الفصل 144: الفصل 144

لو كان كول قادراً على تكوين فكرة متماسكة، لكانت هذه: الشكل أمامه يبدو كالشيطان نفسه يبتسم له. لا، شيطانان، اثنتان من الابتسامات الملتفة، وعيون باردة لدرجة أن جسده ارتجف لا إرادياً.

________________________________________

بطريقة ما، كان من الواضح لم كان التشابه بين الاثنين مذهلاً إلى هذا الحد، إنهما أب وابن.

ابتلع كول ريقته بعصبية، وتراجع خطوة حذرة. التوت زاوية فم أزريل أكثر في ابتسامة. أما جواكين، فتوقف عن الابتسام. تحول، وبإيماءة خفية، تشكل عرش من الظلام الصافي خلفه. انغمس فيه، مستنداً بخده على كفه، يشاهد كل شيء بفضول مقلق.

مع ذلك، لم يخفف هذا من ذعر كول. مجرد حضور جواكين كان يشع تهديداً صامتاً؛ إن أخطأ كول الحركة أو حاول الفرار، لكان الموت أقل مصائبه.

تطايرت عينا كول بينهما، لكن أزريل جذب انتباهه وهو يتقدم، حركاته متعمدة، شبه كسولة. رغم الرعب الذي ينخر فيه، عرف كول أن أزريل لم يكن خطراً إلا لأن جواكين سمح له بذلك. وإلا، لكان قتل الأمير الشاب بنفسه. لكن الآن، العجز جعله مشلولاً.

توقف أزريل على بعد ذراع فقط، والبهجة المظلمة في عينيه تشتد. كان صوته خافتاً ساخراً، يقطر ازدراءً.

"ماذا كانت أختي العزيزة تطلق على أمثالك؟ آه، نعم... كلاب."

تقلص فك كول وهو يجبر نفسه على ألا يرد، وكل غريزة تصرخ فيه لمقاتلة. لكنه عرف الأفضل. الطاعة كانت السبيل الوحيد الذي قد يسمح له بالنجاة من هذا اللقاء مع هذين المفترسين.

اتسعت ابتسامة أزريل بقسوة.

"الآن، بما أنني أمير نبيل نزيه، سأعطيك مهمة بسيطة. أتقنها، وستكون حراً بالذهاب. أخفق، و..."

اكفهر تعبيره، وتراجع كول لا إرادياً، وعيناه تتسعان مع إدراكه: إنه مرعوب من هذا الوغد. الفكر كان ينهش كبريائه، لكن الكلمات علقت في حلقه بينما تضيقت عينا جواكين بلمحة، يراقب أزريل. ومع ذلك، بقي جالساً، موافقة صامتة.

ذلك البريق الصغير من الموافقة لوّى أحشاء كول. كان يعني أن جواكين يوافق على أي لعبة قاسية ابتكرها أزريل.

بصوت جاف مرتجف، تكلم كول، باذلاً ما في وسعه لئلا يستفز الأمير.

"ماذا تريدني أن أفعل... يا أميري؟"

تألقت عينا أزريل، وتحولت ابتسامته إلى شريرة.

"أوه، لا شيء كبير. فقط..."

أشار إلى الشجرة البيضاء الضخمة خلف كول، التي كانت أغصانها الملتوية ترقص على أرض الغابة.

"اذهب إلى هناك واطعن تلك الشجرة."

التركيب ترك كلاً من كول وجواكين مذهولين للحظة. كول، لأنه عرف غريزياً أن الشجرة ليست جزءاً عادياً من هذه الغابة المقفرة، وجواكين، لأنه عرف ما هي حقاً، لوياثان مقيد بتعاويذ قديمة.

مع ذلك، بقي جواكين جالساً، صامتاً، رغم أن نظراته أصبحت أكثر حدة باهتمام.

خفق قلب كول في أضلاعه وهو يقبض يديه المرتجفتين بقبضات. التفت، وأجبر قدميه على التحرك نحو الشجرة الضخمة، وكل خطوة تتردد مع دقات قلبه. ثقل نظراتين يثبته في مكانه، نظرة جواكين كانت خانقة، أكثر من نظرة أزريل.

الشجرة البيضاء العتيقة تلوح فوقه، ولحاؤها كالعظم، محفور بعروق من شيء أعمق ومقلق. كانت واقفة صامتة، لا تتحرك. أنفاس كول كانت شهقات ضحلة، وللوهلة، تجرأ على الأمل. لكن الأمل كان هشاً، محطماً بسكين صغير ظهر في يده حين نقر على خاتم التخزين.

صاراً على أسنانه، ألقى كول نظرة خلفية أخيرة. الأب والابن يشاهدان بتعابير لا تُقرأ. أخذ نفساً ليشجع نفسه، واستدار وغرز السكين في لحاء الشجرة.

انغرز النصل بسهولة، وسال سائل ذهبي كثيف من الجرح. كان عطره مسكراً، ثقيلاً، وكأن أرقى رحيق الحكام قد انسكب. حلاوته المعدنية تماوجت في الهواء، مما جعل رأس كول يدور وهو يتراجع خطوة لا إرادياً، وعيناه واسعتان من الدهشة والحيرة.

لكن ثم، تعثر كعبه بشيء.

'هاه؟'

نظر إلى الأسفل ليرى جذراً شاحباً، رفيعاً لكن قوياً، ملتفاً حول كاحله. قبل أن يتمكن من الرد، تشدد وانتشر، متسلقاً ساقيه. انفجرت جذور أخرى من الأرض، ماسكة ذراعيه، مثبتة إياه في مكانه.

"ا-اللعنة!" كافح ضدها، لكنها فقط ازدادت إحكاماً، قاطعة في جسده.

تحركت أغصان الشجرة، وحفيفها كأنها تستيقظ من سبات طويل. التفّت حوله، مجبرة صرخة مكتومة من فمه المغطى. تطايرت عيناه بجنون نحو أزريل وجواكين، متوسلاً النجدة، لكن لم يتحرك أي منهما. شاهدا، ووجوههما جادة الآن بينما كانت الجذور تتسلق أعلى، تضغط صدر كول وذراعيه حتى لم يستطع التحرك أو حتى استدعاء القوة لأمر صدى روحه.

ثم، بدأ الألم الحاد اللاذع بينما تغلغلت الجذور في جلده، متحدة مع لحمه. أراد أن يصرخ، أن يتخبط، لكن فقط أنين شيطاني مكبوت من الألم تفلت من شفتيه المدميتين. تشوشت رؤيته، وأظلمت بينما شعر بدمه يُسحب منه، أسرع مما يستطيع استيعابه. أصبح العالم بارداً، يسودّ عند الحواف بينما توقف قلبه.

آخر ما رآه كان زوجاً من العيون القرمزية، تراقب بلا رحمة.

ثم لم يبقَ شيء.

همس فكره الأخير عبر زوايا ذهنه المتلاشية.

'ما كان ينبغي أن أسكر أبداً...'

*****

'حسناً، تباً... لم أظن أنها ستكون بهذه القسوة، لكنه نال ما يستحقه.'

شاهد أزريل جسد كول يُجر نحو الشجرة البيضاء الشاهقة، شبراً فشبراً، حتى وصل إلى اللحاء. ثم، وكأن الشجرة امتصته، اختفى كول، رحل، ميتاً.

'إذاً... الآن يجب أن تعمل، أليس كذلك؟'

على الأقل، هذا ما قاله الكتاب.

خطا أزريل خطوة حذرة إلى الأمام، لكنه شعر بنظرة جواكين، الضيقة الباردة، تقطع الهواء.

"ماذا تظن نفسك فاعلاً؟"

توقف أزريل، وواجه نظرة جواكين. كان تعبير جواكين مليئاً بالحيرة والقلق وهو يشاهد ابنه يتجه نحو نفس الشجرة التي التهمت كول للتو. لكن الشجرة ظلت هامدة بشكل مريب، وكأن دم كول كان رد فعل غريزياً، محفزاً لشيء أعمق.

"أريدك أن تثق بي، يا والدي. أعرف ما أفعله."

تلوّن وجه جواكين بالاستياء. كان ابنه يمشي نحو لوياثان نائم، شيء يتحدى كل منطق. لكنه لم يتكلم، غرائزه تتصارع داخله. حذر الأب يشدّه للخلف، لكن الفضول يدفعه للأمام.

"ألست بالفعل أخلف بوعدي؟" تمتم جواكين. مجدداً، كان يسمح لابنه بالاقتراب أكثر من اللازم من الخطر. لكن هذا... كان عليه أن يعرف. الملوك يفكرون بشكل مختلف، ولم يكن جواكين استثناء. لا أحد، ولا حتى أزريل، يستطيع فهمه تماماً.

اعتبر أزريل صمت جواكين موافقة، واقترب، وشعر بعيني والده اليقظتين على كل خطوة. كان قلبه هو الآخر يخفق بشدة بينما وصل إلى الجرح الذي تركه كول على الشجرة. الدم الذهبي لا يزال يقطر على لحائها، يلمع على العشب الأبيض أدناه.

ابتلع ريقته، ويد أزريل ترتعش بعطش غريب. الدم يناديه، مسكراً ومحظوراً. لكنه قاومه، وثبت نفسه.

'دم بدم.'

لقد اكتملت الطقوس. يجب أن تكون كافية. كان عليه أن يصدق ذلك.

تحت نظرة جواكين اليقظة، غمس أزريل أصابعه في الدم الذهبي، وشعر بدفئه الغريب وهو يلطخ به كفه اليمنى. أزيز جلده، وبخار يتصاعد بينما يحترق لحمه، وكتم أنيناً، متحمل الألم.

تعمق عبوس جواكين عند المشهد، مستعداً للتدخل، لكن أزريل ضغط بكفه على اللحاء. استجابت الشجرة فوراً، مسحبة ماناه بعنف لدرجة أنه بالكاد استطاع الوقوف. شهق أزريل، وشعر بقوته تنزف حتى ارتخت ساقاه. قبل أن ينهار، شعر بذراع قوية تثبته. رفع نظره، فوجد نظرة والده الثابتة، وقلق مخفي وراء تعبيره الجامد.

ضد اللحاء الأبيض، برزت بصمة يد ذهبية، محفورة بدمه. ارتجفت الشجرة، وسرعان ما اهتزت الجزيرة بأكملها. أزريل، مستنداً على والده، رفع نظره، مبهوراً بينما بدأت أوراق بيضاء متلألئة تتساقط.

'جميل...'

انزلقت الأوراق برشاقة، وكل حركة مشبعة بوهج أثيري. جواكين، مفتوناً للحظة، شاهد العرض في صمت، لكن سرعان ما حول نظره إلى أزريل.

"ماذا فعلـ..."

انقطع كلماته بينما غطى وهج ذهبي أزريل، دفء تسلل إلى جلده، مغلفاً إياه بعناق مريح. شاهده جواكين، وعيناه تضيقان، ثم تحول وجهه بصدمة.

"إذاً هذا ما يحدث..."

تراجع خطوة، يشاهد الوهج يشتد، محاصراً أزريل في هالة لامعة بينما كانت الأوراق البيضاء تطفو حوله.

الدفء تحول إلى شيء حاد، شبه كهربائي.

مادة مظلمة، أشد سواداً من الظلال، بدت تتصلب حول أزريل. درع تشكل في صمت، صفائح فراغية تتشكل حوله، مصقولة بعروق حمراء دموية. كل قطعة ناسبه تماماً، من الأكتاف إلى الجيوب المنحوتة بتعقيد التي همست برشاقة شريرة.

ثنى أزريل يده، والآن مغطاة بقفازات مظلمة لا يمكن اختراقها. حتى يده المحترقة أصبحت مغطاة بالكامل.

انفتح فم جواكين، وسيداطة جأشه المعتادة تحطمت وهو يستوعب المشهد. عيناه، لا ترمشان، مليئتان بعدم التصديق.

"لوياثان نائم أعطاك درع روح مقابل روح بشرية واحدة...؟"

كان الأمر سخيفاً. لقد رأى جواكين العديد من دروع الروح، لكن هذا، كان شيئاً آخر. كاد أن يرغب به لنفسه، لولا حقيقة أن ابنه كان واقفاً هناك، مدرعاً بتلك الهالة المحرمة.

ابتسم أزريل.

"رائع، أليس كذلك؟"

شاهد جواكين ابنه، مندهشاً قليلاً من النظرة في عيني أزريل، مشرقة، شبه طفولية. للحظة، شعر بشعور من الفخر. لم يكن ابنه يُظهر هذا النوع من الحماس كثيراً، ورؤيته متحمساً إلى هذا الحد كانت... نادرة. التوت شفتا جواكين بابتسامة وهو يطلق ضحكة خفيفة.

"نعم، إنه رائع حقاً."

استدار أزريل، معجباً بدرع روحه الجديد، ووجهه مزيج من الدهشة والحماس. شاهده جواكين بابتسامة هادئة، رغم أنها تلاشت ببطء بينما عبس، وسؤال يلوح في ذهنه.

"انتظر... ألهذا السبب لم تأخذ أبداً أي دروع الروح من خزينة كريمسون؟ بسبب هذا؟"

كان يستطيع أن يرى في لمحة أن هذا الدرع مختلف، لكن مع ذلك، لماذا رفض أزريل كل دروع الروح الأخرى حتى الآن؟ السؤال كان يضايقه منذ بعض الوقت.

أزريل، منتشلاً من ذهوله، حاول إبقاء الحماس بعيداً عن صوته لكن لم يستطع إخفاءه تماماً.

"نعم... لم أرغب في المخاطرة. لو كنت قبلت درع روح آخر، لربما رفضني هذا. بصراحة، كنت متوتراً بالفعل من أنه لن يعمل، باعتبار أن لدي سلاح روح. هذه الشجرة، إن كنت محقاً، فهي ترتبط بالروح نفسها وتمنح الدرع فقط عندما... تكون روحي نقية بما يكفي؟ لم أستطع المخاطرة بأن ترفضني لو كان لدي شيء آخر مرتبط بروحي."

رفع جواكين حاجباً، يكافح لمتابعة الشرح. ألقى نظرة على الشجرة الضخمة، الساكنة الصامتة، ثم تمتم، "لكن... أليست نائمة؟"

عادت نظرة جواكين إلى الشجرة. كانت واقفة هادئة لا تتحرك، لكن... كان بإمكانه أن يقسم أنه رأى أحد أغصانها يرتعش، وكأنه يلوح. قشعريرة باردة تسللت إلى عموده الفقري، وشعر بموجة غريبة من القلق تزحف إليه.

نظر إلى أزريل، ونبرته تهبط إلى شيء مظلم مشؤوم.

"يبدو أن والدتك نسيت أن تعلمك ألا تقبل أشياء غريبة من الأشجار النائمة..."

رمش أزريل، متظاهراً بالإهانة.

"إنها ليست غريبة. فقط انظر إليها! وقد عملت، أليس كذلك؟ لقد حصلت أخيراً على درع روح يناسبني."

تنهد جواكين، وهز رأسه. لم يكلف نفسه حتى بسؤال كيف عرف أزريل كل هذا. لقد عرف ابنه جيداً بما يكفي ليعلم أنه لن يحصل على جواب. سينتظر.

"حسناً"، استسلم.

"هل انتهينا هنا؟ أختك ربما قلقة الآن."

اتسعت عينا أزريل وكأنه تذكر للتو.

"صحيح، يجب أن نعود."

ألقى جواكين نظرة حذرة أخيرة على الشجرة قبل أن يتجها نحو الباب الأبيض. أو على الأقل... كانت هذه الخطة.

أمامهم، مغروساً في لحاء شجرة أصغر، كان الباب الأبيض. خلفه كان البحر المظلم. وفي ذلك البحر...

عين.

عين واحدة ضخمة تلوح في الأعماق، سطحها الأبيض الشاحب ممتد على نطاق واسع، خالٍ من أي بؤبؤ. كانت هائلة، تفوق حجم الشجرة، وسطحها متموج وهي تحدق بهما. شدة نظرتها كانت مشلولة، قوة بدائية تنزل عليهما.

[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]

اكفهر وجه جواكين، وبجانبه، تشوه تعبير أزريل برعب خالص. لم يستطع التحرك، لم يستطع التنفس.

العين كانت فقط تحدق بهما، صامتة، منتظرة، حية.

في تلك اللحظة الواحدة، فهم أزريل أخيراً لماذا يسمون مخلوقات الفراغ، أهوال الجحيم.

2026/08/10 · 36 مشاهدة · 1706 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026