ا
في صباح اليوم التالي لاجتماع النبلاء، توجه كروس ورفاقه إلى قصر الملك بيكوري.
كان القصر يقع في أعلى تلة في قلب الشمال، محاطاً بحدائق واسعة وأسوار عالية. حراس مسلحون يقفون عند كل مدخل. النبلاء ساروا بخطى ثقيلة، وجوههم كانت شاحبة، ليس من البرد، بل من الخوف من الملك أكثر من خوفهم من اللصوص.
دخلوا القاعة الكبرى. الجدران كانت مطلية بالذهب، والثريات الكريستالية تتدلى من السقف. في نهاية القاعة، على عرش مرتفع، كان الملك بيكوري جالساً.
كان قصير القامة، بديناً، مع أنف طويل متدلٍ كمنقار الطائر. شاربه كان رفيعاً وواقفاً إلى الأعلى، كأنه يشير إلى السماء. كان يرتدي رداءً أرجوانياً مطرزاً بالذهب، وتاجاً صغيراً على رأسه. عيناه كانتا صغيرتين وحادتين، تتنقلان بين النبلاء كالصقر الذي يراقب فريسته.
"ما الذي تريدون؟" سأل بصوت عالٍ وحاد.
تقدم كروس خطوة إلى الأمام. انحنى قليلاً. كان خائفاً، لكنه حاول ألا يظهر ذلك.
"جلالة الملك، لدينا مشكلة. قوافل الأعشاب التي تنقل من الجنوب إلى الشمال تتعرض للهجوم."
تغير وجه بيكوري. لم يعد سؤالاً. أصبح غضباً.
"ماذا؟!"
"خمس قوافل خلال شهر. أكثر من مئة حارس قتلوا. الأعشاب الثمينة اختفت."
وقف بيكوري من على عرشه. لم يكن طويلاً، لكن غضبه جعله يبدو أكبر.
"الأعشاب هي شريان المملكة! بدونها، لا جزية سماوية. بدونها، لا مكان لنا في حكومة العالم! هل تعلمون ماذا سيحدث إذا توقفت تجارة الأعشاب؟!"
صرخ في وجوههم. النبلاء انحنوا رؤوسهم، لم يجرؤ أحد على النظر إليه.
"أنتم أيها الأغبياء! عجزتم عن حماية بضائعكم؟ هذا هو سبب وجودكم؟"
صمت للحظة. تنفس بعمق.
"سأرسل مئة وخمسين جندياً. سيقومون بدوريات في الطريق بين الشمال والجنوب. سيجدون هؤلاء اللصوص. وسيضعون حداً لهذا."
أشار بيده إلى أحد ضباطه.
"أخرجهم. ابدأ الدوريات اليوم."
خرج النبلاء وهم يرتجفون. كانوا قد حصلوا على ما أرادوا.
---
بعد يوم واحد، وصلت أخبار الدوريات إلى بابلو.
رجاله الذين كانوا يراقبون الطرقات عادوا إلى الكهف بوجوه قلقين.
"جنود. اكثر من مئة وخمسون. يفتشون كل شيء. كل قافلة. كل طريق. لا نستطيع الاقتراب."
قرر بابلو التوقف. لن يخاطر برجاله في مواجهة الجيش مباشرة.
"نتوقف بضعة أيام. ننتظر."
مرت الأيام. ثلاثة. خمسة. أسبوع.
الدوريات لم تتوقف.
بابلو جلس في غرفته في الكهف، يفكر. خطته كانت تعتمد على المفاجأة والسرعة. ضد الحراس العاديين، كان الأمر سهلاً. لكن ضد الجنود المدربين؟ كان الأمر مختلفاً.
لم يكن يريد مواجهة الجيش في معركة الآن.
كان يحتاج إلى طريقة أخرى.
---
في صباح اليوم التالي، ارتدى بابلو ملابس بسيطة. غطى رأسه بغطاء رأس. خرج من الكهف وحده.
ذهب إلى الشمال.
لم يكن يريد سرقة قافلة في الطريق. هذا أصبح مستحيلاً الآن. لكن القوافل كانت تنقل البضاعة إلى مستودعات. المستودعات كانت في الشمال، قريبة من المدينة. وكان يريد القاء نظرة عليها.
توجه إلى المنطقة التجارية حيث توجد مستودعات النبلاء. بدأ يتجول. كان ينظر كأي شاب عادي يتسوق. لكن عينيه كانتا تلتقطان كل شيء.
اتبع قافلة. رأى أين توقفت. رأى الرجال وهم ينقلون الأكياس إلى مستودع كبير.
سجل في ذهنه: مستودع كروس.
في اليوم التالي، اتبع قافلة أخرى. مستودع مختلف.
في اليوم الثالث، آخر.
بدأ يرسم خريطة ذهنية: أين تقع المستودعات. كم عدد الحراس. كم يبعد كل منها عن ثكنات الجيش. كم يبعد عن الطرق الرئيسية.
كان يبحث عن المستودع الأقل حراسة. الأبعد عن الأنظار. الأسهل للاقتحام.
بعد أربعة أيام من التجوال والمراقبة، اتخذ قراره.
---
في كهفه، جمع بابلو ماركو وشيغو. أشعلوا ناراً صغيرة. الظلال كانت ترقص على جدران الكهف.
بدأ بابلو يشرح لهم ما اكتشفه خلال أيام التجوال.
"الطرق أصبحت مراقبة. الدوريات لا تتوقف. الجيش يفتش كل شيء. لكن المستودعات مختلفة. القوافل تنقل البضاعة إلى مستودعات في الشمال، قريبة من المدينة. هناك، الحراسة أقل. والوصول إليها أسهل."
فتح خريطة ذهنية مرسومة على الورق. أشار إلى نقطة.
"قمت بمراقبة خمسة مستودعات مختلفة. بعضها في قلب المدينة، قريب من ثكنات الجيش. بعضها على الأطراف. بعضها محروس بشكل جيد، والبعض الآخر لا."
"وأخيراً، اخترت هذا." أشار إلى نقطة على حافة الخريطة.
"يقع على أطراف المدينة الشمالية. بعيد عن مناطق الجنود. قريب من الغابة. سهل الهروب. عدد الجنود فيه حوالي ثلاثون. ليسوا كثراً، لكنهم جنود مدربون، ليسوا حراساً عاديين."
شيغو حك لحيته. "ثلاثون جندياً في مكان واحد. ليس مستحيلاً، لكنه خطر."
"لهذا سنستخدم الغطاء الطبيعي."
نظر ماركو إلى بابلو. عرف ما يقصده.
"قدرتك؟"
بابلو أومأ.
"سأستخدمها. سأجعل المطر يهطل بغزارة. والرياح تعصف بقوة. على المستودع. وعلى الأزقة المجاورة."
"كم من الوقت يمكنك الاستمرار؟"
"طورت من نفسي. أستطيع الحفاظ على هذا الجو لعدة ساعات."
ماركو وشيغو كانا الرجلين الوحيدين في العائلة الذين يعرفون سر فاكهة بابلو. ماركو عرف منذ البداية. شيغو عرف عندما حاول بابلو قتله في الغابة. كانا يعرفان أن هذه القدرة كانت سلاحاً عظيماً، وكانا يعرفان أيضاً أنه يجب إبقاؤها سراً عن الآخرين.
شيغو سأل: "المطر والرياح سيغطيان صوت الاقتحام؟"
"سيكونان غطاءً مثالياً. لن يسمع الحراس شيئاً. لن يروا شيئاً. سنضرب فجأة."
صمت الثلاثة للحظة.
"سنحتاج إلى كل رجالنا." قال ماركو.
"متى؟"
"غداً. بعد منتصف الليل."
---
في الليلة التالية، كان الجو مختلفاً.
بابلو وقف خارج الكهف. نظر إلى السماء. كانت صافية. لكنه سيجعلها تمطر.
رجاله الأربعون كانوا مستعدين. ماركو وشيغو بجانبه. الرجال خلفهم، بنادقهم مصقولة، سيوفهم حادة.
تحركوا في صمت عبر الغابة. لم يتكلم أحد. فقط أصوات خطواتهم على الأوراق الجافة.
ساروا لمسافة طويلة. الغابة كانت مظلمة، لكنهم عرفوا الطريق.
وبعد منتصف الليل، وصلوا.
وقفوا على بعد مئات الأمتار من المستودع. كان يبدو كصندوق حجري كبير، أبوابه حديدية، ونوافذه صغيرة وعالية.
حوالي ثلاثين جندياً كانوا بداخله. لا يتوقعون شيئاً.
بدأت السماء تتغير.
الغيوم التي كانت خفيفة أصبحت كثيفة. سوداء. ثقيلة.
ثم هطل المطر.
ليس مطراً عادياً. كان غزيراً، عنيفاً.
والرياح. كانت قوية. تعوي بين المباني. ترفع الغبار. تجعل الرؤية شبه مستحيلة.
بابلو وقف تحت المطر. لم يتحرك.
"الآن." قال بصوت منخفض.
تحرك الرجال كالظلال. تسللوا نحو المستودع. المطر كان يخفي أصواتهم. الرياح كانت تخفي أنفاسهم.
اقتربوا. وصلوا إلى الأبواب.
شيغو كان في المقدمة. سيفه كان جاهزاً.
ماركو خلفه. قبضته مشدودة.
وبابلو وراء الجميع. عيناه كانتا ثابتتين.
رفع يده مجدداً. زاد قوة الرياح. زاد شدة المطر.
الآن، لن يسمع أحد شيئاً.
أشار بيده.
الهجوم بدأ.