الفصل 133: الفصل 133

---

سقطت الأحداث كالصاعقة، بغتةً، دون مقدمات.

لم يبقَ وقتٌ للرد، أو للتفكير، أو حتى للحركة.

لقد... حدثت فحسب.

أولُ ما انطلق في الأفق كان زئيرٌ أصمٌّ هزَّ الأرض من تحتها، فارتجفت الأشجار، وعوى الريح، وامتدت السماء الرمادية اللامتناهية.. فإذا بها تسودُّ كأن يداً خفية أطفأت نورها.

[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]

دقَّ قلب أزريل في صدره كالمطرقة، وانقطع أنفاسه، وحبس العالم أنفاسه معه. تجمَّدت المجموعة في مكانها، والجميع كأنَّ الصمت قد ابتلعهم، وكأن الهواء نفسه يوجب الإجلال.

ثمَّ... زئير آخر.

انهار أزريل على ركبتيه، واضعاً كفيه على أذنيه، يئنُّ بألم، وسقط الآخرون كما سقط، عدا أمية وميرا اللتين صمدتا واقفتين على غير عادتهما.

غمره رعبٌ خالص، عتيق كأنه من عصور غابرة، فأجبر نفسه على رفع بصره. كان ذلك الكابوس المدمر -مهما كان- يتسيدص في الأعالي، مختفياً في قلْب السحب القاتمة.

زئير ثالث. شعر أزريل بحلقه ينقبض، وتقشعرَّ بدنه، وبلل عرق بارد جلده، ولم يعُد ذهنه يصرخ إلا بكلمة واحدة:

اهربْ.

انشقت السماء بقصفٍ مدوّ، وتردَّد صداه في الغابة كأن العالم نفسه يتمزق إسيداً.

"في أوقات كهذه، أتساءل حقاً لمَ لم أتقاعد بعدُ..."

اخترق صوت ميرا الجليل الهواء، فالتفتت الرؤوس نحوها، وعلت محياها سحابة كئيبة قاتمة كالحجر، وهي تقبض بيمناها على رمح ذهبي، وعيناها الثاقبتان مثبتتان على السحب المتقلبة.

ثم همست: "ومع ذلك، من كان يتوقع أن يظهر شيء كهذا هنا؟"

التفتت إلى أمية، ووجهها قد تكاثف سواداً، وصوتها هامسٌ حديدي.

"ستتولين القيادة هنا برفقة السيد كول. تقدَّموا شرقاً نحو البحر، وستجدون مدخل الشبكة تحت الأرض إن بحثتم بدقة. انجوا وأبلغوا الملك بأسرع ما تستطيعون، ولا تضيِّعوا الوقت."

اتسعت عينا أمية من الصدمة، بينما شحب وجه كول وسقط على ركبةٍ واحدة، يحدق في ميرا مرتاعاً.

ألقت ميرا نظرةً على جازمين التي كانت تجبر نفسها على الوقوف ورجلاها ترتعشان.

"مهمتنا كانت الوصول إلى الملك، وإبلاغه بما يجري. التراجع الآن ليس خياراً، فالغابة ستكون خطيرة جداً، وإن صمدت العاصمة الفراغية بعد هذا، فستكون معجزة."

بالنسبة لميرا، كانت المهمة هي المطلق.

أزريل، الذي كان لا يزال يحاول استيعاب ما يجري، رمش بعينيه، وإذا بميرا قد اختفت.

'ما...'

هتاف آخر، لكن هذه المرة ارتجف الهواء كأن الأرض نفسها على وشك الانشقاق.

لا... لم يكن هتافاً واحداً. بل ثلاثة دفعةً واحدة، كلٌّ منها يمزق الجو كأنه مخلوق من الحقد الصرف.

ضربة صادمة عنيفة قذفت بأزريل في الهواء. صرخة مكتومة تفلتت من فيه قبل أن يصطدم بالأرض، والألم يمزقه وهو يحاول النهوض. شعرت الأرض وكأن زلزالاً قد ضربها، والأتسيدة والأوراق تتطاير في الهواء كلسعاتٍ على وجهه كشظايا الزجاج.

أخيراً، نهض أزريل على ركبتيه بصعوبة، ورفع نظره.

'يا للحكام... هذا العالم مجنون بحق...!'

لم تكن السحب في الأعلى مظلمة فحسب؛ بل كان هناك شيءٌ هائل يتموَّج داخلها. ثم سقطت قطرة على وجهه.

أخرى، وأخرى.

وسرعان ما انهمر عليهم وابلٌ غزير، ليس مطراً، بل سائلٌ أحمر يغلي كالنار.

"الجميع، تحرَّكوا! لا تتوقفوا ولا تلتفتوا إلى الوراء – استمروا في الركض!"

صرخة أمية أيقظتهم من غشيتهم، فانطلقوا يركضون.

ركضوا، ووجوههم تتلقى صفعات التراب والرياح العاصفة، وآذانهم تطنُّ من وطيس المعركة الرعدية التي تدور في الأعلى، معركة كأن الحكام يتصارعون في السماء.

في تلك اللحظة، أدرك أزريل القوة الهائلة المستحيلة التي تفصل كائناتٍ مثل ميرا عن البشر العاديين.

زئير آخر مزق الأجواء، تبعته موجة صادمة قذفت بأزريل إلى الخلف. ارتطم بالأرض بقوة لكنه أجبر نفسه على النهوض ثانيةً، دون أن يتوقف ولو للحظة.

لم يحالف الحظ البعض. عندما تجرأ أزريل على إلقاء نظرة خلفه، تمنى لو لم يفعل.

جنديٌّ يرتدي الزي العسكري القرمزي كان يتخبط على الأرض، يصرخ بألم.

"ساعدوني... أرجوكم! آه، أرجوكم ساعدوني!"

هناك، يحفر في عينه اليمنى، كان مخلوقاً صغيراً، دودة فراغية. كانت تقضم بنهم، نصفها غائر، والدماء تتدفق من محجر عينه. انفجرت عين الجندي، وتسللت الدودة إلى داخله، مختفية في الجوف الذي خلفته وراءها.

كبح أزريل غثياناً يعلو حلقه، وصرَّ على أسنانه. برق أحمر تشظى حوله وهو يبتعد.

'اللعنة! هذا جنونٌ محض! جنون!'

*****

"سنشكِّل فرقاً منفصلة لكل جزيـ..."

توقفت كلمات جواكين حين نظر إليه الجميع بحيرة، واقفين في الحجرة الباردة. كان عدد قليل من المشاعل يُضيء الجدران الحجرية، ويلقي بظلاله. نهض مالكولم من الأرض، وأرسل نظره يتجول في المجموعة.

"جلالتك..."

"أعرف"، تمتم جواكين.

ثم، قبل أن يتمكن أيٌّ من الرد، اختفى كل من جواكين ومالكولم في هبّة رياح مفاجئة، ليظهرا مجدداً فوق القلعة، مُطلِّين على البحر المظلم.

تقدم جواكين خطوة، وعيناه تضيقان وهو يحدق في الظلام بكآبة. انضم إليه مالكولم، وصوته مترددٌ كئيب.

"لقد... اختفى. ليس هو فحسب، بل البحر بأكمله يبدو مهجوراً."

ساد صمت ثقيل بينهما. تحدث جواكين بصوت منخفض، ونبرته تتلبَّد بالقلق.

"يبدو أنني قد استهنت بمخاطر الجزر الغارقة تماماً."

التفت إلى مالكولم، وقسا محياه.

"سأبقى هنا مع اثنين من علماء آثار الفراغ – متطوعين سيكافؤون شخصياً. أما أنت وبقية الرجال فخذوا الأنفاق وانسحبوا. تأكد من عودة الفريق الذي يضم ابنتي إلى العاصمة الفراغية القرمزية للجزر الغارقة. أو الأفضل، إلى الأرض."

سنوات من الغريزة كانت تصرخ في أعماق جواكين بأن شيئاً ما قد حدث بشكل مريع. شعر بالتحذير وكأن كل أجراس الإنذار في ذهنه قد دقت دفعةً واحدة.

'أين ذهبوا جميعاً؟'

خصوصاً العملاق. كان أمراً غير معتاد – لا، كان خطأً – أن يرحل وهو يعلم أن جواكين هنا، وكأنه يدعوه إلى قتال. لم يصدق جواكين للحظة أنه قد... هرب فحسب.

شيءٌ ما كان مريعاً، خطأً فادحاً.

لكنه جاء إلى هنا لغرضٍ ما، ولن يرحل حتى يكشف الأسرار المدفونة في الجزر الغارقة. لكن ذلك لا يعني أنه سيعرّض رجاله للخطر من أجله.

تقلَّص فك مالكولم.

"جلالتك، تركك هنا بمفردك مع اثنين فقط من علماء آثار الفراغ هو تهورٌ صارخ. جلالة الملكة ستغضب غضباً شديداً عندما تعلم."

ارتعشت شفتا جواكين وهو يكتم ابتسامة ساخرة.

'غضب؟ كلا، ربما ترى أخيراً نهايتي أمراً محتوماً.'

قبل أشهر فقط، كاد أن يقتل نفسه عندما سمح لأزريل بالتوجّه إلى [الملجأ الأبيض] بناءً على نزوة. لكن كيف كان بإمكانه أن يمنع أزريل؟ لا يمكنهم أن ينموا أقوياء تحت القيود. دور جواكين هو دعمهم، حتى لو رأت زوجته الحبيبة الأمر بشكل مختلف.

تنهد.

"أنت محق يا مالكولم. لقد كنت متهوراً جداً، متعجلاً جداً لاغتنام أي ميزة نجدها هنا. لكن إن لم تكن معهم، من سيضمن سلامتهم؟"

لان نظره مالكولم، وثقل فهمه على قلبه. لقد عرف شغف جواكين بالمعرفة، والانتصار.

"حسناً. سأتبع أمرك، يا ملكي"، قال مالكولم وصوته يختنق بالعاطفة.

للمرة الأولى، ارتسمت على وجه جواكين ابتسامة خفيفة، تلك التي لم يرها مالكولم موجهةً نحوه منذ سنين. كادت أن تدمع عيناه.

"إني أئتمنك يا صديقي القديم."

2026/08/10 · 41 مشاهدة · 1017 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026