في الصباح خرج بابلو وتوجه مباشرة نحو الرجل الذي أخبره عن أسعار السفن.
وجده في نفس المكان، جالساً أمام بيته، بعد ان حياه سأله.
"سؤال آخر."
نظر إليه الرجل.
"تكلم."
"السفن التجارية التي تمر من هنا، متى تأتي؟"
فكّر الرجل لحظة.
"مرة في الشهر تقريباً. آخرها مرت منذ عشرين يوماً."
"إذاً القادمة بعد عشرة أيام تقريباً."
"نعم، إن لم تتأخر."
أومأ بابلو وابتعد.
---
عشرة أيام.
مشى ببطء وهو يحسب.
ليس هذه السفينة بالطبع، ستون ألفاً لا تُجمع في عشرة أيام.
لكن يحتاج أن يعرف الإيقاع، سفينة كل شهر تعني ثلاث سفن في ثلاثة أشهر.
ثلاثة أشهر هو الحد الأقصى الذي يستطيع تحمله.
بعدها إعدام روجر سيقع، وعصر القراصنة سيبدأ، والبحار ستصبح أكثر خطورة على شخص مثله يسافر وحيداً بلا حماية.
النافذة تضيق.
---
وصل إلى بيت سافيا وطرق الباب.
فتحت بوجهها المعتاد.
نظرت إلى الفحم في يديه وأشارت له بالدخول.
وضع الكمية أمامها وانتظر حتى فحصتها.
"جيد كالعادة."
أخرجت الستمئة بيلي وناولته إياها.
أخذها بابلو ثم توقف.
"عندي اقتراح."
نظرت إليه.
"بعد ثلاثة أشهر أريد مغادرة فيرونا."
صمتت.
"وأريد أن أبيعك طريقة صنع الفحم قبل أن أرحل."
ظلت تنظر إليه بعيون لا تكشف شيئاً.
"لماذا تريد المغادرة؟"
"عدة أسباب."
"أنت في الرابعة عشر."
"أعرف."
نظرت إليه طويلاً بطريقتها، كأنها تقيّم بضاعة لا تزال تحسب ثمنها.
"إلى أين؟"
"ناراكا. مصانعها تحتاج عمالاً."
أخرجت نفساً خفيفاً.
"البحر ليس مكاناً لطفل وحيد. القراصنة، العواصف، التجار الجشعون."
"أعرف المخاطر."
"لا تعرفها بما يكفي."
لم يرد.
صمتت هي أيضاً لثوانٍ ثم قالت:
"كم تريد مقابل الطريقة؟"
"أربعة آلاف بيلي."
فكّرت.
أربعة آلاف مقابل معرفة تغنيها عن الاعتماد عليه إلى الأبد، صفقة معقولة بمنطق التاجر.
"حسناً."
ثم أضافت:
"حين تكون مستعداً للرحيل أخبرني. سأرسل لك من يتعلم الطريقة منك قبل أن تغادر."
أومأ بابلو.
"شكراً."
"لا تشكرني." قالتها ببرود. "فقط لا تمت في البحر."
أغلقت الباب.
---
خرج بابلو وعدّ ما يملكه.
ألفان ومئة بيلي تقريباً مع الستمئة الجديدة.
يحتاج ستين ألفاً.
الفجوة لا تزال هائلة.
حسب بهدوء.
ستمئة أسبوعياً من سافيا، سبعة آلاف ومئتان في ثلاثة أشهر.
ثمن الذي سابيع به الطريقة لسافيا أربعة ألاف.
المجموع إحدى عشر ألفا في أفضل الأحوال.
يبقى خمسون ألفاً تقريبا.
خمسون ألفاً لا يمكن جمعها بالعمل الشريف في فيرونا.
الطريق الوحيد واضح.
السرقة، لكن بشكل مختلف عن قبل.
ليس خاتماً هنا وكيساً هناك، بل بشكل منهجي ومحسوب مع قبول مخاطر أكبر.
---
في بقية النهار تجوّل بابلو في القرية بعيون مختلفة تماماً.
لم يكن يبحث عن عمل.
كان يدرس.
لاحظ البيوت وأصحابها، من يغيب في الصباح ومن يبقى، أين توضع الأشياء الثمينة وأين تكون النوافذ والأبواب.
وفي نهاية تجواله توقف أمام بيت في طرف القرية.
بيت رجل يعمل صياداً يغادر كل صباح قبل الفجر ولا يعود إلا بعد الظهر.
رآه يفعل هذا ثلاثة أيام متتالية دون أن يعرف أن أحداً يلاحظه.
زوجته تخرج بعده بساعة لتحمل سمكه للسوق.
بين مغادرته ومغادرتها فترة قصيرة يكون فيها البيت فارغاً تقريباً.
تقريباً.
لديه طفلة صغيرة لا تتجاوز الخامسة تلعب أحياناً أمام الباب.
هذه هي المشكلة الوحيدة.
لكنها مشكلة يمكن التعامل معها.
---
بعد يومين من المراقبة تأكد بابلو من كل شيء.
في صباح اليوم الثالث وقف بعيداً وانتظر.
رأى الصياد يغادر في الظلام كالمعتاد.
بعد ساعة خرجت زوجته تحمل السمك.
الطفلة الصغيرة لم تكن أمام الباب اليوم.
ربما نائمة.
انتظر بابلو خمس دقائق إضافية.
لا حركة.
اقترب من الباب الخلفي ببطء، كان مغلقاً لكن القفل بسيط.
أدار يده ودفعه برفق.
فُتح.
دخل وأغلقه خلفه بنفس الهدوء.
الغرفة الرئيسية كانت بسيطة جداً، لكن في الزاوية كان هناك صندوق خشبي مألوف الشكل.
فتحه بحذر.
ملابس وأوراق قديمة وفي الأسفل كيس قماشي.
أمسكه.
في تلك اللحظة سمع صوتاً.
خطوات صغيرة على الأرض الخشبية.
الطفلة.
توقف بابلو تماماً ولم يتنفس.
ظهرت الطفلة من الممر بعيون نصف مفتوحة، شعرها مبعثر من النوم.
نظرت إليه.
نظر إليها.
ثانيتان من الصمت الكامل.
ثم فركت عينيها وعادت أدراجها نحو غرفتها بدون أن تقول شيئاً.
لم تستيقظ بما يكفي لتفهم ما ترى.
انتظر بابلو حتى سمع صوت جسدها الصغير يستلقي مجدداً.
ثم خرج من نفس الباب الخلفي بنفس الهدوء.
---
ابتعد عن البيت وفتح الكيس في زقاق جانبي.
ألفان وثلاثمئة بيلي.
أكثر مما توقع لبيت صياد بسيط.
أغلق الكيس وأخفاه وأكمل سيره.
---
عاد إلى غرفته وجمع كل ما يملكه أمامه.
أربعة آلاف وأربعمئة بيلي تقريباً.
نظر إلى الرقم.
لا يزال بعيداً جداً من ستين ألفاً.
لكنه تحرك.
ثلاثة أشهر وعشرة أيام تفصله عن السفينة التالية التي ستأخذه من فيرونا.
والطريق واضح الآن.
العمل يبقيه حياً، والسرقة تقربه من هدفه.
أغمض عينيه.
العد التنازلي بدأ.