّم عليها سيقضي عليها وعليه.. والله وحده يعلم ما سيفعله آسر بها الان..
- من انت؟
تساءل آسر بعصبية، موجها حديثه للشاب الذي يبدو كطفل صغير امامه.. فردّ احمد، متعجبا من الذعر البادي على وجه الفتاتين:
- انا زميل رين في الصف.. والان قُل لي من انت؟
زلف آسر منه بخطوات واثقة متغطرسة ثم وضع رين خلف ظهره وزمجر بصوت حاد:
- اولا يا حبيب ماما وبابا انت، اسمها انسة رين وليس رين لوحدها.. ثانيا يا جميل انا آسر، ابن عمة رين التي ستكون زوجتي.. لي لوحدي ان شاء الله.. فإختصر على نفسك مشاكل لا تقدر على تحملها وانقشع بعيدا عن كل ما يخصني قبل ان ادفنك حيًا.. حسنا يا شبه رجل انت؟!
- احترم نفسك.. انا رجل ولست شبه رجل.
هتف احمد بغضب لتقهقه حياة وتردف:
- ولله لا اعرف من اي بيئة احضروك اهلك.. هيا انصرف قبل ان يريك آسر وجهه الحقيقي وتجبرنا على ان نحضر لك قنينة حليب من خوفك.
لم يقدر آسر على عدم رفع زاوية ثغره بإبتسامة على كلام ابنة خاله التي يعتبرها كأخت وصديقة له ثم سرعان ما زمجر بغضب وهو يجد رين تحاول الكلام:
- قلت لك انصرف.. واذا رأيتك قريب من رين مرة اخرى سأقضي عليك.. افهمت؟ هيا غادر.
-----------------------
يتبع..
ولله مش عارفة كيف اعتذر عالتأخير بس ظروفي جبرتني كتير هالفترة.. ان شاء الله راح التزم بمواعيدي وما اتأخر كمان مرة.. وبتمنى تعذروني..
المهم الفصل الطويل وان شاء الله يعجبكوا..
اراء حول الأحداث؟
- ليث وسيلا
- آسر ورين
- غيث وناي
- حياة..
قراءة ممتعة..
مع حبي:
اسيل الباش
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🌸 هل أعجبتك أحداث القصة؟
💡 لمعرفة تفاصيل هذه الرواية ومتابعة بقية فصولها كاملة وبشكل مسبق وبدون إعلانات:
🔗 تابع القراءة عبر موقعنا الرسمي من هنا: https://kimostories.site/novel/323/وحينما-تغار-الذئاب
نتشرف بوجودكم دائماً في عائلة كيمو ستوريز! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━