اخترت يا رقراقة عذبة بعد شقاء طويل..
ان تكون عيناك هي بيدخ من سلسبيل..
وان تكون شفتيك هي الحصن الحبيب..
اخترت يا حسنائي الفاتنة ان تكوني واقعي البديع..
وان تعزف اوتاري ابجدية اسمك النضير..
وان تتوه حدقتي في سماء كل ما يخصك كالمغيب..
اخترت والباسل الولهان لا يكون الا امين..
جرفني عشقك الى قعر البحار لأغوص
كالبّحار الهيفان متقصيا عن حوريتي كالهائم المسكين..
فلا تعاتبيني على اختياري يا سيدة قلبا لك ذليل..
-----------------
جاهدت بقسوة على التحكم بعبراتها المنكثبة في مقلتي خضرواتيها اللامعة كأشعة شمس على العشب الأخضر..
وتطلعت اليه بجمود موجع ريثما توقف قبالتها بطوله المهيب، مسلطا سبيكتيه الفضية عليها..
تأمل كل انش في وجهها ثم همس بصوت بارد:
- كيف ستعودين؟
- لا يخصك.
اجابت بهدوء لا يتناسب مع الثورة التي يحدثها فؤادها في اوصالها.. لا ترغب في سماعه.. ولا ترغب ان تراه.. في هذه اللحظة خاصة تود ان تنفرد بنفسها وتلقي بجم ثقلها على وسادتها القطنية وسريرها الصغير وتخلي السبيل لعبراتها الموجوعة في الإنهمار بغزارة.. دون ان يصداها كبريائها وكرامتها..
تيقظت الشعلة المتمردة التي تحوم في عقلها، مهيئة لسانها واظافيرها الطويلة على النيل منه كما يجب وهي تراه يدنو منها بحركة سريعة ليبتسم بإستهزاء على اللظى التي تُرجمه حدقتيها الملتهبة ثم هتف بنبرة باردة:
- على رسلك سيلا.. لن اضربك مثلا!
- الم تفعل؟
تمتمت بإستنكار ليتشدق هاتفا:
- لا اذكر انني ضربتك.
ثم اضاف بجدية:
- اذ كنتِ تتكلمين بالنسبة لزفاف غيث حيث شددت لك شعرك.. فإنت تستحقين اكثر من ذلك.. وصدقيني هذا لم يكن عنف ولا عقاب بل.. بل مجرد شيء بسيط حينما اقرر تعنيف شخصا ما.
- صحيح، لأنك متوحش.. بربري.. وعنيف لأقصى حد.. والدليل هو ما فعلته بالشاب المسكين.
زمجرت بغضب ليضحك دون مرح ويغمغم مقتريا منها اكثر الى ان بات لا يفصل بينهما سوى انشات معدودة.. ولكن الذي اثار استغرابه هو ثباتها.. لم تتحرك خطوة واحدة.. بل بقيت واقفة بشموخ، رافعة رأسها بتحدي سافر:
- يليق بك ان تكوني امرأة الليث.. تعجبينني حينما تكونين متمردة، قادرة على الدفاع عن نفسك.. ولكن لست انا من تتعامل معه انثى بهذه المعاملة.. وبالتأكيد ليس زوجته!
- انا لست زوجتك.. ولا اتشرف ان اكون زوجتك.. انت انسان معقد.. وبالتأكيد لن اقدر على العيش معك.
هدرت بعصبية، غير مدركة بخطورة كلماتها التي بثقتها في وجهه دون تفكير.. لا بد من انها بالغت.. ولكنه يبالغ اكثر.. من يعتقد نفسه؟ لن تسمح له بالتحكم بها ولا بالتقليل من شأنها مرة اخرى.. كيف يعاملها ستعامله.. وعلى هذا المبدأ ستسير..
ولكن.. كل قوتها اضمحلت حالما قبض على ذراعها بعنف شديد، دافعا اياها على سيارته التي ورائها والتي اوقفها بموقف السيارات الخاص بالشركة، هامسا بصوت غاضب:
- لقد تجاوزتِ حدودك سيلا.. لم اعد قادر على الهدوء.. احترمي نفسك وتكلمي معي بأسلوب مهذب.
- لا اريد.
غمغمت بشجاعة مزيفة وهي تتأمل حنكه المشدود واسنانه التي تصطك ببعضها دلالة على غضبه العارم.. وحدقتيه الرمادية التي تشع لجيج سخطه على اقوالها وتصرفاتها.. من اين اتت لها هذا الشجاعة والقوة لتقف في وجهه؟! من اين وهي التي لم تقدر على قول "لا" طوال سنوات عمرها الحادي والعشرين؟! اين كانت تخفي هذه الشجاعة وحتى لو كانت مزيفة؟ هي تتغير.. تتغير كثيرا.. ولكن الذي يثير خوفها هو الى اي مدى سيوصلها هذا التغيير.. لا تعرف اذ قوتها الان تنفعها ام لا.. لا تعرف شيئا سوى انها قلقة من مستقبلها وايامها القادمة التي تواري لها الكثير من العجائب..
ترجرج جسدها بفزع حالما ضربت قبضته الصلدة على سقف السيارة السوداء وصاح بصوت جهوري:
- غادري قبل ان اؤذيك.. غادري.
لا تدري كيف طاوعتها قدميها الواهية على الركض لتهرب من الذئب الذي يلهث انفاسه استعدادا للهجوم على فريسته.. لا تدري كيف تمكنت من الفرار من بين براثنه الضارسة التي قد تقضي عليها.. ولا تدري كيف تمكنت من ايقاق سيارة الأجرة لتقلها الى منزلها ويبدأ عذابها الاخر من ابن عمها التي لا تتحمل رؤيته.. يا الله كم هم عدد البشر التي ستهرب منهم لتحمي نفسها من بين يديهم المتوحشة؟ يا الله لما حياتها تسير على هذا النمط الذي تكره؟ لما طفولتها مؤلمة؟ ولما شبابها مفجع؟
لم تحس الا بدموعها تتصبب بحرارة على وجنتيها وتجهش ببكاء عنيف على ما تؤول اليه حالها.. لم تبالي بنظرات السائق الذي يطالعها بريبة وشفقة عبر مرآة سيارته الأمامية حينما تعالت شهقاتها التي مزقت روحها..
لن تقدر على العودة الى منزلها وهي بهذه الحالة التي يُرثى لها.. لن تقدر على مواجهة اي احد..
فهمست بصوت مرتجف لسائق سيارة الاجرة الذي يرمقها بنظراته المتعجبة والمتسائلة بين دقيقة واخرى عبر زجاج المرآة:
- لو سمحت خذني الى المقهى الذي بجانب الطريق السريع.
- كما تودين.. ولكن هل انتِ بخير يا ابنتي؟
غمغم السائق الذي يبدو في اواخر عقده الخامس لتهز برأسها، هاتفة بإبتسامة موجوعة:
- انا بخير عمي.. اشكرك.
وبعد ان اوصلها الى حيث ارادت اعطته أجره بأنامل مرتعشة ليهتف بحنو قبل ان يأخذ المال منها:
- هل انتِ بحاجة الى مساعدة؟ اخبريني فقد اقدر على مساعدتك.
- لا ولله.. جزاك الله خيرا.
دمدمت بصدق ليهز كتفيه بقلة حيلة ويردف:
- سأعطيكِ رقمي في حال احتجتِ لشيءٍ.. وان شاء الله لن أُقصّر معك.. فأنت بعمر ابنتي ادامها الله.
ثم ناولها بطاقة حمراء اللون مسجل عليها اسمه ورقم هاتفه من داخل سيارته لتغمغم بإمتنان:
- اشكرك للغاية عمي.. فليديمك الرب.
ابتسم لها الرجل الكبير ثم غادر ليتركها تتأمل اثره بإبتسامة شجية..
وهناك حيث تركت خلفها ثورا هائجا صعد ليث الى شركته بخطوات حانقة غاضبة.. وما ان ولج الى الطابق الموجود به مكتبه طالعته انظار الموظفين بخوف من سمته التي توحي بالشر..
اختفى خلف باب مكتبه مفكرا كيف يتعامل معها؟ ولأول مرة يجد صعوبة في التعامل مع شيء ما.. لا يدري ما يفعل.. هل يجبرها على الزواج منه لتكون له لوحده؟ لتكون ملكه وحلاله.. ام يغوص في بحر اسرارها وماضيها ليجذبها اليه بحب وتفهم؟
لا يعرف.. سيلا عقدة متشابكة ببعضها بخيوط تحتاج الى ماهرٍ لفك هذه الخيوط ويحللها..
زفر انفاسه الحارة بضيق شديد ثم جثم على مقعده الأسود المخملي واداره ليطالع السماء الزرقاء الصافية من النافذة الزجاجية..
اهلكته بتصرفاتها.. هو متأكد من اعجابها به.. بأذنيه الإثنتين سمعها تقول انها معجبة به لزميلتها في العمل.. واليوم اعترفت له بطريقة غير مباشرة.. ولكن ما الذي يمنعها من قبول الزواج به؟ ما الذي يقف عائقا بوجهه؟
يكاد يجن من كثر التفكير..
حرك يده على رقبته كعادته عندما يوغل عقله في دوامة تفكير عميق وهو يحاول فهم كلامها.. يحاول ان يعرف ما الذي فعله لها ابن عمها.. يحاول فهم كلماتها الموجوعة وكرهها لإبن عمها الذي استنبطه في نظراتها وافعالها..
"هل يضربها ذاك الحقير؟ يتجرأ ان يمد يده عليها؟ ان يلمسها؟"
فكر بإنفعال غاضب.. من هو ليمسها ولو بنطفة؟ عليه ان يخرجها من عصمته سريعا والا سيفقد عقله وهو يتخيلها تنام في منزل به رجل غير محرم عليها..
الأفكار والتخيلات تتنازع وتتنافر في رأسه مسببة لها صداع لا يطاق.. آه ما تفعله به تلك الحسناء.. تتغلغل الى اعماقه وتُحرّك به الكثير من المشاعر والأحاسيس.. تلعب على اوتار روتينه.. وهو الأحمق الذي اعتقد انه لن يجرب هذه المشاعر ذات يوم ليصبح يلاحق اثر فتاة يريدها لو كلّفه ذلك حياته.. والذي يفاجئه اكثر ان سيلا ليست الفتاة التي تمناها طوال عمره..
صدقا لا يدري كيف تقبلت عقليته الشرقية المتعصبة الوقوع في حب فتاة مثل سيلا! هي ليست كرين التي لا زالت تعاني من تعصب فكره.. ليست كرين متحجبة، لا تختلط بالرجال الا نادرا.. ليست كرين التي اوغل بها الطابع الديني اضافة الى تعقده المجنون..
ابتسم بإستهزاء وهو يتوعد لها بأنه سيغيرها لتتماشى مع تفكيره.. شاءت ام ابت ستتغير..
امسك بهاتفه ليتصل بإبن عمها الذي لا يدري بين ايدي من وقع.. وما ان اتاه صوته الذي كرهه هتف بصوت جامد خال من المشاعر:
- انتظرك في شركتي.. لا تتأخر.
************
لم تصدق مقلتيها الخائفة انسحابه بهذه السرعة.. شكرت ربها عدة مرات على تحكم آسر بأعصابه والا كانت سُتثار الفضائح ولن تسلم من لسان والدها واخوتها ولا حتى من اعمامها.. والان بالتأكيد دور آسر بفرض عقابه عليها وتحمل جنون غيرته ورفضها له ووقفتها مع رجل لا يُحل لها الايقاف معه..
ازدردت ريقها بصعوبة وهي تبصر بتقيسمات وجهه الغاضبة..
وفور ما استدار ليطالعها بحدقتيه الثاقبتين اشاحت بصرها ونظرت الى حياة التي تبتسم بإستهتار وهي ترمق اثر احمد بغيظ شديد..
ولم تحس الا بصوته الرجولي الذي له ترنيمة خاصة منذ الصغر يهدر بعصبية:
- لماذا كنتِ واقفة معه رين؟
- اخبرتك آسر.. كانت تسأله عن موضوع لم تفهمه.
تدخلت حياة، محاولة انقاذ رين من فعلتها الشائنة بحق نفسها وبحق آسر الذي يعشقها.. الا انها تدرك جيدا ان آسر لن يمرر فعلتها مرّ الكرام وهو الذي يُغصب نفسه على الصبر بأنه ترأف بعشقه بها ذات يوم.. ولكن رين بكل غبائها أعجبت بشخص غيره لا يساوي آسر ولو بشيء ضئيل.. يا الله كم تعزه وتود ان يكونا هو ورين لبعضهما..
اثار استغرابها صمته وعدم رده على جوابها لتتأمل النظر به وتجده يحدق برين بنظرات مبهمة اثارت توجسها وقلقها..
واخيرا هتف بصوت بارد:
- هيا لأقل كل واحدة منكما الى منزلها.
انصاعتا له الفتاتان خشية من هدوءه الذي تعرفه جيدا رين.. هي متأكدة ان وجود حياة وحدها هو ما اردعه من صب جمّ غضبه عليه.. ودون ارادة منها عادت بها الذكرى الى ايام طفولتها، حيث كان الجميع يعلم بحبه لها.. حيث رفضته مرارا وتكرارا..
تذكُر حينما كانوا يجتمعون في بيت جدها المرحوم ايمن..
ابتسمت بخفوت وهي تتذكر اللعبة التي كانت تلعبها مع اولاد عمها وعمتها وبنات خالها جود.. لعبة الالوان.. حيث يتقسمون الى مجموعات.. وكل اثنين معا يشكلان فريق ضد البقية.. كم كان آسر يكره كونها دوما تفضل ان تكون مع غيث وكم كان شقيقها الأخر يكره كون ناي مع آسر.. فقط بسببها كان يُجبر غيث على البقاء بجانبها حتى لا يقوم آسر بضمها اليه عنوةً..
آه كم تشعر بالحنين الى ايام الطفولة وخاصة الى شقيقها الغالي غيث المسافر..
انتبتها رغبة عارمة للتحدث مع سندها وحاميها بكل شيء.. ففتحت حقيبتها التي وضعتها في حضنها حالما صعدت هي وحياة الى سيارته لتخرج هاتفها وتراسل ماستها الثمينة في الدنيا..
"غيث يا ماستي الثمينة.. اشتقت لك"
ارسلتها له والإبتسامة الحانية ترتسم على ثغرها لتُربي من جمال وجهها وبراءته.. ارسلتها له وهي تدري ان الوقت ليس مناسبا والمصائب ستحلُّ على رأسها وسترحب بها بكل شوق.. فإذ لم يكن من ليث بالتأكيد من آسر المُتجهم..
وبينما هي تائهة في افكارها احست فجأة بالسيارة تتوقف لتتطلع حولها بفضول عبر زجاج السيارة الخلفي لتدرك انه اوصل حياة اولا..
ارهبتها فكرة بقائها معه لوحده الا انها على يقين انه لن يقدر على أذيتها وهو يحبها كل هذا الحب.. وخاصة انها تعرف انه لن يتجرأ على تجاوز حدوده معها وهو يكن كل مشاعر الإحترام لوالدها..
- انهضي واجلسي بجانبه بما انني نزلت.
همست لها حياة بصوت منخفض بعد ان فتحت باب السيارة الخلفي وتناولت حقيبتها لترد عليها رين برفض:
- لا اريد.
- لا تستفزيه يا غبية بعد فعلتك السوداء.
اردفت حياة بغيظ شديد لتغمغم لين بحقد:
- تكلمي عن نفسك.. ام تحبين ان اذكرك ماذا فعلتِ بزفاف غيث؟
- الحق علي انني اساعدك.. اتمنى بفارغ الصبر ان اسمع صراخه عليك في هذه اللحظة.. فعلا مستفزة.
تمتمت حياة وهي ترمق رين بنظراتها الحانقة قبل ان تغلق الباب ورائها وتلقي السلام على آسر..
ارتبكت رين ريثما التفت اليها، هاتفا بصرامة:
- انهضي واجلسي بجانبي.. لدي كلاما اتحدث معك.
- لا اريد.. اعدني الى منزلي او اتصل بليث ليأتي ويأخذني.
غمغمت بعناد ليكرر بعصبية:
- رين انهضي حالا والا اقسم بربي ان اخرج من السيارة واحملك وأجلسك بجواري.
- افعلها وسأنادي على خالتي ريما.. ومن الممكن ان يكون عمي جواد هنا ايضا فبالتأكيد سيتولى امرك بنفسه.
اجابت بلا مبالاة ليبتسم بغل ويهتف بوعيد:
- لا يوجد مشكلة حبيبتي.. لا يوجد مشكلة.
- هيا اقلني الى منزلي او انزلني هنا فكما تعرف هذا قصر جد والدي ومُرّحب بي في اي وقت.
قالت لتستفزه الا انه ضحك بصوت عال، وهو يحرّك مقود السيارة لينطلق بعضها بأقصى سرعة عقابا لها.. الحمقاء الا تدري انه يحب كل ما تفعله؟ سواءا كان رفضها له او عنادها او وقاحتها معه هو خاصةً.. يعشقها بكل حالاتها.. سيعاقبها بطريقته وسيعرف لما وقفت مع ذاك الأبله وحالا ايضا..
زاد من سرعته ليصل بسرعة الى الشارع الرئيسي.. وما ان وصل عكف السيارة على جانب الرصيف وخرج من السيارة ليفتح باب مقعدها تحت انظارها المذهولة ويسحب يدها بعنف، مزمجرا بغضب:
- تهديداتك الفارغة هنا لا تنفع.. والان تفضلي وافعلي ما طلبته منك.
- لا اريد.. الا تفهم؟ وابتعد عني لو سمحت والا سأخبر ابي وليث وهما سيتصرفان معك.
صاحت بعصبية وهي تحاول فك أسر يدها من بين قبضته الا انه ضغط عليها بقسوة أشد وزأر بهيجان، غير قادرا على ايجاد سبب لعدم تقبلها له:
- اخبريهما.. ولله لا يهمني احد.. انت مجنونة رين.. لا افهمك! ما الذي تكرهينه بي لهذه الدرجة؟ مئات الفتيات ينتظرن نظرة واحدة مني وانتِ بكل وقاحة ترفضيني.
- ما دخل رفضي لك الان بموضوع انني لا اود الجلوس بجانبك؟! يا رجل افهم انا لا اطيقك.. لا احبك.. ولكن هذا لا يعني انني اكرهك.. رجاءا يا آسر ابتعد عني ولا تتدخل بي.
بثقت ثورتها كلها في وجهه لتهوج الدماء في عروقه ويفتح الباب الأمامي، دافعا اياها الى داخل السيارة بهمجية رجل موجوع مكبوت ثم اولج رأسه قليلا، واضعا ذراعه اليمنى على سطح السيارة.. وهمس بنبرة بدت لها كالشياطين:
- صبري نفذ منك.. لم اعد اقدر.. سأُغير كل معاملتي لك بدءًا من اليوم.. وسأريكِ وجهي الاخر يا رين.
ثم اضاف بسخرية:
- وهذا الذي تهدديني به وبوالدك لنرى رأيه حينما يعرف مع من كانت اخته المصون واقفة.. يا ترى كيف سيكون تصرف الليث؟
تقهقرت على مقعدها بخوف وجزع من تهديده.. الحقير عرف كيف يعبث في خفقات فؤادها المذعورة من تهديده ومن قربه.. عرف كيف ينتقم منها.. يا الله الم يجد غير هذا الشيء ليستغلها ويستفزها به.. تدرك انها تبالغ معه.. وانه تحمل عجرفتها معه وقتا طويلا.. ولكن لما لا يفهم انها لا تريده؟؟
لو عرف ليث سيقلب لها يومها رأسا على عقب.. وغيث ليس موجود ليحميها من بطش عقليته المتعصبة التي تعاني منها..
احست بحلقها يجف.. اوتارها الصوتية تيسبت من خوفها..
واخيرا جاهدت على ان تهتف بثبات، نائية ارتباكها ومُرسخة مقلتيها العسلية في حدقتيه السوداء القاتمة:
- لن تفعل يا آسر.. وانا لم اخطأ.. كل الذي قمت به انني سألته عن شيء لم افهمه.
ابتسم بإستهزاء ثم ابتعد ليستدير ويعود الى مقعده مغمغما:
- هل اخبرك احدا ما انني مغفل او شيء من هذا القبيل؟ رين افيقي قليلا على نفسك.. انا آسر.. اخبريني الان لما كنتِ واقفة معه وسأفكر اذا اتراجع عن اخبار ليث ووالدك ام لا.
- وما الذي ستستفيده يا سيد "انا آسر"؟
تشدقت بسخرية وهي تتطلع الى الطريق الذي امامها بينما هو يقود بهدوء تام وببرودة اعصاب استفزتها..
سمعت ضحكته التي تخفي في طياتها الكثير تجلجل لتتسلل الى اعماق اذنيها وتجذبهما الى الاصغاء بسكون الى ترنيمة صوته العذب وكأنها تستمع الى معزوفة هادئة ناعمة..
في الواقع اكثر ما يعجبها به هو صوته.. ولكن تبخر كل تفكيرها الغير منطقي في هذه اللحظة وهي تسمعه يهتف بخشونة متوحشة:
- قسما بالله يا رين اذ لم تردي على سؤالي كما يجب وتحسني اسلوبك الساخر معي انا فقط سأعاملك اسوأ معاملة وسأجعلك ترحبين في المشاكل التي سأحدثها في كل مكان.. ولك حرية الاختيار يا ابنة خالي.
تأففت بضجر يواري خوفها من كلامه قبل ان تقصّ عليه لما وقفت مع احمد بالحرف الواحد حتى لا تقوم المجنونة حياة بإخباره وينفذ تهديده..
وسرعان ما الجمتها ردة فعله بصدمة جسيمة وهي تراه يضحك من قلب..
"ما به هذا المجنون يضحك الان؟!"
فكرت بغيظ شديد قبل ان تهتف بحدة:
- هل استطيع ان اعرف ما الذي يضحكك سيد آسر؟ اظن انني لم القي نكتة عليك.
- اقسم بالله ان حياة عبارة عن مئة رجل.. حاولي ان تكوني مثلها.. آه كم اعزها هذه الفتاة.
غمغم ضاحكا لتهز رأسها بحنق وتدمدم:
- ولله لم اعد افهمك.. توقعتك تثور لا ان تضحك هكذا!
- من قال لك انني لست غاضبا من تصرفك معه.. ولكن اشكري حياة فلولا جواباتها الجامدة ما كان موقفي سيكون هكذا بكل تأكيد.
اجاب بهدوء قبل ان يستأنف بنبرة صارمة مهددة:
- وسأعذر لك اعتذارك منه.. وسأعتبرك تصرفتِ بنية حسنة بسبب افعال الغالية حياة.. واذا يا رين رأيتك مرة اخرى واقفة مع اي ذكر قسما بالله لن ارحمه ولن ارحمك انت ايضا.. وفهمك يكفي.
*************
ولج الى منزله مرهقا من كل ما يقاسيه مع معذبة قلبه.. مرهقا مما فعله اليوم بالجميع، سواء بتلك المليحة الفاتنة او بإبن عمها او بموظفين الشركة.. مرهقا من كل شيء..
سمع اصواتا قادمة من الصالة فسار تجاهها ليلقي بكل ثقله بأحضان اكثر انسانة في الوجود تفهمه.. بأحضان احن انسانة عرفتها عيناه.. بأحضان زهرته التي تصغي الى همومه وتربت على كتفه لتسنده.. بأحضان والدته التي يعشقها..
- السلام عليكم.
القى تحية السلام وهو يتوجه الى والدته مقبلا يدها ووجنتها لتبتسم له بحب وتهمس:
- وعليكم السلام يا روح امك.
ابتسم لها قبل ان يقبل يد والده المغتاظ من فعلته ويد جدته الضاحكة على غيرة ابنها من حفيدها.. ثم رمى نفسه بإحضان والدته مغمغما:
- اشتقت لحضنك زهرتي.
- يا حبيب امك انت.
همست لين وهي توغل اناملها بين طيات شعره الأسود قبل ان تسمع ريس يهتف بتحذير:
- دعي ابنك يقوم من مكاني قبل ان اكسر له ظهره.. ولله انا المتعب وليس هو.. قال زهرتي وحبيب امك!
كتمت لين ضحكتها على غيرة زوجها من بكرها ثم دمدمت بوقار:
- ريس حبيبي دعه قليلا.. الا تراه كيف يبدو متعبا؟
- لين لا تستفزيني ودعيه ينهض حالا.
غمغم بضيق شديد قبل ان يسمع رد ليث عليه:
- والحل مع غيرتك يا ابو ليث؟ دعنا ننال قليلا مما تناله انت.. لا تكن انانيا لهذه الدرجة.
ولم يحس بعدها الا بجسده يرتطم بالأرض بقوة.. ووالده يتمدد مكانه تحت انظار ترنيم ورين الضاحكتان.. فتمتم بسخط:
- لو انه ليس ابي.
- سمعتك يا ولد.. ولا اريد ان ارى وجهك قريبا بعد الان من امك.. يكفي انك مُدللها.. لم اعد اطيقك بسبب تصرفاتك.
هتف ريس بضيق وهو يضع يد لين على شعره لتلعب به فضحكت بحب واردفت:
- اعشقه هذا الذي يغار من ابنه.
- تعرفين انني اغار عليك من كل شيء لذا انا اقول لنصعد الى غرفتنا حتى ابعد عنك ابنك الذي لا اطيقه.
همس وهو يقبل يدها لترد بخجل:
- ريس حبيبي عيب.. وهيا اسبقني انت.
- لن اخطو خطوة واحدة دونك.. واساسا من قال لك انني اعرف ما هو العيب حينما يتعلق الأمر بك؟
- استغفر الله العظيم.. ابي اود ان اتحدث مع امي فلو سمحت لا تتصرف كالمراهقين.
دمدم ليث بنفاذ صبر لتردف رين بملل:
- لا تتعب نفسك عزيزي ليث فلن يقبل وامي العاشقة الصغيرة لن تترك والدي من اجلك.. اليس كذلك ريوس؟
- طبعا صغيرتي الجميلة.
اجاب ريس مبتسما قبل ان يعتدل في جلسته ويمسك يد زوجته لينهض بها الى غرفتهما.. وما ان اختفيا تشدق ليث متمتما:
- لا اعرف كيف تطيقه امي! سأصعد الى غرفتي انا.. سلام.
تنفست رين الصعداء بعد ان صعد ليث، خشية ان يكون آسر اخبره عما حدث اليوم.. الا ان سرعان ما كاد قلبها يوثب من مكانه وهي تراه يعاود ادراجه متسائلا:
- صحيح نسيت ان اسألك.. لما لم تعودي انت وحياة مع السائق اليوم؟
تطلعت اليه بتوتر، مخافة من غضبه ثم همست بتلعثم:
- في الواقع عندما خرجنا من المحاضرة رأينا عمي اوس وسلمنا عليه.. وحينما كدنا ان نعود قال لنا بأن ننتظر آسر ليقلنا الى منازلنا وحياة لم تعطيني الفرصة للرفض واضطررت ان اعود معه.
- كنتِ معه لوحدك؟ هل جننتِ؟
هدر ليث بعصبية وهو يقترب من اخته لترد بإرتباك:
- ولله اردت ان ارفض.. وايضا لم اكن معه لوحدي.. فقد كانت معنا حياة.
- الرجل يريدك ويحبك وكل الدنيا تعرف.. والان انتِ تقولين انك عدتِ معه!! ماذا افعل بك يا غبية؟
زمجر ليث بحدة وهو يقبض على ذراعي اخته بعنف لتتدخل ترنيم بسرعة، محاولة ان تفك رين من بين ضراوة عصبيته:
- ليث اتركها.. اختك لم تخطأ.. ولا تنسى ان آسر ابن عمتك.. ستتشاجر مع والدك الان اذا رأك تمسك اختك هكذا.
- جدتي ارجوك دعيني قليلا.
هتف بغضب لتردف رين بخوف منه:
- اقسم بالله انني لم اود ان اركب معه.. ولله لن اكررها.. اعتذر لك ورجاءا ليث ابي سيغضب مني وانا ليس لي اي ذنب.
حرر ذراعيها من بين قبضتيه القاسية بعنف قبل ان يغمغم بتهديد:
- اياكِ وان تعودي مع احد غير السائق بعد الان.. او اخبرك.. لا لا.. منذ الان انا سأتي لأخذك من الجامعة هذه.. وهذا آسر حسابي معه كبيرا.
وقبل ان يسمع اي كلمة منها او من جدته انسحب من امامهما، زافرا انفاسه المضطرمة..
دلف الى غرفته وجلس على السرير واحداث هذا اليوم المتعبة ابية ان تفارق عقله وتسرح له فكره المنصوب حولها.. ابتسم بتهكم وهو يتذكر جبن اياد وذعره منه..
لا يدري لما يحس بالفخر حينما يثير الرعب في نفوس الذي امامه.. يحب ان يكون المسيطر.. مهووس بتحكمه بما حوله..
آه كم يشعر بالشوق لها.. لا يعلم لما تعذبه بنأيها عنه لهذه الدرجة.. لو توافق على الزواج منه فقط سيغير لها كل حياتها.. ولكن سيلا عجيبة.. ليست سهلة كما اعتقد.. عنيدة وصعبة المراس مثله تماما..
"ما الذي تفعله الان؟"
فكر بفضول وهو يمدد جسده الضخم على السرير الرهيف.. بالتأكيد لن يتجرأ ابن عمها على يضربها مرة اخرى بعد ان هدده بقتله وبعد ان ضربه قليلا ليبجس لو قدرا صغيرا مما يطوف في داخله..
تلك الحسناء لن تكون الا له.. مهما قاومت وحاربت مصيرها له.. لوحده..
************
تتهدج الأيام وراء بعضها.. تسير ببطئ مملق، حاملة برفقتها مصاعب اكبر وخفايا اعظم.. تتسلل اشعة الشمس الذهبية عبر ضواحي الأحياء الهادئة معلنة عن بداية يوم جديد..
اليوم هو عودة شقيقتها وابن خالها من اليابان.. تكثف شعورها بالحنين تجاههما.. على الرغم من عدم صلة تقاربها الوثيق بينها وبين اختها الكبرى الا انها تستفقد وجودها.. تستفقد غيرتها منها ومن المشاكل التي تفعلها كلما ترى والدتها تدللها..
تحب ان تكون هي المدللة.. مدللة والديها وشقيقها آسر..
توقفت حور قبالة باب ردهة اخيها قبل ان تدق الباب بهدوء وتسمع صوته الرجولي يسوغ لها بالولوج..
تهدلت بمشيتها كغجرية من عصور الوسطى وهي تخطو خطواتها المغنجة ثم طرحت بجسدها الصغير على فراش آسر الوثير الممزوج بين اللونين البني الغامق والبيج الفاتح وهمست بنعومة وهي تطوق خصره بيدها الناعمة:
- آسر حبيبي.. اليوم ناي ستعود من السفر.
استدار بجسده الضخم ليواجه وجهها الطفولي ثم قرص وجنتها دائمة الحمرة لتطلق آه حانقة فأردف مبتسما:
- والمطلوب يا شقية؟
- اود ان ازورهما.. فأنا اشتقت لناي.
تمتمت بحنق ليغمغم رافعا حاجبه الغليظ:
- اكاد اصدق.. اقطع يدي اذا لم تكوني مشتاقة لمشاكلك معها.
اعتدلت بجلستها دافعة جسده بعنف ليضحك عاليا على حنقها منه ومن عدم اهتزاز جسده.. ثم هتفت بحنق:
- انا اشعر بالملل.. وانت بالكاد تتفرغ لي.
- اذا لماذا لا تدرسين؟ فأنا بالكاد اراكِ ممسكة بكتاب.
غمغم بجدية لتزم شفتيها الصغيرتين بسخط وتردف:
- انا لا اطيق الدراسة.. وانت تعرف ذلك.. ولله لولا تهديد امي وابي بأخذ هاتفي وحاسوبي مني لما درست بتاتا.
- حور.. انا جدي الان في كلامي.. ودلالي لك لا يعني ان ارضى بإستهتارك في دراستك.. اذا هذه المرة لم تكن شهادتك كما اود انا بنفسي سأحرمك من كل ما تحبينه.. وسأغير معاملتي معك.. كل الذي تبّقى لك عامين على انتهاءك من المدرسة.. فتحمليهما وثابري للنجاح وبعدها ربك كريم.
هتف بتهديد لتزفر بضيق شديد قبل ان تقبله على وجنته الخشنة وتهمس بحب:
- حسنا كما تود.. فقط لأجلك.. ولكن لا تحزن انت بالذات مني.
- ان شاء الله.. والان دعيني انهض لأستحم وانزل افطر ثم اذهب الى عملي.
ابتسمت وهي توثب عن سريره ثم غمغمت بدلع:
- من عيون حور يا قلبها انت.. لكن آسر في الليل سنزور غيث وناي.. لذا لا تتأخر.
- حاضر يا ماكرة انتِ.
رد عليها مقهقها لتخرج له لسانها وتبجس من غرفته وتنزل الى والدتها حتى تتدلل عليها.. وما ان رأتها تضع الصحون الممتلئة بالجبن والبيض المقلي على طاولة الإفطار صاحت بشقاوة:
- عدون.. دقيقة وسأساعدك.
انتفضت عدن من مكانها شاهقة بإجفال قبل ان تزجرها بعنف:
- اهدأي يا بنت.. اشك ان فيكِ شيطان.. لا اعرف لمن انتِ هكذا!
- لك غاليتي.
دمدمت ضاحكة وهي تلقي بجسدها على ظهر والدتها لتقهقه الأخرى بصوت عال وتردف:
- اعرف.. انا واثقة من ذلك.. والان ساعديني واحضري بقية الصحون من المطبخ.
- حاضر يا ام آسر حبيب قلبي.
همست حور وهي تبتعد عن والدتها رافعة يدها لتلقي عليها تحية عسكرية اضحكتها بشدة وجعلتها تغمغم ببسمة دافئة:
- آه ذكرتينني بأختك ناي.. رباه كم اشتقت لها.. اليوم سنزورهما نحن وعائلة خالك ريس.
- هل ستحضر رين؟
تساءلت بضيق لترد عليها عدن بحزم:
- بالتأكيد ستحضر.. غيث اخيها كما ناي اختك.. واياكِ يا حور ان تتواقحي عليها.
- انا لا اطيقها.. اكرهها جدا.. تعتقد نفسها افضل من آسر.. تشكر ربها انه نظر لها.. وهي بكل وقاحة ترفضه عدة مرات.. اقسم بالله يا امي انني اكرهها واتمنى ان يجد آسر فتاة غيرها افضل منها وتحبه من كل قلبها وليس مثل هذه المغرورة.
تمتمت حور بحنق قبل ان تسمع صراخ والدتها الغاضب:
- حور اخر مرة احذرك.. لا تتدخلي فيما لا يعنيكِ.. وكلمة اخرى سأخبر والدك ليتولى امرك.. لم اعد اتحمل وقاحة لسانك هذا وكرهك لأبنة خالك.
- تصرخين علي لأجلها.. مهما فعلتِ سأكرهها يا امي.. وسترين ما الذي سأفعله اليوم ريثما اراها.. انا تصرخين علي بسببها! لو انها امامي لأريتها قدر نفسها جيدا.
صاحت ببكاء وهي تضرب قدميها في الأرض ثم سرعان ما تيبست قدميها الحافية على رخام الأرض البارد وارتعش لبها ذعرا من والدها الذي صاح بغضب وهو يدنو منها، قابضا على ذراعها بعصبية:
- اعتذري من والدتك والا سأصفعك.
- أسفة.
همست بخوف ليتركها اوس بعنف ويزمجر بحدة:
- كلامك هذا اذا سمعته مرة اخرى يا حور سأعاقبك اشد عقاب.. يبدو اننا دللناكِ اكثر مما يجب.. ودعيني اليوم اراكِ تتواقحين على اي احد لأضربك امام الجميع.
ثم صمت قليلا يلتقط هدير انفاسه المنفعل وهتف بصوت عال وهو يحدق بدموعها التي تتصبب على وجنتيها الحمراوتين:
- لا اود ان ارى وجهك الان.. اصعدي الى غرفتك.
ركضت الى غرفتها، مجهشة في البكاء وهي تشتم رين بصوت منخفض.. تفاقم حقدها تجاهها وهي تلقي جم اللوم عليها بسبب غضب والديها منها..
غمغمت عدن بهدوء وهي تتأمل سيماء زوجها الغاضب:
- اوس حبيبي اهدأ.. الان لن تكرر افعالها الشنيعة ولكنك قسوت عليها قليلا.
- لا عدن.. لم اقسو عليها.. تصرفاتها لم تعد تطاق.. وكل ذلك بسبب دلال ابنك لها.. انا بنفسي سأجد لها حل.. لن اسمح لها ان تصبح مثل سيلين.. لو بقيت تصرفاتها هكذا ستواجه مشاكل كثيرة في حياتها كما يحدث الان مع اختي.. وانت تعرفين ذلك جيدا.. لو انني لم ابالغ في تدليلي لسيلين وخاصة بعد وفاة امي رحمها الله لما كانت حياتها الزوجية هكذا مليئة بالمشاكل.
هتف اوس بجدية حادة لتتنهد عدن وتهمس:
- معك حق.. دعك الان واجلس لتأكل حتى تذهب الى الجامعة.
*************
طأطأت سيلا برأسها وهي تدلف الى مكتبها.. لا ترغب برؤية نظرات الموظفين التي تتطلع نحوها بفضول.. ولا ترغب حتى بالحضور الى الشركة ولكنها مجبرة فهي لم تأتي الى عملها منذ تلك الحادثة.. والغريب ان ليث لم يسأل عنها او يكلمها ابدا..
تنهدت بصوت عال وهي تربض على المقعد الذي خلف الطاولة المستطيلة مفكرة به.. ربما بعد ما حدث قرر ان يتقاعس عن طريقها وان يحررها من قيده..
تكره مشاعرها تجاهه ولكنها مشتاقة اليه.. رغم كل قساوته وعنفوانه تشتاق اليه.. فليث هو مغوار يجذبها اليه ليمرغها بعذاب اشد.. عذاب من نوع اخر.. غير الذي عانته سابقا.. ليث كفارس أشوس شجاع يثقف كل ثغرة تعرقل سبيله للوصول الى ما يبغاه.. ومن جنونها تعشق هذه الصفة به..
كانت واثقة ان فور ما يعلم بوصولها الى الشركة سيطلب منها الحضور الى مكتبه ولكنه خذلها واضنى روحها التائهة، الغير قادرة على معرفة ما يجب ان تفعل وما لا تفعل بعدم اهتمامه بحضورها..
هل تخبره؟ ولكن هل سيتقبل ماضيها؟ لا تدري.. مذعورة من الفكرة وحدها.. تشعر بنفسها وسط غابة مُقفرة لا يوجد بها ظل بسيط من النور.. احساس غريب بالوحدة والتيه..
ارتفعت خضراوتيها الواهفة عن اناملها المتشابكة ببعضها ووثقتهما على الملفات العديدة المتراكمة على الطاولة الزجاجية..
همت يديها الإستهال بسحب احد الملفات ولكن الجمها صرير الباب الذي فُتح لتتأمل الجسد الطويل الذي يتوسم التحديق بها دون كلل.. دون حرج.. ودون خجل..
تسابقت قدميه مع تهدج انفاسه العال ثم توقف امام مكتبها هامسا بخشونة زعزعت نياط لبها المغرم:
- اخيرا قررتِ ان تعودي.. بعد اسبوع يا سيلا.
- كنت بأمس حاجتي الى الانفراد والاختلاء بنفسي ليث.
غمغمت ببحة صوتها الناعمة الى تسلب خفقاته التائقة لقربها منه.. فهتف وهو يقعد على احد المقعدين الموضوعين قبالة طاولتها:
- وهل انتِ افضل الان بعد انهيارك كما عرفت؟
- من اخبرك؟
تساءلت مشدوهة ليبتسم ويردف:
- اعرف كل صغيرة فعلتيها هذا الأسبوع.. كل الذي تبقى هو معرفة ماضيكِ الذي يبدو انك خائفة منه.
ثم اضاف متسائلا بجدية:
- ما الذي يمنعك على قبول الزواج بي؟ اخبريني فقد اساعدك.
- يا ليتك تقدر ليث.. انا وانت يستحيل ان نكون لبعضنا.. فرجاءا اطبق على هذا الموضوع بصفحة جديدة نبدأها انا وانت كزملاء عمل لا غير.
غمغمت مخنوقة ومقلتيها المكدومة تحاكي الف حكاية وحكاية ترحة..
تمعّنها محاولا اخماد حبيبات القبس التي تتواثب في اوصاله من رفضها له ثم دمدم بجمود صقر متربص للقبض على طريدته:
- اخبريني.. وكلامك الفارغ هذا لا قيمة له عندي.. لأنني سأبقى الاحقك الى ان احصل عليك واجعلك لي.. حلالي.. وملكي لوحدي.
- سبيلنا معا مسدود.. لا تحاول دون فائدة.
همست بحرقة احجبتها بقسوة ليهتف بهيجان:
- لا شيء مسدود.. وسترين كيف سأنال عليك.
- انا سأخطب رجلا اخرا.
غمغمت عسى ان تثنيه على تماسكه المكين للغاية في الحصول عليها.. ولكنها لم تكن عارفة انها فلقت روحه واسعرت الدماء في عروقه ليهوج كل عرق في مضموره ويزمجر كأسد شرس لا يعرف الرحمة وهو يرمي بكل ما هو موجود على الطاولة بعنف مخيف:
- كرري ما قلتيه.. ولله اقضي عليه واشرب من دمه.
------------------------
يتبع..
الفصل طويل وبمتنى يعجبكوا..
اراء وتوقعات حول الأحداث:
(ليث.. آسر.. سيلا.. رين.. حور....
؟)
واهم اشي رد فعل ليث😂
المهم قراءة ممتعة..
ولوووف يوو سو ماتش😍
مع حبي:
اسيل الباش
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🌸 هل أعجبتك أحداث القصة؟
💡 لمعرفة تفاصيل هذه الرواية ومتابعة بقية فصولها كاملة وبشكل مسبق وبدون إعلانات:
🔗 تابع القراءة عبر موقعنا الرسمي من هنا: https://kimostories.site/novel/323/وحينما-تغار-الذئاب
نتشرف بوجودكم دائماً في عائلة كيمو ستوريز! 🌸
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━