الفصل 85: يوم الافتتاح
---
رغم أنهم كانوا في مكان مغلق، شعر وكأنهم واقفون عراة في أرض قاحلة جليدية مكشوفة.
"من قلت أنه سسيد خطتنا...؟"
تسلل صوت زوران المنخفض المرعب إلى آذانهم.
"أ-أزريل كريمسون... ابن جواكين كريمسون، ملك شرق آسيا القرمزي. كان من المفترض أن يُقتل قبل عامين."
ابتلع صمت خانق آخر كلمات بران.
"...."
أرادوا التنفس، لكن كل محاولة شعرت كالغرق. كل شهيق علق في حلوقهم، عاجزاً عن الخروج.
"هل تخبرني أن طفلاً ميتاً سسيد خطتنا؟ خطة كانت شبه مستحيلة التنفيذ لأننا بالكاد نملك موطئ قدم في آسيا؟ والآن دمرت... بسبب طفل من المفترض أن يكون ميتاً؟"
عض براين وبران شفاههما بقوة، وتذوقا الدم.
"ه-هذا غير صحيح، سيد زوران..."
اخترق صوت دانتي التوتر، رغم أنه ارتجف كخيط على وشك الانقطاع.
"أوه؟ إذاً دعنا نسمع. انظر في عيني، دانتي."
تردد دانتي، لكن ببطء، بطاعة، رفع رأسه.
المشهد الذي واجهه جعل جلده يقشعر، وكأن آلاف النمل تزحف تحت لحمه.
'إنه تماماً مثل صاحب السمو...'
كان شكل زوران بالكاد بشرياً، ظل تحول إلى لحم، كظلام حي ملتوي.
لكن كان هناك فرق.
فرق صارخ مرعب بين زوران ونول من الملجأ الأبيض.
كان رأس زوران متوجاً بكرات بيضاء متوهجة حيث يجب أن تكون عيناه، أضواء بلا روح تغوص في كيان دانتي، مما جعل عقله يصرخ عليه بالهرب.
'لماذا... لماذا هناك مثل هذه الفجوة بيننا...؟'
كان دانتي منفذاً أعلى، بينما كان زوران حاكماً سبعياً. فرق رتبة واحدة فقط. ومع ذلك، بالوقوف في حضور زوران، شعر كالفجوة بين إنسان وحاكم.
لا...
لم تكن هناك فجوة أبداً.
مهما ارتفع دانتي، بقي المسافة بينه وبين الحاكم السابع كما هي، لا يمكن سدها، لا نهاية لها.
لم يشهد أحد قط شخصاً يرتفع إلى رتبة حاكم سابع.
لا.
كانوا دائماً فقط... هناك.
مثل حاكمهم الأعلى.
بالكاد فتح دانتي فمه عندما بدأ في سرد كل ما أخبر به براين وبران.
حلقه احترق، لكنه واصل، عالماً أن كل كلمة قد تكون الأخيرة له.
عيناي زوران المتوهجتين لم ترمشا.
لم يتحرك.
كان فقط يحدق في دانتي، ممتصاً كل كلمة بصمت حتى أنهى دانتي تقريره.
'أحتاج إلى ماء... لا أستطيع التنفس...'
شعر حلق دانتي وكأنه مشتعل، كل شهيق مؤلم. أراد الهرب، أن يلقي بنفسه خارج مرمى نظر زوران.
كان مرعوباً.
كان يعلم أنه إن أراد زوران، يمكن أن يموت في لحظة.
عض دانتي شفته، مجبراً نظراته على مقابلة تلك العيون المجوفة المتوهجة مجدداً. لم يكن يعرف كيف يبدو زوران حقاً تحت الظلال.
ربما كان من الأفضل ذلك.
لأنه في أعماقه، عرف دانتي: مهما أصبح أقوى، لن يريد أبداً التعامل مع شخص مثل زوران.
'لماذا... لماذا لا يقول شيئاً؟!'
كان جحيماً.
الصمت كان جحيماً.
بدا الزمن مشوهاً، ممتداً إلى ما لا معنى له.
كانت عينا دانتي مثبتتين على كرات زوران عديمة الروح، ورغم أن ثوانياً فقط مرت، شعرت كأبدية.
صرخ عقله فيه أن يحول نظره، لكن جسده لم يطع.
دق قلبه في صدره، كل نبضة كطبلة بدت تزداد قوة في أذنيه.
حتى—
"…هذا مستحيل."
شق صوت زوران الصمت الخانق كشفرة، وأرسل قشعريرة عنيفة في عمود دانتي الفقري.
لكن صوته، كان فيه ارتجاف.
اقشعر جلد دانتي.
توجهت عيناه نحو فم زوران، محاولاً إيجاد حركة، شيئاً يتمسك به، لكن لم يكن هناك شيء.
لا شفاه لتشكل كلمات، ولا تعبير ليُقرأ، فقط شخصية مظلمة عديمة الشكل لرجل وتلك الكرات المرعبة، تتوهج الآن أكثر إشراقاً.
"لا… لا، لا، لا، لا!"
اهتزت الغرفة.
اهتزاز عميق حشوي بدا آتياً من الجدران نفسها، وكأن أساس المبنى نفسه قد تفاعل مع كلمات زوران.
"مستحيل!"
تحطمت القوارير الزجاجية، مرشقة الأرض بشظايا.
شعر دانتي بدمائه تتحول إلى جليد.
لم يستطع عقله استيعاب الجنون الذي يتكشف أمامه.
ارتفع صوت زوران، أعمق، مليئاً بغضب جعل معدة دانتي تتقلص.
شعر وكأن الهواء في الغرفة يُسحب، تاركاً فقط ثقل الرعب الخانق.
الضغط في صدره ازداد، قوة خانقة جعلت من المستحيل أخذ نفس كامل.
"أزريل كريمسون… القمة!؟ الملجأ الأبيض!؟ خطتنا... تسربت!؟"
تشقق صوت زوران كالرعد، مما جعل أجسادهم ترتجف بعنف.
الأيدي المظلمة التي كانت أصابع زوران تشبثت برأسه، وصوته يتحول إلى جنون.
"لم يكن من المفترض أن يحدث هذا! لم يكن من المفترض أن يكون! ليس هكذا!"
ترنح، متعثراً نحو طاولة، وأصابعه تخدش السطح المعدني بصوت أرسل قشعريرة في ظهورهم.
صرخة رهيبة، كأظافر على لوح، ترددت في المختبر.
"الكتاب… نعم، الكتاب… سيخبرني بالحقيقة. دائماً يخبرني بالحقيقة. لا يكذب أبداً. أبداً."
دق قلب دانتي بقوة لدرجة أنه شعر وكأنه سينفجر من صدره.
أراد الهرب.
كل ألياف كيانه صرخت فيه أن يهرب، أن يخرج من الغرفة، لكن قدميه بقيتا مثبتتين في مكانهما.
نظر نحو براين وبران، لكنهما كانا مشلولين بالخوف مثله، عيونهما واسعة، وجوههما شاحبة، وأجسادهما ترتجف.
ضيّق دانتي والتوأمان أعينهما عندما وميض وهج أبيض مريب على الطاولة.
عندما خفت، كان هناك كتاب سميك، غلافه أبيض بالكامل.
كان غلافه أبيض صارخاً مقلقاً، ورغم أن دانتي لم يستطع تفسير السبب، فإن رؤيته أرسلت موجة من الغثيان تتدافع عليه.
مدت يد زوران المرتجفة، وأمسكت به.
فتح الكتاب بطقطقة.
شاهد دانتي، وأنفاسه سطحية، بينما مسح زوران الصفحة الأولى.
انتقل إلى الثانية، ثم الثالثة، وحركاته تزداد سرعة.
الرابعة.
الخامسة.
السادسة.
صفحة تلو الأخرى، قلب زوران، وعيناه تتحركان بجنون فوق الكلمات.
ثم—
"لا… لا، لا، لا… هذه مزحة. مزحة قاسية يلعبها الحكام بي!"
كان صوت زوران هائجاً وهو يمزق الصفحات، يمزقها واحدة تلو الأخرى.
"إنها فارغة! لماذا كلها فارغة!؟"
تجمد دانتي والتوأمان، يشاهدون برعب زوران وهو ينزلق أكثر في الجنون.
كلما طال تقليبه للكتاب، أصبحت حركاته أكثر وحشية.
"كل شيء رحل… دمر! حطم! أيها الأحمق اللعين… ماذا فعلت؟!"
كان صوت زوران غير معروف تقريباً الآن، مليئاً بيأس بدا يتردد على الجدران.
تحطمت النوافذ، وعوى الريح البارد في الغرفة، قارضاً جلودهم كشفرات.
لم يتحرك أحد منهم، لم يتنفس أحد.
لم يستطيعوا إلا أن يشاهدوا جنون زوران يتكشف أمامهم.
"المستقبل… لقد دمر بالكامل!"
شعر دانتي بشيء رطب يتساقط على وجهه.
مد يده المرتجفة، لامس خده.
دموع.
كان يبكي.
لكن لماذا؟
لم يفهم.
لم يشعر حتى بالحزن.
فقط... تائه.
ثم، تثبتت عينا زوران على دانتي.
سرى ارتجاف عنيف في عمود دانتي الفقري.
خطا زوران خطوة نحوه.
'اهرب...'
صرخ الفكر في عقل دانتي.
اهرب.
خطوة أخرى.
وأخرى.
كان زوران واقفاً فوقه الآن، شكله الشاهق يلقي ظلاً طويلاً مظلماً فوق جسد دانتي المرتجف.
كان على دانتي أن يمد رقبته لينظر للأعلى، لكنه تمنى لو لم يفعل.
تلك العيون المتوهجة، المرعبة ذات مرة، بدت الآن تغوص في روحه.
لكنه لم يستطع التحرك.
ساقاه مشلولتان، وكأنهما مثقلتان بسلاسل خفية.
"أنت… كيف يبدو أزريل كريمسون؟"
حاول دانتي البلع، لكن حلقه كان جافاً كالعظم.
صوته بالكاد عمل.
"شعر أسود… وعينان حمراوان… مثل أخته، جازمين كريمسون. لديه سيف كاتانا أسود كان يخص الملك جواكين..."
اندفعت يد زوران المظلمة إلى الأمام، لامسة خد دانتي.
اللمسة الباردة جعلته يرتد.
شاهد التوأمان، مرعوبين، لكن مجمدين مثل دانتي.
تتبعت يد زوران وجه دانتي بلطف، وأصابعه تتردد في إيماءة شبه حنونة.
"أفترض أنني سأضطر للتعامل مع ذلك الطفل الميت بنفسي..."
"س-سيد زوران، لو استطعت فقط الاستماع— الأمير يعمل لصالح—"
"صه… الآن. لا بأس. كل شيء سيكون على ما يرام."
سكت دانتي.
مسحت أصابع زوران الباردة الدموع عن عينيه، اللمسة مريحة بشكل غريب.
يد أخرى استقرت بقوة على كتف دانتي، بينما انزلقت اليد على وجهه إلى مؤخرة رأسه.
سال المزيد من الدموع على وجنتي دانتي، ولدهشته، وجد نفسه يبتسم.
لم يفهم.
"كما قلت سابقاً… ذلك السمو لك وأزريل كريمسون خدعوك. خدعونا. خدعوهم."
بدت عينا زوران البيضاء المتوهجة أكثر ليونة الآن.
حدق دانتي فيهما، مفتوناً.
'جميلتان…'
لم تعدا مرعبتين بعد الآن.
لا.
كانتا جميلتين.
ثم—
الأصوات الوحيدة التي تبعتها كانت صوت تمزق، والصراخ غير الطبيعي الممزق للأمعاء الذي تردد صدى من المختبر.
أصوات لا يمكن لأي صوت بشري أن يصدرها.
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]