الفصل 109: المواجهة مع الذات
---
اخترق صوت حادة تخدش الحجر مسامع أزريل.
وكأن أظافراً تسحب عبر ذهنه، تجمد النفس في حلقه.
تصلب جسده، وأصبح كالجماد.
بدت على وجه ليو علامات ذعر نادرة، وابتسامته الساخرة المعتادة تشوهت إلى كشر.
أزم أسنانه، وقبضت يداه بجانبيه، وكان ذلك العلامة الوحيدة على توتره.
جاء الصوت من الممر المظلم حيث وقف فيرجيل وسيليستينا، متجمدين في الزمن.
وكأن الزمن نفسه قد توقف عن الوجود، ولم يبق سوى الصرير المفزع للمعدن ضد الحجر.
"هذا ليس حقيقياً... إنه كله في رأسك... على ما أظن،" تمتم ليو، وصوته منخفض، متردد.
لم يكن مطمئناً.
بل كان مرعباً أن يسمعه، هو الذي كان دائماً لديه ما يقوله بسخرية، يتردد هكذا.
وقف أزريل مشلولاً، والصرير المعدني يزداد علواً، متوافقاً مع نبضات قلبه المتسارعة.
في كل مرة كان يقتسيد، كانت موجة جديدة من الرعب تجتاحه.
'تحرك! لماذا لا أستطيع التحرك؟!'
رفض جسده أوامره، وكل عضلة تجمدت في مكانها وكأنها تحولت إلى حجر.
اقترب صوت الخدش أكثر فأكثر، يصم الآذان، يمزق صوابه.
لم يفهم ما كان يحدث—كان مفاجئاً جداً، وغير مفهوم.
ومض أمل عابر في ذهنه—'سليمان... هل يمكن أن يكون سليمان؟'
لكن لا. عرف أنه ليس هو. لا يوجد سبب.
قبضة برد أشد من الموت أمسكته.
'زوران انتصر...؟'
تاهت أفكاره في فوضى، وأجراس الإنذار تدوي بعنف في رأسه.
لقد وثق بسليمان—المستعد، المخطط، الذي لا يُقهر.
لم يستطع أن يخسر. لم يستطع.
لكن ها هو أزريل واقف، عاجز تماماً، والصوت الخادش يزداد، لا يُحتمل أكثر، حتى شعر أن عظامه ستنكسر تحت ثقله.
ثم تبعت ذلك خطوات ثقيلة—كل منها تتردد بعزم مشؤوم.
تطابق نبض قلب أزريل مع تلك الخطوات.
مهما كان ما يقتسيد...
كان عاجزاً تماماً.
توقف الزمن.
لم يستطع التحرك.
تمددت الثواني إلى ما بدا وكأنها دهور، وبعد ذلك، من ظلام الممر الخانق، برز شكل أخيراً.
أطلق أزريل النفس الذي لم يكن يدرك أنه كان يحبسه.
خرج في ارتجافة.
ارتجفت عيناه، وحتى ليو—بدا وكأنه رأى شبحاً.
طقطقت حذاء الشكل الأسود على الحجر البارد، كل خطوة متعمدة، بطيئة، محملة بثقل جعل أزريل يشعر بصغر لا يُصدق.
الرداء المظلم كان يتدلى على الشكل كفراغ، ووجهه مخفي تحت غطاء ثقيل.
لكن لم يكن مظهر الشكل هو ما أرسل الجليد في عمود أزريل الفقري.
بل ما كان يحمله.
...منجل.
ليس مجرد منجل، بل سلاح وحشي، مصنوع من الليل الصافي.
الشفرة—مظلمة بشكل لا يُصدق—بدت تلتهم الضوء حولها، تحني الهواء وكأنها حية.
كانت حافتها المسننة تلمع ببريق مريض، وكأنها تذوقت عدداً لا يحصى من الأرواح وتتوق إلى المزيد.
تجمد دم أزريل.
كان يحدق في الموت نفسه.
توقف الشكل أمام أزريل، مطلّاً عليه.
كانا بنفس الطول.
وبعد ذلك، وكأن ليمزق العالم أكثر من مفاصله...
أصبح وجه الشكل مرئياً.
"...أيها الصغير؟"
أصيب عقل أزريل بالفراغ.
اتسعت عينا ليو بالصدمة.
لأن تلك الكلمة—"أيها الصغير"—لم تكن موجهة لأزريل.
لا.
بل كانت موجهة للشكل الواقف أمام أزريل.
شكل...
يرتدي وجه أزريل.
حدق أزريل، وجهاً لوجه مع نفسه.
ومع ذلك... لم يكن هو.
كان وجهه، لكنه أكبر سناً، أكثر رقة، مثالي.
كان هناك هالة من السيطرة المطلقة، من قوة لا حدود لها، تشع من كل حركة للشكل.
كانت عيناه القرمزيتان تحملان برودة تشبه برودة الحكام، وكأنه يوزن أزريل بشيء يتجاوز بكثير فهمه.
شعر أزريل بصغر لا يُصدق.
صغير جداً، وكأن الشكل أمامه كان عملاقاً، يده كبيرة بما يكفي لسحق عوالم، ونظرته محرقة كشمس قرمزية.
كم من الوقت ظل يحدق؟
ثوان؟ ساعات؟ أيام؟
لم يكن أزريل ينظر إلى نفسه.
بل كان هو ينظر إلى أزريل.
تحول، صغير جداً لكنه هائل، أخرج أزريل من ذهوله.
الشكل—أزريل الآخر—كان أول من تحرك.
التفت برأسه نحو ليو، الذي كان واقفاً مشلولاً، محتاراً، يحدق فيه.
وبعد ذلك، بسلطة هزت الهواء نفسه، تكلم الشكل.
"لقد أطلت البقاء. حان وقت عودتك."
كان الصوت أبرد من الهاوية السحيقة، وكل كلمة تحمل ثقل حقيقة لا تقبل الجدل، وكأن قوانين الكون نفسها قد نُطقت.
لم يكن هناك تحدٍ. ولا دحض. ولا رفض.
لم يستطع ليو المقاومة.
بمجرد موجة من يد الشكل، بدأ شكل ليو يتلألأ، بنفس الطريقة التي كانت يداه تفعلانها من قبل.
لكن الآن... كان جسده بالكامل.
"ما—؟!"
تشوه صوت ليو، كأنه واقع مكسور.
التفت بنظره نحو أزريل، ووجهه قناع من الرعب.
أزريل، مجمداً بالصدمة بنفس القدر، لم يستطع إلا أن يشاهد بينما تشوه شكل ليو وبعد ذلك...
اختفى.
هكذا ببساطة.
الشخصية البغيضة المعذبة التي أراد أزريل التخلص منها—اختفت.
التفت أزريل ببطء نحو الشكل الذي يرتدي وجهه، وشفتاه ترتجفان.
"ك-كيف...؟"
نظر إليه الشكل، فارغاً وغير مبالٍ، مائلاً رأسه قليلاً وكأنه يدرس روح أزريل ذاتها. شعر وكأنه لا يوجد شيء في الكون يمكن إخفاؤه عن هذا الكائن.
"كل شيء حدث أسرع مما توقعت،" تمتم الشكل، وصوته بارد، منفصل.
"هل هذا يعني أن خطتها كانت ناجحة، بعد كل شيء؟"
تثبتت عيناه القرمزيتان على أزريل، ووجد أزريل نفسه غير قادر على صرف نظره. كل جزء من كيانه كان مكشوفاً أمام تلك العينين.
"أنت محتار."
كان هناك فهم غريب في نبرته.
"هذا طبيعي. لقد كنت محتاراً أيضاً ذات يوم. لكن لا داعي للقلق... كل ما عليك فعله هو التذكر."
'التذكر؟'
تسارع عقل أزريل، لكنه لم يستطع نطق كلمة.
أومأ الشكل—نفسه الآخر—كما لو أن تلك الكلمة الواحدة تفسر كل شيء.
"تذكر. هذا كل ما عليك فعله لتستمر."
وبدون لحظة أخرى للتفكير، رفع الشكل منجله.
اتسعت عينا أزريل بالرعب.
"ا-انتظر—!"
لكن الأوان كان قد فات.
هبط المنجل، سريعاً وحتمياً، قاطعاً الهواء بقطعية مرعبة.
وبينما كان يهبط، وصلت جملة أخيرة فقط إلى مسامع أزريل، تحمل ثقل الحقيقة المطلقة.
"لا تحيد عن طريقك مرة أخرى أبداً."
اسودّ العالم.