الليلة الأولى التي قضتها مستيقظة بدت بلا معنى فقد غط لياندروس بعد أن استرخى أخيرًا في نوم عميق كطفل بمجرد أن لامست رأسه الوسادة لم تدرك يوراي ذلك إلا في الليلة الثانية

الساعة التاسعة صباحًا في يوم مشمس جلست يوراي تجفف شعرها المبلل بمنشفة على طاولة المطبخ وفتحت حاسوبها المحمول

كان عليها الذهاب إلى عملها الجزئي بعد الظهر لذا خططت لإنهاء واجباتها في الصباح كانت مهمة بحث بسيطة

بينما كانت تبحث بجد عن مصادر خفضت يوراي فجأة شاشة حاسوبها المحمول قليلًا بتعبير ذي مغزى

اتسعت عينا الرجل الأشقر الوسيم الجالس قبالتها وابتسم

"......"

منذ لحظة جلوسها كان على هذه الحال

"هل لديك ما تريد قوله لي؟"

"كنت فقط فضولي لأعرف ماذا تفعلينه"

"واجب أنا أتعلم عن الفن الغربي لا أرسم فعلياً بل أتعلم النظرية فقط"

كانت تدرس حالياً تاريخ فن عصر النهضة التحقت بهذه المادة لضرورة الحصول على الساعات المعتمدة ولكن ما إن بدأت حتى وجدتها شيقة للغاية

"هل تجيد الرسم؟"

"لا تعلمته لأنه يعتبر من آداب النبلاء ولكن مقارنة بزملائي بدا أنني أفتقر للموهبة لذا توقفت مبكراً وأنتِ؟"

"بدلاً من الفن كنت أتلقى دروساً في البيانو لكنني توقفت مر وقت طويل منذ أن تعلمت العزف لدرجة أنني لا أتذكر حتى كيف أعزف"

"وأنا أيضاً لا أتذكر كيف كنت أمسك فرشاة الرسم"

أسند لياندروس ذقنه على يده وابتسم ابتسامة رقيقة

وحتى بعد ذلك ظل جالساً أمامها كالجرو ينتظرها

من حجم العمل بدا أنها لن تنتهي قريبًا... وبينما بدأت نظراته تثقل كاهلها نهضت يوراي وأخذت شيئًا من زاوية الغرفة

"م-ما هذا؟"

"ابقى ساكنًا سأريك - لا سأجعلك تسمع شيئًا مذهلًا"

تسللت أشعة الشمس من النافذة حارة ساطعة وخلف يوراي تراقص غبار أبيض كالريش

وضعت سماعات عازلة للضوضاء على رأس لياندروس

عندما شغلت أغنية لفرقة بريطانية تحبها على هاتفها انتفض لياندروس وانتزع السماعات في دهشة

"م-ما هذا الجهاز؟ الصوت... هـ-هل هذا سحر؟!"

"إنها مجرد آلة تشغل الموسيقى"

"هاه؟"

عقد لياندروس حاجبيه وحدق في شفتي يوراي ابتسمت يوراي برفق وأحاطت يديها بيديه

"عليك أن تخلع هذه هكذا"

أزيلت سماعات الرأس من رأسه

"إنها مجرد آلة تشغل الموسيقى"

انتقلت نظراته التي كانت مثبتة على شفتيها ببطء إلى أعلى حتى التقت عيناه بعينيها

حدق لياندروس بشرود لبرهة ثم أبعد يدها فجأة كما لو وخزته شوكة انحنى إلى الأمام على الطاولة وهمس

"يبدو هذا المكان حقًا كعالم سحري لم أقرأ عنه إلا في الكتب حتى أنني أستطيع رؤية أشياء غريبة مثل... أجنحة"

"أعتقد أن المكان الذي أتيت منه أقرب إلى عالم سحري طريقة كلامك وملابسك عندما رأيتك لأول مرة حقًا..."

تذكرت يوراي تلك اللحظة فهزت رأسها وهي تجلس

عبس لياندروس

"ما المشكلة في طريقة كلامي؟"

"حتى كبار السن لا يتحدثون هكذا هنا وأيضًا كلمة 'نونيم' التي قلتها الليلة الماضية كانت ممم شيئًا آخر هنا"

في اللحظة التي نطقت فيها بكلمة "نونيم" سرى قشعريرة في جسدها

بجدية عندما سمعت تلك الكلمة لأول مرة أمس...

لكن الغريب أنه لم يكن هناك رد

تساءلت يوراي عما حدث فأنزلت شاشة حاسوبها المحمول قليلًا كان لياندروس يطبق شفتيه بإحكام محدقًا في حافة الطاولة

"لا بأس يمكنك مناداتي بما تشاء"

شعرت يوراي ببعض الأسف فأضافت بلطف وهي تكتب على لوحة المفاتيح

بقي لياندروس صامتًا غارقًا في التفكير ثم وهو يخفض رموشه الطويلة تمتم قائلًا

"نونا"

...يا إلهي

شعور لا يمكن وصفه بدقة ولكنه كان واضحًا أنه شديد وحاد تصاعد كالنار في صدرها

غطت يوراي وجهها بكلتا يديها كان رأسها يحترق وأذناها تسخنان بسرعة

آه ما الذي أصابني؟ قبل أن يزداد احمرار وجهها نهضت على عجل

لكن في طريق عودتها بعد فتح النافذة تعثرت بقدم لياندروس

"آه...!"

لحسن الحظ قبل أن يرتطم وجهها بالطاولة أمسكها لياندروس من خصرها أمسكت يوراي رأسه غريزيًا

"هـ-هل أنتِ بخير؟"

لكنها عجزت عن الكلام

"مـ-ما هذا؟"

عقدت يوراي حاجبيها بجدية ومررت أصابعها بين خصلات شعر لياندروس الأشقر

يا إلهي ما أجمل هذا الشعر... خصلاته الشقراء الحريرية تنسدل بانسيابية دون أي تشابك كالحرير

"شعري..."

هذه المرة لمست شعرها

حتى بعد أن غمرته بالعلاجات والزيوت لم يكن بالإمكان تصفيف تجعيداته الشديدة

"...هل هناك شيء على شعري؟"

"سواء كان فيلمًا أو مسلسلًا لا أعرف من أين أتيت لكن هناك شيء واحد مؤكد لا بد أنك كنت البطل بطلًا محبوبًا جدًا لدى المؤلف"

وإلا لما كان شعرك بهذه الروعة

ربتت يوراي برفق على شعره الأشقر الناعم قليلاً قبل أن تبتعد وتتجه في الاتجاه المعاكس

"إلى أين أنتِ ذاهبة فجأة؟"

"لأريك فيلمًا أو شيئًا من هذا القبيل"

شغلت التلفاز وهي تتحدث

"لا أستطيع التركيز مع شاب وسيم مثلك يحدق بي"

شغلت يوراي قناة البث الرقمي وأشارت إليه ليختار شيئًا

لكن لم يسمع سوى صوت الريح العاتية وهي تتسلل بين المباني لم يأتِ رد

التفتت يوراي إلى لياندروس متأخرة

"......"

كانت أذناه ووجهه أحمرين بشدة كما لو كان على وشك الانفجار

***

منذ دخولها الجامعة وبدئها العيش بمفردها لم تتوقف يوراي عن العمل بدوام جزئي

حتى أنها أخذت إجازة لمدة عام من الدراسة فقط لكسب المال كان كل ذلك جهدًا من أجل الاستقلال

عندما انتهت من عملها الجزئي كان الظلام قد خيم على السماء

عندما فتحت الباب الأمامي لف هواء دافئ وجهها

تفاجأت يوراي بهدوء المنزل وسرعان ما لمحت جسدًا ضخمًا على السرير فتنفست الصعداء

وكما توقعت كان لياندروس قد غط في نوم عميق هناك نصف جالس على السرير

تنفسه هادئ ومنتظم أضواء المدينة المتسللة من النافذة المفتوحة قليلاً تسقط برفق على وجهه الذي يشبه لوحة فنية

"......"

جلست يوراي بجانبه بحرص ومررت أطراف أصابعها على رموشه الطويلة وفجأة أمسكت يد حازمة بمعصمها

وبينما كانت يوراي تلهث فتح لياندروس عينيه وأفلت يدها بسرعة

"آسف غفوت وأنا أنتظركِ"

شعرت يوراي بصوته العميق الرنان وكأنه جزء من الظلام

استلقت يوراي بهدوء بجانبه شعرت وكأن جسدها المنهك يذوب كالمثلجات

بقيا صامتين لبرهة كأنهما يراقبان الظلال المتلألئة على السقف كنجوم في سماء الليل

ثم نطق لياندروس أولًا

"هل من سبب لعيشكِ وحيدة هكذا؟ كنت فضوليًا لكنني لم أسأل من قبل خشية أن يكون ذلك وقحًا"

"لماذا؟ هل النساء اللواتي يعشن بمفردهن نادرًا ما يعشن في عالمك؟"

"في المدينة ليس كثيرًا لكن في سن الرابعة والعشرين تكون معظمهن متزوجات ويعشن مع أزواجهن وكثيرات منهن لديهن أطفال"

"كان الوضع كذلك هنا أيضًا منذ حوالي خمسين عامًا "

ضحكت يوراي ضحكة مكتومة ثم عبست فجأة

"لا تقل لي إنك أيضًا...؟"

"أنا... لست كذلك بعد مع أنني كنت مخطوب لكن كان الأمر أشبه بعقد أبرم بعد حساب المصالح العائلية لكنه لم يدم طويلًا وانفصلنا "

"لماذا؟"

"لأنه لم تكن هناك مشاعر عميقة أنا أريد الزواج من شخص أحبه حقًا..."

أدارت يوراي رأسها قليلًا ثم فزعت ونظرت بسرعة إلى السقف كان لياندروس قد استدار ليواجهها

لامست أنفاسه منحنى أذنها

شعرت يوراي فجأة برغبة شديدة في الإمساك بيده فقبضت يديها

"هل... لديكِ شخص تحبينه؟ أو شخص كنتِ تحبينه...؟"

"لا ليس حقًا أعجبت ببعض الفتيان في المدرسة لكنني لست متأكدة إن كان ذلك حبًا بالنظر إلى الماضي ربما كنت أرغب فقط في أن نكون أصدقاء ثم بعد دخولي الجامعة اختفت فكرة المواعدة لم يكن هناك أي شباب مناسبين"

"حقًا؟"

كان صوته وهو يسألها ناعمًا جدًا كأنه همس ملاك

جمعت يوراي شجاعتها وألقت نظرة خاطفة جانبًا

كان لياندروس يبتسم لها ورغم أنها لم تعرف السبب بدا سعيدًا حقًا

"بالعودة إلى السؤال الأصلي السبب في أنني أعيش وحدي هو أولًا أن منزل عائلتي بعيد جدًا عن الجامعة لا أستطيع قضاء ست ساعات يوميًا في التنقل"

"ممرهذا صحيح"

"وأيضًا في عائلتي..."

في تلك اللحظة قاطع رنين هاتفها القوي في جيبها المحادثة

"لحظة من فضلك"

بينما كانت يوراي تنهض تنهد لياندروس تنهيدة خفيفة لسبب ما

"...ما هذا؟"

عبست يوراي وهي تنظر إلى الرقم الغريب على الشاشة رغم أنه لم يكن مسجلًا إلا أنها شعرت أنها تعرف من المتصل

فتحت النافذة بسرعة ونظرت إلى الشارع ثم عندما لمحت أحد المارة ارتجفت

لماذا هو هنا؟

.

.

.

2026/07/04 · 2 مشاهدة · 1207 كلمة
Ruby
نادي الروايات - 2026