الفصل 128: ذكريات

---

"هل يجد الحكام هذا الأمر مضحكاً...؟"

حدق أزريل بكآبة في محيطه.

كان واقفاً في وسط شارع، والسيارات تعبر من خلاله وكأنه غير موجود. من حوله، بنايات شامخة تلوح، حضورها مألوف وغريب في آن. لكان ظن أنه عاد إلى العاصمة المقدسة لشرق آسيا لولا ماركات السيارات، تلك التي يعرف أنها لا تنتمي لهذا العالم، وهي تمر عبر جسده.

بزفير، وضع أزريل كفه على وجهه. "لماذا لا أستطيع النوم بسلام ولو لمرة واحدة؟"

آخر ما تذكره كان جلوسه في الاجتماع. ضربته الإرهاق كموجة، تسللت إلى عظامه. حاول درءها بـ [العقل الفراغي]، وهي مهارة ساعدته أيضاً في البقاء متيقظاً أثناء معالجة أفكار متعددة. لكنها لم تكن كافية. تلاشت محادثاته مع آمون وجازمين في الخلفية، واضطر في النهاية إلى الاعتذار، مسرعاً إلى خيمة أعدت له. لم تكن الأطلال أفضل مكان للنوم، خاصة مع بقاء العاصمة الفراغية قيد الإنشاء. فالبناة، رغم قوتهم الخارقة، كانوا يتسابقون مع الزمن. وإن هاجم مخلوق فراغي، قد تتشابك الأمور.

لكن هذا... لم يكن إرهاقاً عادياً.

"حلم، هاه..."

تمتم أزريل تحت أنفاسه، وشرع في المشي.

شعر كأنه شبح، قدماه تمران فوق الرصيف بينما كان الناس، منهمكون بهواتفهم أو في محادثات، يمرون من خلاله. لم يشعر بأي إحساس وهم يخترقون جسده. رفع نظره، فالسماء كانت صافية، لا متصدعة كما اعتاد. كانت الشمس مشرقة، دافئة ومريحة. لكن شيئاً ما كان مريباً.

قطب أزريل حاجبيه. "أليس من المفترض أن يظهر نوع من الكيانات بحلول الآن؟ شخص مألوف... أو ربما نسخة مني؟"

مسح الحشد، لكن لم يكن هناك أحد. فقط هو، وحيداً.

زفر مجدداً، وتجول في الشوارع، متسللاً بين الناس عديمي الملامح. كانت محيطه مألوفة بشكل مزعج، لكنه لم يستطع تحديد السبب. البنايات، الشوارع... كلها أثارت شيئاً في أعماقه، شعوراً متزايداً بالانزعاج يختمر في أحشائه كالماء العكر المظلم.

ثم توقف.

المكان الذي أمامه، ضربه كموجة من الحنين. ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة. كانت حديقة. حديقة جميلة بأشجارها ونهرها الصغير، وأطفال يضحكون وهم يلعبون على الأرجوحات، وعائلات تتنزه على العشب الأخضر النضر.

"لم آت إلى هنا منذ..." تلعثم صوته. "منذ موتهم..."

كانت الكثير من الذكريات مرتبطة بهذه الحديقة. وقف أزريل ثابتاً، يحاول استيعاب ما يحدث، ولماذا هو هنا أصلاً. لكنه الآن، سيستغل ذلك.

"هناك مكان آخر قريب" تمتم، وقرر أن يترك الحديقة خلفه. وبينما كان يمشي، ظهرت المزيد من المعالم من ماضيه في مجال رؤيته. تمسك به الحنين كالظل. ضحك أزريل بهدوء. "يبدو حقاً وكأنه عمر مضى..."

دارت الذكريات من حوله، مرة وحلوة، حتى وصل أخيراً إلى وجهته. لكنه لم يكن منزله. ولا المقبرة التي يرقد فيها أفراد عائلته. كلا، بل كانت مدرسته.

"لا بد أن تكون ساعات الدراسة، إذا حكمنا من خلال كل هؤلاء الطلاب..." تمهل يراقبهم وهم يتدفقون داخل المبنى وخارجه، مرتدين ملابسهم المعتادة. لم تكن مدرسته تفرض أبداً زياً موحداً.

دون تردد، خطا أزريل إلى الداخل.

وجد نفسه في الممر الذي سار فيه مرات لا تحصى، مسرعاً إلى الصف أو عائداً إلى المنزل. مسحت عيناه وجوه الطلاب والمعلمين، لكن لم يكن أي منهم مألوفاً. واصل المشي، وخطواته تزداد ثقلاً مع كل خطوة. شعر بقلبه كوزن في صدره، وقبضتاه مشدودتان بإحكام.

"لا بد أن أراه... مرة أخيرة."

صعد الدرج، ولاحظ تناقص عدد الأشخاص من حوله، حتى أصبح وحيداً تماماً. في نهاية الممر، باب خشبي واحد. لوحة معدنية صغيرة بجانبه كتب عليها: غرفة الموسيقى.

زفر أزريل بعمق، وأنفاسه متقطعة. وضع يده على مقبض الباب، متردداً. "قد لا تسنح لي فرصة أخرى..."

صر على أسنانه، وأدار المقبض ودخل.

ضوء الغروب المتدفق عبر النوافذ غمر الغرفة بتوهج ذهبي. كانت الستائر تتمايل برفق في النسيم.

ثم، صوت.

تينك... تينك... تينك...

لحن مألوف ملأ الغرفة، ناعم ورقيق. بدت كل نغمة تحمل ثقلاً، تجذب صدر أزريل بينما طفت الذكريات التي دفنها منذ زمن بعيد.

تينك... تينك... تينك...

"آه..."

انجذبت عيناه إلى مصدر الموسيقى.

طفل.

شعر بني. عيون خضراء. لا يزيد عن التاسعة.

كانت يداه الصغيرتان تتحركان بخفة على مفاتيح البيانو.

"هذا رائع، ليو! لديك حقاً حس موسيقي!"

كان هو نفسه. نسخة أصغر كثيراً من حياته الماضية.

أدرك أزريل أخيراً ما كان يراه. إنها... ذكرى.

عض أزريل شفته وهو ينظر إلى الأشخاص أمامه. امرأة بشعر أسود وعيون زرقاء أثنت على الصبي الصغير، ليو. "كايا..."

معلمته الموسيقية.

نظر إليها ليو بعيون مليئة بالدهشة، وكأن النجوم تتلألأ في تلك العيون الزمردية وهو يبتسم بإشراق. "حقاً؟" سأل بحماس، والأمل يلمع في نظراته. أومأت كايا وقرفصت لتكون على مستوى نظره. "نعم، حقاً! إذا تدربت بجد كافٍ، قد تصبح عازف بيانو." أضاء وجهه كالشمس، وشاهد أزريل بابتسامة حزينة.

ثم... ظهر شخص آخر. ارتجفت عينا أزريل وهو يعض شفته بقوة أكبر. شعرها البني يتدفق حتى خصرها، وعيناها الخضراوان تماثلان عيني ليو. كانت... جميلة كحلم منسي، ذلك النوع الذي يلح بشكل مؤلم بعد الاستيقاظ.

"أمي..."

لانت تعابير أزريل، مثقلة بالحزن وهو يحدق بها.

كانت والدته. ليس مخلوقاً فراغياً مقلداً لها. كانت هي حقاً. أو على الأقل... ذكرى عنها. وإن دقق أحدهم النظر، لاحظ البروز في بطنها. كانت حاملاً.

"...ليا."

"أمي! هل سمعت ذلك؟ تقول كايا إنني قد أصبح عازف بيانو!" قطع صوت ليو اللحظة، وهو مليء بالفرح وركض إليها.

ضحكت جين بهدوء، والدفء في عينيها وهي تجلس القرفصاء لتواجه نظراته المتحمسة. "لو أصبحت واحداً، لكنت أسعد أم على وجه الأرض" قالت، ويدها تمسد شعره برفق. أغمض ليو عينيه، وابتسامة ناعمة على شفتيه وهو يستند إلى لمسها. "هيهيهي."

مشاهداً الثلاثة، شعر أزريل برجليه تضعفان. "هاه... تباً." ارتجت ركبتاه، وتمسك بمكتب قريب، وذراعاه ترتجفان. مد يده اليمنى، متلهفاً للمسها، لكنه كان يعلم... لا جدوى. إنهم ليسوا حقيقيين.

لكن مع ذلك... "أرجوك... انظري إلي مرة أخرى... أمي."

سمع أزريل صوته، لكن لم يسمعه أحد آخر. اكدّ وجهه، وهو يعلم جيداً ما سيأتي بعد ذلك. فكل شيء بدأ في هذا اليوم، بعد كل شيء. ربما لو لم يرغب أبداً في العزف على البيانو، لو لم تقل كايا وجين تلك الكلمات لليو...

انفلت ضحكة مظلمة مرة من شفتي أزريل وهو يغطي فمه. "لو لم أحاول أبداً أن أكون ابناً صالحاً... لما كنت خيبة أمل كهذه."

تنهد، محدقاً بجدية في المشهد أمامه. وفي طرفة عين، اختفوا. لم يبق سوى البيانو.

قبض أزريل عينيه، صاراً على أسنانه. "لم يكونوا حقيقيين على أي حال..."

لكنه لا يزال يؤلم.

فتح عينيه، وابتسامة خفيفة لامست شفتيه وهو يخطر بباله فكرة. "كايا... آخر ما سمعت، أنها انتقلت إلى بلد آخر بعد زواجها."

كانت معلمته الموسيقية، لكنها أيضاً كانت شخصاً اعتبره أزريل كعمّة. وللأسف، قبل الحادث الذي ألم بعائلته، غادرت. لم تسنح له الفرصة ليخبرها بما حدث.

مشى أزريل ببطء نحو البيانو، وأصابعه تلامس سطحه الأملس قبل أن يقف أمامه.

تينك...

ضغط على أحد المفاتيح بهدوء. ضحكة صغيرة، شبه سخيفة، انفلتت منه وهو يضغط عليه مجدداً. "لقد مضى وقت طويل منذ أن لمست بيانو... أتساءل إن كنت لا أزال أستطيع العزف..."

لكن قبل أن يكتشف، تلطخت رؤيته. خف رأسه، رغم بقاء ابتسامة هادئة على وجهه. "ربما يوماً آخر، هاه..."

بدا أن وقت الاستيقاظ قد حان.

لم يدرِ ما هو أفضل، هذا، النوم بلا أحلام، أم الكوابيس. ربما لا شيء منهما أفضل. ما زال لم يحصل على إجابة عن سبب إعادة عيشه لذكرى، أو ما الغرض منها. لكن... شعر أزريل بأنه سيعيد عيش الكثير من ذكرياته من الآن فصاعداً.

"هل فعلت هذا أنت؟ يا مستقبلي؟"

لسبب ما، ومضت صورة ذلك الشخص بمنجله في ذهن أزريل.

لا.

كان متأكداً من ذلك.

إنه هو. أو على الأقل مرتبط به.

تذكر.

راقب أزريل بهدوء بينما أصبحت محيطه أكثر ضبابية. بين الحين والآخر، شعر وكأن الواقع نفسه يتحطم أمام عينيه.

"أتعجب ما الذي يجب أن أتذكره..."

ثم، اسود كل شيء.

2026/08/10 · 54 مشاهدة · 1169 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026