الفصل 88: يوم الافتتاح
---
"ليو…! ماذا تفعل!؟"
كسر صوت جين الصمت وهي تزيح الباب الزجاجي، وتخطو حافية القدمين على العشب.
التفت ليو، وعيناه ترمشان عند رؤية أمه تسرع نحوه.
أشرق وجهه.
"أمي!"
كانت ابتسامته مشرقة، مشرقة جداً بالنسبة للتباين البشع الذي حملته أمام المشهد الذي أمامها.
انقطع أنفاس جين.
تجمدت، ويدها ترتجف وهي تلوح فوق فمها.
"ليو... م-ما... معنى هذا؟"
"...؟"
في يده اليمنى، كان يحمل سكين مطبخ، وحافته ملطخة بالدماء.
في يده اليسرى، كان غراب مستلقياً بلا حراك، وأجنحته ترتجف بعجز، وريشه لزج بالدم.
قدماه… كانتا مفقودتين.
التوت معدة جين بعنف بينما تطلعت عيناها إلى القدمين الصغيرتين الملقاتين على العشب.
صرخ الغراب، صوتاً مؤلماً بدا وكأنه يخمش الهواء نفسه، لكن ليو فقط حدق، غافلاً عن عذابه.
"آه..."
ألقى ليو سكين المطبخ على العشب وحك خده بتكلف، ملطخاً الدماء على وجهه.
"أنا، همم… قرأت في أحد كتب أبي أن بعض الطيور يمكنها الطيران لأشهر دون هبوط. جعلني ذلك فضولياً..."
عيناه الزمرديتان، البريئة في نظراتهما، ترمقان الطائر النائب.
"إن لم يكن للطائر أرجل، أليس عليه أن يطير إلى الأبد؟"
سقط قلب جين.
تشوش بصرها للحظة، وعقلها يكافح لاستيعاب ما سمعته للتو.
انحنت ببطء، لا تريد أن تذعره.
وجدت يدها سكين المطبخ، وزيحته بحذر بعيداً عن متناوله.
"ليو..."
مسحت الدم عن خده بكم قميصها، ويدها ترتجف.
"همم؟"
رمش ليو إليها، ووجهه قناع من البراءة.
"لا تفعل هذا مجدداً،" همست، مكابحة الارتعاش في صوتها. "أتفهم فضولك، لكن يجب ألا تفعل."
"لماذا؟"
"لأنه… خطأ."
رمش ليو مجدداً، مائلاً رأسه وكأن كلماتها لغز لم يستطع حله.
"لماذا هو خطأ؟"
"لأنه قاسٍ، ليو. إيذاء الآخرين خطأ، سواء كانوا بشراً أو حيوانات. يجب أن نكون طيبين."
"طيبين؟"
تطلعت عيناه مجدداً إلى الغراب، الذي سكت في يده، وأنفاسه ضعيفة خشنة. بدا محتاراً من المفهوم.
"لكن… إن لم يكن أحد طيباً معهم، فهل يهم حقاً؟"
تضيق حلق جين وهي تنحني بجانبه، تضمه إليها، وتدفن وجهه في صدرها.
"كونك طيباً سيمنحك فرحة أكثر من إيذاء الآخرين. أنت لا تزال طفلاً، ليو. هناك أشياء أفضل بكثير يمكنك فعلها… لذا أرجوك، كبح فضولك، حسناً؟"
"سأحاول..."
شعرت جين بتردده، واستشعرت أن شيئاً ما في أعماقه لم يستوعب كلماتها بالكامل.
ذراعاه الصغيرتان تتدليان بجانبه بينما ألقى الغراب أخيراً على العشب.
توقفت صرخاته.
وفي تلك اللحظة، تعلم ليو درساً، وإن لم يكن الدرس الذي كانت أمه تأمل فيه.
قطع أرجل طائر لن يجعله يطير للأبد.
*****
وقف أزريل مجمداً، ونظراته مثبتة على جين.
لم يستطع التحرك. ذلك الوجه... شلّه.
فتح فمه وأغلقه، مقلداً سمكة تلهث للهواء.
لكنها فقط ابتسمت له، بهدوء. بلطف.
'إنها تماماً مثلها…'
"أيها الأمير أزريل!"
تردد صدى صوت، وقبل أن يتمكن من الرد، انفجر سيف من جانب رأسها.
اتسعت عينا أزريل، وعقله فارغ وهو يشاهد.
ما زالت جين تبتسم، ويدها مسترخية بلطف على خده، والأخرى ممسكة بالقماش الذي تحمله.
برز النصل من جمجمتها، لكنها لم ترتجف. ولا مرة. وقفت هناك، غير مكترثة، تحدق فيه بمودة.
ثم، تفتت.
تفكك جسدها إلى غبار أسود، مختلطاً بالرمال الداكنة تحت قدميه.
"آه..."
لم يستطع التفكير. عقله يكافح لاستيعاب رعب ما حدث للتو.
سقطت عيناه على كومة الغبار.
عظام. عظام بشرية. لا أكثر.
عض أزريل شفته.
'إنها تماماً مثلها…'
تردد الفكر في رأسه مجدداً.
حول نظره بعيداً، غير راغب في النظر أكثر.
"يجب أن نغادر الآن، أيها الأمير. هذه ليست خائفة من مواجهتنا. علينا التحرك قبل أن يجدنا شكلها الحقيقي،" قال المدرس كيفن، ويده مستقرّة بقوة على كتف أزريل.
أومأ أزريل ببطء.
"يجب علينا أيضاً تحذير المجموعات الأخرى. المجموعة الثانية من المقرر أن تدخل اليوم… من المؤسف كل هذه الحوادث."
همهم أزريل.
"نعم… إنه كذلك حقاً."
أعطاه المدرس كيفن إيماءة حادة وبدأ بالمشي إلى الأمام.
الألم، الحرارة، البرودة، كلها تلاشت.
وكأنها لم تحدث أبداً.
لكن شيئاً ما كان يقتسيد.
شيء لا يستطيعون رؤيته.
كانت المهددة قريبة.
كانوا يستشعرونها. لكن كم كانت قريبة؟ كم من الوقت تبقى لديهم؟ لم تكن هناك طريقة لمعرفة.
التراجع كان الخيار الأفضل.
كان ينبغي أن يكون كذلك.
"أيها الأم—خخ!"
توقف كيفن في منتصف الجملة.
التفت أزريل ليرى سيفه الكاتانا الأسود يخترق ظهر المدرس، والنصل يندفع من صدره، لزجاً بالدماء.
عينا كيفن، واسعتان من عدم التصديق، التقتا بعيني أزريل.
رد أزريل النظرة، شفتاه ترتجفان وهو يعض عليهما، وعيناه مليئتان بشيء غير قابل للقراءة.
"ل-لماذا...؟"
انكسر صوت كيفن، وكلماته ضعيفة ويائسة.
لم يرد أزريل. أمسك الكاتانا، آكل الفراغ، وسحبها.
انهار كيفن في الرمال السوداء.
سال الدموع على وجه المدرس، مختلطة بالدماء المتدفقة من شفتيه.
نظراته ترتجف، محتارة، مليئة بالألم والغضب… والحزن.
اقترب أزريل، واقفاً فوقه، يراقب.
امتد الصمت بينهما، كثيفاً خانقاً.
ترددت عينا كيفن ذهاباً وإياباً، باحثة عن تفسير.
"…أنا آسف."
كانت تلك الكلمات الأخيرة التي سمعها كيفن. آخر وجه رآه.
قبل أن يسود الظلام كل شيء.
*****
سحابة من الدخان تطفو أمام وجهه وهو يمسك السيجارة بين أصابعه.
كانت الشوارع تعج بالحياة، الناس يندفعون، كل منهم منغمس في عوالمه الصغيرة.
برز بينهم، مرتدياً الأسود بالكامل، وقبعته منخفضة على وجهه.
كان يرتدي معطفاً أسود طويلاً يتدلى بأناقة، مع بنطال أسود مصمم وحذاء أسود لامع.
قبعة توكسيدو سوداء كلاسيكية تستقر على رأسه.
في يد واحدة، كان يحمل سيجارة، ودخانها يتصاعد في الليل، بينما الأخرى كانت مرتدية قفازات سوداء أنيقة.
وبينما كان يتجه نحو الساحة، تثبتت عيناه على الثقب الأسود الضخم أمامه.
الزنزانة الفراغية.
لم يكن مسموحاً لأحد بالدخول، ليس بعد.
أكاديمية الأبطال كانت قد سيطرت عليها الآن.
فقط المجانين حقاً هم من يتطوعون للالتحاق بتلك الأكاديمية، عالمين أنه سيتعين عليهم وضع أقدامهم في تلك الهاوية الكابوسية.
'متلهفين جداً للاندفاع نحو موتهم...'
توقف على مسافة آمنة، يشاهد.
امرأة وقفت أمام الزنزانة، وظهرها مواجه لها، وحدها تماماً.
كانت عيناها مغمضتين، لكن شعرها الأزرق المتألق كان يموج في الريح.
ترتدي بنطالاً أسود جلدياً ضيقاً يحتضن قوامها، مع سترة رمادية فحمية ضيقة تبرز شكلها.
كان للسترة بريق خفيف، يلتقط الضوء بينما كانت تتحرك قليلاً.
على قدميها حذاء كاحل أنيق، وجلدهما الناعم يلمع تحت وهج أضواء الشوارع الخافت.
لم يستطع أن يحول نظره.
أسرته، جذبته، سكونها كان أكثر جاذبية من أي شيء آخر حوله.
لم يكن الوحيد.
من حوله، كان الناس يلقون نظرات خاطفة أو يحدقون فيها علناً.
لم تكن امرأة عادية.
كانت واحدة من أشهر الأبطال ومعلمة بارزة في أكاديمية الأبطال.
تحطم نشوته بفعل ارتطام جسم صغير بساقه فجأة.
نظر إلى الأسفل ليرى فتىً ملقىً على الأرض، يبكي، وآيس كريمه متناثر على الرصيف.
"أ-أنا آسف."
لم يقل الرجل شيئاً، فقط نظر إلى الفتى للحظة قبل أن يسحب ورقة نقدية بقيمة ١٠٠ فيلت من جيبه.
فيلت.
عملة العالم الجديد، المولودة من التغيرات العالمية وانهيار أوروبا.
جميع العملات الأخرى كانت قد محيت، واستبدلت بعملة عالمية واحدة، فيلت.
اتسعت عينا الفتى عند رؤية الورقة النقدية.
"خذها،" قال الرجل بصوت منخفض، "واشترِ ما تشاء."
رغم الخوف الواضح على وجه الفتى، تألقت عيناه وهو يأخذ الـ ١٠٠ فيلت دون تردد.
"شكراً لك أيها السيد!"
أشرق وجه الفتى، واختفت الدموع بالسرعة التي جاءت بها.
ركض الطفل بعيداً، والرجل الأسود زفر تنهيدة، يشاهده يختفي في الحشد.
رفع السيجارة إلى شفتيه، مستعداً لسحبة طويلة، لكن قاطعه تنبيه خفيف مستمر في جيبه.
أخرج جهازاً صغيراً.
شاشته تومض بنقاط حمراء، وتنبه بانتظام.
"إذاً… لقد فعلها أخيراً. استغرق وقتاً طويلاً."
ألقى السيجارة على الأرض، عالماً تماماً أنها قد تعرضه للاعتقال لإلقاء النفايات، لكنه لم يهتم.
مد يده في معطفه، وأخرج هاتفه واتصل برقم.
"لقد حان الوقت."
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]