.
.
داخل مقر شرطة مدينة صابر ،
جلس شاب ذو شعر أسود و عيون رمادية بهدوء داخل غرفة من غرف الاستجواب مؤثثة بكرسيين خشبيين متقابلين على جانبي طاولة حديدية صدئة نوعا ما .
أضاءت نافذة خشبية صغيرة و مستطيلة الشكل الغرفة الحجرية بأشعة الشمس الذهبية .
بعد وصول أدم إلى مخفر الشرطة عبر ركوب العربة اضطراريا رفقة المحقق كارل جوبي ، قاده هذا الأخير إلى إحدى غرف الاستجواب ثم غادر مغلقا الباب على أدم .
تنهد أدم بصمت و هو يتذكر لقاءه الغريب بالمحقق كارل ذو الشعر الأصفر و العيون الخضراء المظلمة الذي يبدو من الهالات السوداء تحت عينيه أنه مريض بمرض مزمن أو يثقل نفسه أثناء العمل .
" إنه حقا وغد غريب قليل الكلام ."
إذا أراد أدم وصف كارل فسيصفه كشخص يشبه المغتالين ، خفيف الظل و قليل الكلام لدرجة أنه نطق بأقل من 20 كلمة في حواره السابق مع أدم .
' ياله من حظ عثر ، من بداية انتقالي لهذا العالم و أنا غير محظوظ تماما .'
' هل أنا مغناطيس لسوء الحظ ؟ '
هز أدم بمرارة منتظرا الشرطي الذي سيستجوبه بفارغ الصبر لكي يغادر هذا المخفر .
'سحقا ، إذا صح احتمالي و أنا متأكد أنه صحيح بنسبة كبيرة بسبب سوء حظي ، سأصبح من الأن فصاعدا هدفا حيا .'
' إذن ، كيف سأستطيع حماية نفسي من عدو ذو قوى خارقة ؟ '
' انتهى أمري أليس كذلك ؟ '
فرك أدم صدغه محاولا تشكيل خطة طارئة للخروج من موقفه المثير للشفقة .
فجأة ، بصرير مرتفع فتح الباب الحديدي للغرفة لتدخل منه شابة جميلة ذات شعر أسود حريري و عيون أرجوانية عسلة . كما ارتدت هذه الأخيرة ملابس شرطة زرقاء ضيقة أبرزت منحنياتها .
ابتسمت هذه الأخيرة بابتسامة ساحرة ناحية أدم ، لتتقدم بهدوء و تجلس قبالته .
عبس أدم قليلا و هو يحدق في الشرطية التي لم تتناسب ملابسها مع ملابس شرطة العصر الحالي .
لم يخفض أدم دفاعاته اتجاهها بسبب مظهرها الفاتن ، بل على العكس رفع من مستوى يقظته و انتباهه .
مظهرها لم يزعزع ثقته تماما لأنه اعتاد في عالمه أن يعامل النساء كأنهم ملابس ، يستطيع تغييرهم كل مرة .
فبسبب أمواله و مكانته في عالمه السابق ، حظي أدم باهتمام كبير من طرف الجانب النسوي .
" مرحبا ، أنا المحققة جاسمين كليرتون و أنا مسؤولة عن استجوابك يا سيد أدم رونان ."
أومأ أدم برأسه كتحية للطرف المقابل ،
" إذن ، سيد أدم ، ما عمرك ؟ "
" 25 سنة "
" مكان الازدياد "
" مدينة غريفين "
أجاب أدم على أسئلة الشرطية بسرعة اعتمادا على المعلومات الشخصية التي حصل عليها من مذكرات أدم الأصلي ،
" ما هو عملك ؟ "
" كنت أعمل لدى الكونت ساندلر كمدرب خيول ، لكنني الآن عاطل عن العمل . "
" ما هو مقر إقامتك ؟ "
" أعيش حاليا بنزل الأمل في حي الفضل ."
أجاب أدم بسرعة و دون تردد على أسئلة الشرطية جاسمين .
بحيث استمرت الشرطية في طرح مجموعة من الأسئلة الاستباقية لتأكيد معلومات أدم الشخصية .
" هل ترتاد دوما مكتبة ضياء الفجر ؟ "
' ها قد بدأ الأمر ' تنهد أدم داخليًا و هو يقول :
" لا ، يوم أمس كان هو أول مرة أذهب فيها إلى تلك المكتبة . "
أومأت الشرطية بتفهم محركة وضعيتها لتضع رجلها اليسرى على اليمنى ثم أضافت بابتسامة ماكرة :
" هل لديك يا سيد أدم أية علاقة بأندريا مايكلسون ؟ "
" هل تقصدين أمينة المكتبة ؟ "
" أجل "
جالسا بهدوء ، حدق أدم في وجه جاسمين لبضع ثوان ثم كسر الصمت ليردف بأريحية:
" لا ، لقد التقيتها لأول مرة في حياتي يوم البارحة . "
قدم أدم أجوبة بسيطة و قصيرة ليجيب على أسئلة جاسمين لأنه كلما تكلم أكثر كلما زاد احتمال زلة لسانه . كما أنه أراد تجنب المشاكل .
" ألم تلاحظ أي شيء غريب البارحة عند مكوثك في تلك المكتبة ؟ "
عبس أدم تلقائيا عندما سماعه للسؤال لأن تذكر مظهر الرجل المخيف الذي سلمه بطاقة العضوية قبل مغادرته .
' هل أخبرها أم لا ؟ هل أقوم بالأمر ؟ سحقا '
اخذا نفسا عميقا ، ابتسم أدم بتصنع و هو يخبر الشرطية جاسمين عن لقائه بالرجل المخيف ، عن مواصفاته و شكله .
كما أنه أقر بأنه يمكن أن يصبح مستهدفا من طرف جزار جثث في المستقبل القريب .
" هذا كل شيء ، شكرا على تعاونك يا سيد أدم "
تفاجأ أدم من سهولة الأمر بحيث توقع أدم أن يستمر التحقيق لبضعة أيام كتحقيق الشرطة في عالمه السابق مما يمنحه بعض الحماية حتى يصنع خطة جديدة .
'ًلا يجب علي أن أحكم على الشرطة بالفطرة السليمة . '
' غريب حقا '
' هل الشرطة حقا تتهاون في هاته القضية ؟ '
'و هل جميع المحققين غريبون مثلها ؟ '
قاطع قطار أفكار أدم صوت جاسمين المغري التي وقفت من مكانها بخفة مضيفة :
" سيرافقك المحقق كارل متخفيا إلى مقر إقامتك ثم سيساعدك في نقل ممتلكاتك إلى أحد المنازل الآمنة التي تملكها الشرطة حتى نتأكد يا سيد أدم من أنك غير مستهدف ."
" أتمنى أن تكون مخاوفك مجرد مخاوف يا سيد أدم و أن لا تكون مستهدفا و إلا …… هاهاها ، ليكن النور في جانبك ."
" شكرا لك "
أومأ أدم بهدوء متجاهلا النصف الأخير من كلام المحققة جاسمين ثم وقف هو الأخر من مكانه و غادر غرفة الاستجواب رفقتها .
.
…..
.
و كما ظن أدم لم يكن الأمر بتلك السهولة ،
أعتبر التحقيق الجزء الأسهل لأنه استغرق أقل من نصف ساعة ، لكن الجزء الأصعب هو الانتظار .
استغرقت عودة المحقق كارل جوبي المكلف بمرافقة أدم الى مخفر الشرطة أكثر من ساعتين ،
بحيث أقرت المحققة جاسمين أن كارل في مهمة عاجلة و سينتهي قريبا .
خلال تلك الساعتين ، جلس أدم في ردهة انتظار مخفر الشرطة متجاهلا احساس التيبس الذي أحس به في مؤخرته بسبب الجلوس الطويل .
لم يستطع هذا الأخير مغادرة المكان لأنه خائف من أن تكون مخاوفه صحيحة و أن يتعرض للهجوم .
حتى الآن ما زال لم يظهر دليل يدعم أفكاره و احتمالاته ، لكن بسوء الحظ الذي يمتلكه ، ظن أدم أنها مسألة وقت فقط حتى يتأكد من الأمر .
بعد ظهور مايكل الصامت ، غادر الثنائي مخفر الشرطة ثم توجه أدم أولا بموافقة صديقه المحقق إلى أقرب مكتبة من مكانهما .
رغم احتمالية استهدافه ، قرر أدم عدم تغيير روتينه و الذهاب إلى مكتبة قريبة من أجل القراءة . كما أنه لم يجد إشكالا مع كارل الصامت الذي وافق ضمنيا على مرافقته أولا إلى المكتبة .
ابتسم أدم بغرور مفكرا في سهولة الحصول على حارس شخصي مجاني ،
بعد بضع دقائق من المشي ، وصل الثنائي أمام مكتبة قريبة تسمى بدار الثقافة ثم دخلا إليها .
في بضعة كلمات منمقة ، أقنع أدم أمين المكتبة بتأجيل دفع عضويته إلى المرة القادمة عكس كارل الذي أخرج أربعة عملات كوبن نحاسية من جيبه و سلمها لأمين المكتبة .
لم يستطع أدم رغم وجهه الصلب طلب النقود من كارل الذي بالكاد يعرفه .
بعد ذلك ، أخذ كل من الثنائي كتابا من الطابق السفلي ثم توجها إلى الطابق العلوي للقراءة .
….
عندما أصبحت السماء حمراء بسبب غروب الشمس ،
أغلقت متاجر المدينة أبوابها و فتحت الحانات لاستقبال الزبائن .
خرج الثنائي المكون من أدم و كارل المتخفي من المكتبة بعد بضع ساعات من القراءة ،
لحسن الحظ ، لم يتذمر كارل جوبي بل بدا كأنه يستمتع بقراءة كتب في صمت .
ثم ركبا إحدى العربات التي ستتوجه لحي الفضل .
الجميل في الأمر ، أن كارل دفع أجر العربة للمرة الثانية مما رفع ثقلا كبيرا من كاهل أدم المفلس .
" وصلنا "
بعد سدول الليل ، وصل الثنائي إلى نزل الأمل مقر اقامة أدم الحالي .
بسرعة ، دخل أدم عبر الباب متبوعا بزميله كارل ليستقبله منظر مألوف ،
العديد من الأشخاص الذين يتحدثون بصخب في جميع الأرجاء و هم يشربون كؤوسا كبيرة من الجعة .
من المعروف أن حانة الأمل الخاصة بالجد ماكس مشهورة بشكل كبير بالنسبة للطبقة العاملة .
قرر أدم أن يعزم كارل على كأس من الجعة لأنه من الأدب شكره على مرافقته لهذا اليوم .
لذلك توجه ناحية الجد ماكس بهدوء قائلا بابتسامة مشرقة :
" أيها الجد ، هل يمكنك جلب كأسين من الجعة إلى طاولتنا ؟"
أشار أدم بعد ذلك بإصبعه لمرافقه كارل الجالس على احدى الطاولات .
" حسنا "
أجاب ماكس بهدوء ثم غادر المكان .
' ما خطبه لم أتوقع أن يوافق بصمت ، ظننت أنه سيبدأ في الثرثرة عن ديوني و مطرقة العدالة خاصته .'
بعد ثوان من الارتباك ، تجاهل أدم الأمر ثم جلس قرب كارل الصامت ،
لم ينتظر الثنائي كثيرا ليجلب الجد ماكس كوبين ،
وضع هذا الأخير كوبي الجعة على الطاولة ،
" أيها العجوز ما خطب… "
سوويف
ثم بسرعة و بدون إنذار ، أخرج ماكس خنجرا برونزيا من كمه الأيسر ثم وجهه نحو حلق أدم المتصلب في مكانه .
.
.