الفصل 87: يوم الافتتاح
---
شعر أزريل بأحشائه تحترق وكأن ناراً تشتعل في داخله، وفي الوقت نفسه، هبت ريح جليدية على جلده، مما جعله يرتجف بلا سيطرة.
الأحاسيس المتضاسيدة كانت تنخر فيه، حرارة تحرقه من الداخل، وبرودة تلسعه من الخارج.
كانت مسيدكة.
انهار على ركبتيه بجانب المدرس كيفن، كل حركة تخدشه كورق صنفرة.
زجاجة الماء كانت عديمة الفائدة في أيديهما، غير ملموسة.
أمام أزريل، تجسدت شخصية.
ضبابية، مظللة، ملامحها غير معروفة.
لكن مجرد وجودها كان كافياً لتجميده في مكانه.
"أوووو... هممم... لااااه... مممم..."
انبعث تهويدة ناعمة من الشخصية، مروعة ولطيفة.
التف اللحن حوله كحبل مشنقة.
عينا أزريل، واسعتان بلا رمش، تثبتان على الشخصية.
لم يستطع أن يحول نظره. لم يرد أن يحول نظره.
"أوووو... هممم... لااااه... مممم..."
استمرت التهويدة، ومع كل نغمة، غمره راحة غريبة.
الألم، العطش، كل شيء تلاشى.
لماذا شعر هذا مألوفاً جداً؟
كان خطأ.
كان يعلم ذلك.
ومع ذلك، كلما استمع أكثر، شعر بالهدوء، وكأنه يغرق في هاوية مظلمة دافئة.
جسده، الذي كان مشلولاً بالألم سابقاً، تحرك بمفرده.
وقف، وزجاجة الماء تنزلق من يده وتسقط في الرمال بثقة مكتومة.
كل حركة كان يجب أن تؤلم، لكن أزريل لم يلاحظ.
كان مفتوناً.
خطوة بخطوة، تحرك نحو الشخصية.
"مممم... أوههه... لااااه... همممم..."
لم يستطع حتى تحديد إن كان الصوت لرجل أو امرأة.
"أيها الأمير... انتظر..."
كان صوت كيفن خافتاً، أجشاً، بعيداً.
لم يهم.
لا شيء يهم سوى تلك الأغنية.
واصل أزريل المشي.
الألم الذي كان قد عذب جسده تلاشى في العدم، واستبدل بخدر سلمي.
إحساس بالصفاء.
مشى.
ومشى.
حتى أصبح قريباً بما يكفي ليراه.
توقفت خطوات أزريل بينما تبلورت ملامح الشخصية ببطء.
التهويدة لا تزال تقطر من شفتيها، لكن الآن استطاع رؤيتها بوضوح.
كانت امرأة.
شعرها، بني شوكولاتة ناعم، يتساقط على كتفيها.
عيناها، ظل أخضر زمردي، تتألقان.
بشرتها كانت شاحبة، شاحبة جداً، كثلج حديث لم تلمسه شمس لا وجود لها هنا.
ترتدي فستاناً أبيض بسيطاً، ينساب حولها.
في ذراعيها، تحتضن قطعة قماش سوداء ممزقة، تداعبها بلطف.
نظرت إليها بابتسامة حنونة ناعمة وهي تواصل همهمة التهويدة، وصوتها مهدئ.
"مممم... أوههه... لااااه..."
"آه..."
انفلت نفس من شفتي أزريل، بالكاد مسموع.
جسده يرتجف، وشفتيه ترتجفان بينما أصابه الإدراك.
عرف هذه المرأة.
"أمي..."
في اللحظة التي خرجت فيها الكلمة من شفتيه، شعر أزريل بدمائه تتجمد.
اتسعت عيناه بينما أفاق فجأة من الغيبوبة.
التهويدة لم تتوقف.
بقيت المرأة غافلة، لا تزال تحتضن ما تحت القماش الممزق.
هذا خطأ. كل شيء خطأ.
'لماذا... لماذا هي هنا...؟'
هجوم ذهني.
لا بد أنه كذلك.
تماماً كما في أوروبا.
كاد أن يستسلم للضباب الباكي حينها، ولم يكن ينوي ارتكاب نفس الخطأ مجدداً.
أو... على الأقل، هذا ما أراد أن يصدقه.
ومع ذلك، لم يستطع تحريك عضلة واحدة، ونظراته مثبتة على المرأة أمامه.
بدت حقيقية جداً.
كلما طال تحدقيه، شعر بالضعف، وتدفقت الذكريات دون دعوة.
محادثتهما الأخيرة.
الحادث.
المستشفى.
العيون المليئة بالكراهية التي أعطته إياها في لحظاتها الأخيرة.
قبضت يدا أزريل في قبضتين، وأظافره تغوص في راحتيه حتى سال الدم.
'لماذا بحق الجحيم دائماً هجوم ذهني...؟'
مجرد حقيقة أن مخلوقاً يمكنه غزو عقله، وقوي بما يكفي ليتجسد هنا، في الطابق الثاني، أظلمت أفكاره.
'بالطبع، شيء كهذا سيحدث...'
إن لم يكن الطابق الأول قد أنهى أمره، فالطابق الثاني سيفعل بالتأكيد.
وإن لم يفعل ذلك...
"أيها الأمير... أرجوك، لا تتحرك."
وصل صوت كيفن الأجش إليه وهو يقف بجانبه، ممداً زجاجة الماء التي أسقطها أزريل.
"لا تقتسيد كثيراً. لا تحول نظرك عنها... ولا تتحدث معها."
أومأ أزريل بثقل، وعيناه لا تزالان مثبتتين على الشخصية التي تشبه أمه.
ابتلع الماء دفعة واحدة، وتركيزه لم ينقطع.
"ما تراه هو ما نسميه المهددة، مخلوقات فراغية مقززة تتلاعب بعقلك باتخاذ شكل شخص تتمنى رؤيته. إنها ليست شخصاً أعرفه، لذا لا بد أنها شخص ترغب فيه. هنا، ظننت أنها ستكون شخصاً أكثر ألفة…"
"أخلص إلى النقطة، أيها المدرس."
اسود تعبير كيفن.
"صحيح... الأمر هو أن المهددات من المفترض أن تظهر فقط من الطابق السابع فصاعداً..."
'عظيم...'
مخلوق فراغي ينتمي إلى الطابق السابع تجسد في الثاني.
واصل أزريل التحديق، غير راغب في تحويل نظره.
ضيّق عينيه قليلاً، محاولاً استشعار نواة ماناها، لكنه لم يجد شيئاً.
"أيها المدرس، أين نواة ماناها؟"
"نحن لا نرى جسدها الحقيقي... على ما أظن."
كلماته لم تقدم عزاءً كبيراً بينما انفلتت تنهيدة من شفتي أزريل.
"إذاً كيف نقتلها؟"
عبرت دهشة وجه كيفن، لكنه لم يكسر نظراته عن المهددة.
"أيها الأمير، لا نستطيع. علينا التراجع والعودة إلى السطح. ظننت أننا سنكون بخير، حتى مع تحول طابق صغير أو اثنين، لكن... مهددة في الطابق الثاني؟ الحكام وحدهم يعلمون ماذا قد يختبئ أيضاً."
عض أزريل شفته.
كان كيفن محقاً، أصبح الأمر محفوفاً بالمخاطر.
فقط جازمين كانت تعلم أن الزنزانة الفراغية تستهدفه، وحتى هو وجد الأمر سخيفاً لمواجهة مهددة في هذا الطابق شخصياً.
لم تظهر المهددة أي علامة على تغيير أفعالها، لا تزال تغني تلك التهويدة، لا تزال تحتضن ما تحت القماش.
تلك الابتسامة...
جعلته يشعر بالغثيان.
تلوح وجهه باشمئزاز.
"أيها المدرس، ما تحت ذلك القماش؟"
خرج صوته أكثر برودة مما قصد، مما فاجأ كيفن.
"لا أعرف. كل المهددات تملكهن؛ يتخصصن في الهجمات الذهنية. غناؤهن يجذب الضحايا ويؤدي بهم إلى حتفهم، لكن لا يمكنني القول ما هو مخفي تحت ذلك القماش."
ساد الصمت بينما واصل أزريل التحديق فيه.
"أيها الأمير... إن لم يكن وقحاً، من هذه المرأة أمامنا؟"
كان فضول كيفن مفهوماً، رغم أن هناك وقتاً ومكاناً لمثل هذه الأسئلة.
تردد أزريل، مستمعاً إلى التهويدة تتردد في ذهنه.
"...امرأة ميتة."
"فهمت... أنا آسف لسؤالي عن شيء غير لبق."
أومأ أزريل، ونظراته مثبتة.
"لا بأس، لكن كيف نخرج من هذا الموقف؟"
أمال كيفن رأسه، متأملاً المرأة.
"نتراجع ببطء ونأمل أن تتركنا وشأننا؟"
"...."
'ماذا قال للتو...؟'
شعر أزريل بقشعريرة من عدم التصديق، رغم أنه لم يستطع أن يجلب نفسه للنظر إلى المدرس كيفن.
اكتفى بالإيماءة واتبع التعليمات.
ببطء، تراجع خطوة.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
حاكى المدرس كيفن حركاته.
لكن...
لم تمر أكثر من خمس خطوات قبل أن تسري قشعريرة جليدية في أزريل.
توقف الغناء.
"أيها المدرس...!"
"اهدأ! فقط لا تتحرك!"
أطاع أزريل، مجمداً في مكانه.
لم يجرؤ أي منهما على التحرك بينما كانا يراقبان المهددة، التي واصلت التحديق في القماش، وابتسامتها لا تتحرك لكن أغانيتها توقفت.
دق قلب أزريل في أضلاعه.
كان يائساً لتدمير المخلوق الفراغي أمامه، لكنه عرف أنه عاجز.
المهددة كانت خصماً هائلاً، حتى المدرس كيفن كان عليه أن يكون في حالة تأهب قصوى.
ثم...
بنفس الابتسامة، رفعت المرأة التي تشبه أمه المتوفاة نظرها أخيراً.
انفلت نفس مرتجف من شفتي أزريل بينما تثبتت تلك العيون المألوفة على عينيه.
شعر وكأنه يختنق.
"أيها المدرس..."
"لا تتحرك، أيها الأمير... ليس بعد."
واصلوا التحديق في بعضهم البعض، والعرق البارد يتصبب من كل من أزريل وكيفن.
كان التوتر خانقاً.
حتى...
"لقد مضى وقت طويل، أليس كذلك يا عزيزي؟"
"…!"
اتسعت عينا أزريل، وانقطع أنفاسه في حلقه.
الصوت، الذي لا لبس فيه لوالدته المتوفاة، جعل دمه يتجمد مجدداً.
صرف أسنانه، متذكراً تحذير كيفن:
لا تقتسيد كثيراً. لا تحول نظرك عنها. ولا تتحدث معها.
أراد أزريل أن يمزق لسان المهددة، وغضبه يغلي.
أمالت المهددة رأسها، ونظرة حيرة على وجهها وهي تربت على ذقنها بتفكير.
"هل هناك خطب ما يا عزيزي؟ لقد مضى وقت طويل. أتوق لسماع صوتك."
"لا تقل كلمة. إنها تريدك أن تقع في حبائلها،" تمتم كيفن بإلحاح.
أومأ أزريل.
أراد أن ينتهي هذا بسرعة.
رؤية والدته المتوفاة تتصرف هكذا كانت مؤلمة.
كان عليه أن يعض لسانه، يكافح لكبت رغبته في التقيؤ.
"أوه، أرى..."
انتشر إدراك مفاجئ على وجه المهددة، وابتسامتها تتسع بشكل مقلق.
""!!""
تقدمت خطوة متعمدة.
ثم...
كانت أمام أزريل مباشرة.
على بعد بوصات من وجهه.
أصيب عقل أزريل بالفراغ.
بالكاد استطاع أن يتفاعل عندما سري قشعريرة باردة في عموده الفقري من اللمسة الباردة المفاجئة على خده.
"لا بد أنك شعرت بالتجسيد، أليس كذلك؟ لا داعي لكبت نفسك أمامي بعد الآن، يا عزيزي، يا عزيزي الغالي…"
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]